رأي: بوتين وجيشه في سوريا بين خياري أوکرانيا وأفغانستان.. ومکانة أمريکا القيادية في العالم تنحدر

شبکة سي ان ان الاخبارية
17/9/2015
مقال لفريدا غيتيس، صحفية مستقلة تکتب عن الشؤون العالمية لـ”مايامي هيرالد” و”ورلد بوليتيکال ريفيو”. عملت کمنتجة ومراسلة سابقة لـCNN. المقال يعبر عن وجهة نظر الکاتبة ولا يعکس بالضرورة رأيCNN .
خمّنوا من قرر الانضمام للصراع بسوريا؟ روسيا الخاضعة لحکم فلاديمير بوتين. فعلی ما يبدو، لم تردعه العقوبات الدولية، ويتمتع بالسيطرة الکاملة علی الأراضي التي استولی عليها من أوکرانيا في العام الماضي. وهو الآن يخطط لشن حملة کبيرة علی سوريا، البلد الذي هو اليوم بؤرة بلا منازع من الصراع العالمي والفکر المتطرف والبؤس الإنساني.
المبيعات العسکرية الروسية إلی النظام السوري ليست بالأمر الجديد. ولکن في الأيام القليلة الماضية، يبدو أن شيئا ما قد تغير. حيث تفيد تقارير مسؤولي المخابرات وشهود العيان علی أرض الواقع، زيادة مفاجئة وحادة في النشاط الروسي، المصحوب بأسلحة أکثر تطورا، والمزيد من العناصر البشرية، والعمل بتوسيع مرافق الميناء والمطار، وبناء ثکنات مجهزة لإيواء ما يُقدّر بنحو ألف من عناصر الجيش الروسي.
والأمر الأکثر إثارة للقلق، هو التنبؤات بتخطيط روسيا لإقامة قاعدة عمليات جوية في اللاذقية بسوريا، المدينة التي تُصف بأنها معقل الرئيس السوري بشار الأسد، رغم نفي المبعوث السوري للعاصمة الروسية موسکو هذه الشائعات.
وأبرزت هذه التطورات السريعة عدم استعداد الولايات المتحدة وعدم تأکدها من کيفية الرد وارتباکها حول نوايا بوتين الحقيقية. حيث نذکر أن الرئيس الأمريکي أوباما فاجأ الجميع منذ شهرين عندما مدح بوتين لمساعدته في التفاوض باتفاق إيران النووي، واقترح أن مشارکة روسيا الإيجابية يمکن أن تمتد لإيجاد حل للحرب السورية.
وعلی الأرجح يريد بوتين اقناع أوباما بأن هذا هو بالفعل ما ينوي القيام به. ولکن الواقع هو أن الروس يعملون في معارضة مباشرة لأهداف الولايات المتحدة. فقد تحالفت روسيا استراتيجيا مع إيران، ويدعم ذلک أحدث زيارات قائد فيلق القدس التابع لحرس الثورة الإسلامية، قاسم سليماني، إلی موسکو.
وعندما بدأ مسؤولون أمريکيون بالاعتراض علی الحشد العسکري المفاجئ في سوريا، ردت موسکو أولا بأنها فقط تدعم عقود مبيعات أسلحة عُقدت في فترات سابقة. وعندما أصبح من المستحيل إنکار وفرة الأسلحة الروسية في سوريا، قال وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، إن روسيا تساعد حکومة بشار الأسد في مواجهة الدولة الإسلامية، وأنها أرسلت بعض المدربين لمساعدة الجيش السوري علی استخدام الأسلحة.
وحاول بوتين جعل الأمر يبدو کما لو أن موسکو وواشنطن علی نفس الخط، کلاهما في خط الدفاع الأول جنبا إلی جنب لمکافحة الدولة الإسلامية، التي تعرف أيضا باسم “داعش”. حيث قال الرئيس الروسي: ” نحن بالفعل نريد تأسيس نوع من التحالف الدولي لمکافحة الإرهاب والتطرف.”
ولکن في هذه الحرب، حقيقة أن الطرفين لهما عدو مشترک لا يجعل منهما أصدقاء. فکل من روسيا والولايات المتحدة ينظر لداعش نظرة عدائية، ولکنهما يقفان علی طرفين متناقضين من الصراع.
