ناشطون يوثقون عنف النظام السوري بحق النساء

ايلاف
20/11/2014
يحاول ناشطون سوريون توثيق “الجرائم الجنسية” التي يقترفها جنود النظام وشبيحته
بحق النساء، للفت نظر المجتمع الدولي، إلا أنهم يجدون صعوبات جمة، بسبب عادات وتقاليد المجتمع السوري المحافظ.
ما أن أُفرج عن الشابة السورية من سجون النظام في إطار اتفاق لتبادل الأسری مع المعارضة، حتی طلقها زوجها. وفي بيت أهلها، کانت نادرًا ما تغامر بالخروج. وحين اصبحت نظرات الأهل ايضا تکتسب طابعًا عدائيًا، قررت الرحيل إلی ترکيا
“الحفلة”
في ترکيا، اتصل بها الناشط کريم صالح الذي يعرفها من فترة العمل معًا خلال الانتفاضة السلمية، بأمل توثيق ما تعرضت له في سجون بشار الأسد. لکنها رفضت الکلام، متسائلة عن جدوی الحديث عن محنتها وکيف يخدم قضية المعارضة.
وعندما وافقت بعد الحاح استمر عدة ايام، اکتفت بوصف ظروف الاعتقال بعبارات عمومية قائلة: “کان هناک الکثير من التعذيب”. وحين تُسأل عن صنوف التعذيب، کانت تجيب: “الکثير من التعذيب”.
لکن صالح لم ييأس، وظل يسألها إلی أن بدأت تتحدث عن اغتصابها بلغة محدَّدة. قالت إنها وست سوريات أُخريات خُطفن من بيوتهن، ونُقلن إلی مقر أمن الدولة في منطقة سکنهن. وعلی امتداد 22 يومًا، کن يتعرضن للاغتصاب بالتناوب، وکان مسؤول المقر يدعو الجنود وآخرين إلی ما کان يسميه “الحفلة”. وبعد أکثر من عامين، لم تتحدث أي من الضحايا عن محنتها
التحدي الأکبر
ينتمي صالح وزوجته نور الخطيب إلی مجموعة صغيرة من الناشطين الذين يواصلون توثيق انتهاکات النظام السوري لحقوق الانسان. ومنذ الأيام الأولی للانتفاضة في العام 2011، حاولوا توثيق کل حالة وفاة، وکل صاروخ وکل قنبلة، حتی في وقت بدا أن العالم لم يعد يکترث للدمار اليومي الذي يحدث في سوريا.
لکن توثيق الاعتداءات الجنسية هو التحدي الأکبر، لأن تقاليد المجتمع تفرض علی أهل المغتصبة أن يدينوها لأنها جلبت لهم العار. ويکون همُّ الضحية وأهلها الحفاظ علی شرف العائلة بدلًا من المطالبة بالعدالة وملاحقة جلاوزة النظام، لا سيما أن فرص مقاضاتهم معدومة عمليًا في اجواء النزاع والحرب.
عادة، تهرب الضحية أو تُطلَّق أو تُجبر علی الزواج من رجل أکبر سنًا، لينتهي بها المآل زوجة ثانية أو ثالثة. وفي الحالات القصوی يقتلها ذووها غسلا للعار
العدد أکبر
قال صالح لصحيفة لوس انجيليس تايمز: “هذا موضوع محرم الخوض فيه ولکن من الضروري أن نوثقه”. وتزايدت حالات الاغتصاب التي تتعرض لها النساء السوريات منذ بدأت قوات النظام وشبيحته يقتحمون الأحياء والمدن الخاضعة لسيطرة المعارضة.
وتمکنت الشبکة السورية لحقوق الانسان من توثيق 4850 حالة عنف جنسي، أکثر من نصفها حالات اغتصاب. وکانت 40 حالة فقط تستند إلی اقوال الضحايا، والحالات الأخری إلی افادات شهود. لکن العدد الحقيقي أکبر بکثير.
