عمق الشرخ في رأس نظام الملالي بين روحاني والخامنئي

بعث الملا حسن روحاني برسالة إلی الخامنئي ردا علی تصريحاته التي أدلی بها في اليوم الأول للسنة الإيرانية الجديدة بمدينة مشهد حيث عبر الملا روحاني في کل سطر من الرسالة التي کتبت ظاهريا للتقدير، الا أنها تعکس اختلافا في النظر بينه وبين ما أکد عليه الخامنئي خلال تصريحاته.
وخلال الرسالة ادعی الملا روحاني بأنه يطبق «نصائح» الخامنئي مقدما تقديره لـ«عنايته الخاصة» لکنه وفي الوقت نفسه أکد علی مواضيع تظهر تباين النظر بينه وبين الخامنئي بشأن مجالات مختلفة.
وفي الوهلة الأولی، قد أکد الملا روحانی علی أن حکومته نابعة من «نتائج الانتخابات وأصوات ذات مغزی» حيث تم انتقاء «حديث الاعتدال» من هذه «الأصوات ذات المغزی» ويتمثل الاعتدال في روحاني!
وحاول روحاني بهذه التأکيدات أن يتکلم بلهجة متهکمة مع الخامنئي مذکرا إياه بأنه هو الذي کان يتحدي أجندة الخامنئي أثناء انتخابات النظام الإيراني مما أدی إلی فشله في الانتخابات مقابل زمرة روحاني- رفسنجاني.
وکان تأکيد الملا روحاني علی حديث «الاعتدال» المزعوم هو وجه آخر لعملة تصريحات أدلی بها رفسنجاني خلال رسالته لعيد «نوروز» مما وصفها بــ«رسالة نابعة من القلب» مستهدفا فيها زمرة الخامنئي باتهامهم بـ«التشدد».
وأشار رفسنجاني في الرسالة إلی «التراجعات في السنوات الأخيرة» محاولة للإيحاء بأنه هو نفسه و«الاعتدال» الذي يزعمه، هما العلاج لـ «الإفراط والتفريط والإهانة والافتراء والکذب والرياء والتجسس والاغتياب وتحقير الآخرين والغطرسة والتمييز وسائر الأعمال الأخلاقية المنحطة» التي يتفرد بها النظام الإيراني برمته.
وفي تحت عنوان «التعامل مع العالم في إطار العزة والحکمة والمصلحة» ينظّر هاشمي رفسنجاني سياسة تعليق النظام بأثواب الغرب لاسيما أمريکا وأهم من ذلک أنه يعتبر هذه السياسة «ضرورة وطنية اسلامية» لنظام الملالي.
وهناک نقطة أخری في رسالة روحاني إلی الخامنئي، يجب أن نتوقف عندها وهي تأکيده علی کلمة «المواطنين» إذ أنه وفي غاية الدجل يدعی بأن حکومته تعتمد علی المواطنين معتبرا إياهم «أصحاب حقيقيين» للحکومة والبلاد. وجدير بالذکر أن استخدام هذه العبارات يعتبر تحديا أمام زمرة الخامنئي والولي الفقيه نفسه اللذين يعتبران الولي الفقيه بمثابة راع للناس حيث کان الخميني الدجال يعطي ولاية مطلقة للولي الفقيه بمثابة من يمتلک کل شيء معتبرة ولايته ترتبط بولاية الله والأئمة بحيث أنه لايمکن علی أحد أن يتدخل في هذه الولاية أو يشک فيها.
وفي هذه الرسالة التقديرية، يفصل روحاني بين «الشعب» وبين زمرة الولي الفقيه وفي غاية الدجل يعتبر نفسه «مسؤولا عن تطبيق مطالب الشعب وحماية حقوقهم وفق الدستور وبغض النظر عن المصالح السياسية والفئوية». وبهذه الجمل قد رد روحاني علی الخامنئي حينما أوصی الحکومة أثناء تصريحاته في مدينة «مشهد» بأن تعتبر هجمات زمرة «المهمومين» بمثابة نصائح مفعمة بالشفقة.
واستخلاصا لما فعله روحاني بشأن المصالح الفئوية، يمکننا القول إنه يشدد علی أن سياسته لم تصب في مصلحة الجناح المنافس بينما يختلف طريقه لإدارة شؤون البلاد ويمتلک أجندات أخری لإدارة الأمور إلی حد يجب أن تکون الزمر الداخلية للنظام، متعاونة ومتعاطفة ومنسقة مع حکومته.
وکان الخامنئي قد أکد في مدينة مشهد علی أن السياسات الاقتصادية للنظام يجب أن تکون مبنية علی طاقات داخلية بينما انتقد رؤية زمرة رفسنجاني-روحاني معتبرا إياها بمثابة الرؤية الثانية التي تنتظر الی الخارج ورفع العقوبات فحسب.
لکن في المقابل يتوقف روحاني عند الرؤية الثانية التي انتقدها الخامنئي مشددا علی أن سياسات اقتصادية تنتهجها حکومته تنظر في «الداخل» وفق «التعامل البنّاء مع العالم» وتستثمر من «الأسواق العالمية لتعزيز الناتج المحلي وزيادة التصدير!»
وبشأن أهم مسألة يواجهها النظام الإيراني أي المفاوضات النووية، أشار أيضا روحاني إلی تباين نظره مع الخامنئي مؤکدا علی «التفاهم والتعامل» مع العالم والسلطات العالمية مما يعني مواصلة محاولة زمرة رفسنجاني-روحاني لصب کأس السم النووي في بلعوم نظام ولاية الفقيه. وملاحقة لما تکلم عنه روحاني، ادعی بأنه قد استطاع استحالة کلمة «التهديد» إلی «التکريم» في المجال النووي. ويأتي هذا الکلام في إشارة واضحة للخامنئي بأن «التکريم» يمکنه أن يتحول إلی «التهديد» ضد النظام الإيراني في حال عدم مواصلة طريق المفاوضات. هذا وقد شدد الخامنئي في تصريحاته بمدينة «مشهد» علی تباين رأيه مع هذه الرؤية مغتنما الفرصة لدعم «المهمومين» للمسألة النووية محملا علی روحانی بأنه لايستطيع أن يهاجم المهمومين. وخاطب الخامنئي روحاني مؤکدا علی أن دعمه للحکومة لايعني إعطاء الورقة البيضاء لها معبرا عن همه بصراحة تجاه الأزمة النووية والعقوبات.
إن تصريحات الخامنئي في مدينة «مشهد» ورد روحاني عليه وتأکيده علی تباين الآراء والرؤی في المجالات المختلفة، تظهر عمق الشرخ في رأس النظام الإيراني أي بين المنصبين الأول والثاني لهذا النظام. ولافت للنظر أن مسار الشرخ هذا هو مسار متزايد حيث أشبه اليوم بالبارحة خلال السنة الجديدة وسنری زيادة التوتر والصراع بين کلا الزمرتين للنظام مما سيؤدي إلی دق الإسفين بشکل أسرع في داخل نظام الولاية الفقيه الغارق أکثر من أي وقت مضی في الوحل والمأزق مما يذکرنا بمثل شهير يقول: یَکفِیکَ مِمّا لا تَریَ ما قدْ تَرَی!