ففي نهاية المطاف، لا ينوي الروس قتال داعش حقا. إنهم في سوريا لتحقيق مصالحهم وحماية الأسد. وبالمقابل، هدد أوباما بموجب رحيل الأسد دون اتخاذ أي إجراء لفرض ذلک، وتنبأ بأن الحرب لن تنتهي خلال فترة رئاسته.
ورغم ذلک، أصدر حساب تويتر الرسمي لوزارة الشؤون الخارجية الروسية يوم الجمعة بيانا منسوبا لوزير الخارجية ينفي فيه وضع حد لنظام الأسد. حيث قال: “علينا التخلي عن فکرة تغيير نظام الحکم في سوريا، لأن المحاولات السابقة أدت إلی ارتفاع غير مسبوق في الإرهاب.”
ويأتي الدليل علی عدم وجود عزم لمحاربة داعش في شکل الأسلحة التي يتم تزويد النظام السوري بها، خاصةً أنظمة الدفاع الجوي المتقدمة. فليس لدی داعش أي قدرة علی الهجوم عن طريق الجو، مما يشير إلی أن روسيا حشدت بالفعل الدفاع الجوي السوري لهدف آخر، ربما القوات الترکية، أو بسبب مناطق حظر الطيران المحتملة التي قد تؤسسها قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة.
وتهتم موسکو بسوريا جزئيا لأنها تستضيف الميناء الوحيد لروسيا في البحر الأبيض المتوسط. حيث تقع المنشأة البحرية “طرطوس” علی بعد حوالي 50 ميلا الی الجنوب من اللاذقية، المدينة التي يمکن أن ينتهي بها المطاف کعاصمة جديدة لسوريا إذا تجزئت الدولة.
في نهاية المطاف، رغم دعم روسيا لسوريا إلا أن السبب وراء ذلک ليس دعم الأسد فعليا وإنما محاولة لزيادة نفوذها العالمي. حيث تحاول موسکو تعزيز وجودها في الشرق الأوسط، والوقوف بحزم وراء الدکتاتور العربي الذي تعارضه واشنطن.
ومع کل طائرة شحن عسکرية تهبط في سوريا، تؤکد موسکو أکثر علی عزمها علی لعب دور حيوي عسکري في ساحة الصراع الدولي. ومن خلال ذلک، وجد بوتين وسيلة لتأکيد القوة الروسية، وتسخير الاضطرابات في الشرق الأوسط لصالح روسيا.
ورغم تصاعد التدخل الروسي، إلا أن المحللين الغربيين لا يزالون غير متأکدين من طبيعة أهداف بوتين الحقيقية. هل سيکتفي بحماية الأسد؟ هل سيقبل بالدفاع عن القاعدة البحرية الروسية ووصول بلاده إلی البحر الأبيض المتوسط فقط؟ أم ينوي مساعدة الأسد وحزب الله بالتغلب عل الجماعات المعارضة لهم واستعادة السيطرة علی کل سوريا؟
نهاية هذا الوضع يمکن أن يکون له تداعيات خطيرة علی المنطقة وبالنسبة لروسيا، فنذکر أن تورط موسکو في أفغانستان هو الذي ساعد علی اسقاط الاتحاد السوفياتي. ولکن أيا کان ما سيحدث بعد ذلک، يتعين علی الغرب أن يتعلم شيئا واحدا من الأشهر الـ18 الماضية: وهو أن بوتين خصم جريء وجسور، ما يمثل مشکلة کبيرة، خاصة في الوقت الذي لا تزال فيه استراتيجية الغرب بحل أزمة أوکرانيا غير واضحة. کما أن طرقه للتعامل مع الأزمة السورية تُظهر عدم تأهله لردع روسيا إذا تطلب الأمر.
وکلما ترسخ الأسد علی العرش أکثر، کلما تضاءلت فرصة إيجاد حل للحرب السورية. ولذلک، لا يساعد هذا التحالف القوي بين روسيا وإيران في سوريا الشعب السوري، ولا يساعد ذلک الولايات المتحدة وحلفائها التي تنحدر مکانتها القيادية العالمية قليلا کل يوم.