ولاحظت الناشطة سما نصار، التي أعدت تقريرًا قدمته إلی الشبکة الاوروبية ـ المتوسطية لحقوق الانسان، أن أهل الضحية يقولون: “ما جدوی التوثيق؟ هل ستعيدون لنا ابنتنا کما کانت؟”. وإذ يعيش ملايين السوريين في مخيمات لاجئين ينعدم فيها الأمن داخل سوريا وخارجها، يکون العنف الجنسي خطرًا لا مفر من مواجهته.
وتمکَّن صالح وزوجته من توثيق اعتداءات جنسية ارتکبها اعضاء في فصائل معارضة ايضا، لکنهما لم ينشروها خوفا من الانتقام في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة.
آثاره تبقی
في کل سجن تُنقل اليه الخطيب، کانت تجمع قصص سجينات. ومنذ الافراج عنها في کانون الأول (ديسمبر) 2012، قررت التفرغ لتوثيق حالات الاعتداء الجنسي علی السجينات وتعذيبهن. وقالت الخطيب لصحيفة لوس انجيليس تايمز: “الاغتصاب أهم ما يجب توثيقه من الانتهاکات، لأن آثاره تبقی إلی الأبد. أما آثار التعذيب فتندمل”.
في تموز (يوليو) 2012، جاء حراس السجن بالناشطة الاعلامية سلمی إلی زنزانة الخطيب. وتتذکر الخطيب أن سلمی کانت في حالة هستيرية، آثار رضوض وکدمات جديدة علی جسمها وشعرها مقصوص بطريقة عشوائية. وعلی امتداد اسبوعين، کان سلوک سلمی متقلبًا، تارة تهرف وتارة تتوسل طالبة مهدئات. وحاولت النساء الأخريات في الزنزانة تضميد جراحها وتهدئتها.
وبعد ثلاثة اسابيع، روت لها الخطيب ما حدث لها خلال الاعتقال والتحقيق بأمل أن تکسب ثقتها. وشيئًا فشيئًا، بدأت سلمی تروي ما حدث لها
قتلها أهلها
قبل شهرين علی اعتقال سلمی، خطفها شبيحة کانوا يغتصبونها ويعذبونها باستمرار. وفي النهاية سلمها الشبيحة إلی فرع الأمن المرکزي. ونقلت الخطيب عن سلمی قولها أن جلاوزة النظام في الأمن المرکزي علموا انها اغتُصبت، فاغتصبوها مجددًا.
وحين أُفرج عن سلمی بعد أشهر رهن الاعتقال، قتلها اهلها. وقالت الخطيب إن أهل سلمی لم ينکروا قتلها لأنها برأيهم قُتلت حفاظًا علی شرف العائلة، مراهنين علی نظرة المجتمع التي تری أن قضايا الشرف لا تخضع للملاحقة القانونية.
وأکدت الناشطة سما نصار انها حاولت توثيق عملية اغتصاب جماعي ارتکبها جنود النظام في أحدی القری حيث عثر الجنود علی ثماني نساء علی الأقل مختبئات في قبو وهناک اغتصبوهن وسمع اشخاص قرب المکان صراخهن. لکن نصار لم تتمکن من متابعة الحادث، لأن سکان القرية کانوا مرعوبين من انتشار خبر ما حدث لنسائهم، بل أن احدهم هددها قائلًا: “إذا ذکرت هذا الحادث سأقطع لسانک”.
ما الفائدة؟
وقالت نصار إن التوثيق يأتي بالمرتبة الثانية بعد مساعدة الضحايا بما هو متاح من وسائل محدودة، مثل عرض الضحية علی محلل نفسي أو طبيب مستعد لاجراء عمليات اجهاض. ولاحظت نصار أن الضحايا احيانًا لا يروين ما حدث لهن إلا مقابل معونة نفسية أو طبية.
ويُسأل الناشطون في احيان کثيرة عن الفائدة من توثيق اعمال العنف الجنسي التي يرتکبها النظام. فخلال العامين الأولين من الانتفاضة کان السوريون يعتقدون بأن المجتمع الدولي سيتدخل إذا علم ما يجري في البلاد. ولکن بعد آلاف الصور وأشرطة الفيديو والمقابلات التي قُدمت إلی المجتمع الدولي دون جدوی، تبدد هذا الأمل.







