تقارير

«طالبان» وطهران وحدود الرهان

 

 
الحياة اللندنية
27/5/2015


في 19 أيار (مايو) الجاري، أعلنت مصـــادر «الحرس الثوري» الإيراني، وحرکة «طالبـــان» الأفغانية، أن وفداً رفيع المستوی مـــن الحرکة برئاسة مدير مکتبها في الدوحة طيب آغا، زار طهران، وهي الزيارة الثالثة خلال السنوات الثلاث الماضية. وکانت الزيارة الأولی عندما شارکت الحرکة (السنية المتشددة) في مؤتمر «الصحوة الإسلامية» الذي عُقد في طهران عام 2012. أما الزيارة الثانية فتمت بسرية تامة عام 2014.
الزيارة الأخيرة لوفد «طالبان» إلی طهران تشکل نقلة نوعية في علاقات الجانبين، اللذين لديهما کل أسباب التناقض والصراع مذهبياً وسياسياً، وتحمل من الأبعاد والدلالات والنتائج والتداعيات الکثير: فعلی الجانب الطالباني، وعلی رغم تصريح مسؤول بارز في «طالبان» أفغانستان عن خلافات سابقة لا تزال موجودة بين الحرکة وإيران، وفي مقدمها ملف معتقلين من «طالبان» في إيران، ودعم طهران حکومة کابول الحالية، والظروف المتعلقة بأوضاع اللاجئين الأفغان في إيران والبالغ عددهم نحو 2.5 مليون نسمة، والانتهاکات التي تمارسها السلطات الإيرانية بحقهم، لاسيما تجنيدهم وإرسالهم إلی العراق وسورية، واستغلال وضعهم الصعب في إيران. لکن ذلک، علی حد تعبير مسؤول طالبان، «لا يعني عدم التحاور معها (إيران) في قضايا محددة». فالزيارة تأتي في ظل تزايد الضغوط علی الحرکة، التي تواجه أزمة مالية حادة أيضاً، سواء من جانب باکستان (بضغط صيني)، أو من جانب الولايات المتحدة من أجل فرض حل تفاوضي بين کابول وطالبان، التي ترفض الحوار مع حکومة کابول، فطالبان تری في الحکومة الحالية بقيادة الرئيس أشرف غني أداة في يد الأميرکيين ولا تمثل شيئاً، وقبلت أن تبيع أفغانستان للأميرکيين تحت غطاء الاتفاقية الأمنية ومنحتهم قواعد عسکرية في البلاد.
وعلی الجانب الإيراني، من المعروف أن طهران ناصبت طالبان العداء منذ سيطرة الأخيرة علی السلطة في کابول عام 1996، بدعم باکستاني، وترحيبها (طهران)، إن لم يکن مساهمتها، بإسقاط واشنطن نظام طالبان في تشرين الثاني (نوفمبر) 2001، بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) التي نفّذها تنظيم «القاعدة» بزعامة أسامة بن لادن الذي کانت تستضيفه الحرکة.
لکن طهران بذلت، خلال السنوات القليلة الماضية، جهوداً حثيثة لبدء علاقة جديدة مع «طالبان»، إذ سعت إيران لتقديم کل أنواع الدعم السياسي والعسکري لحرکة طالبان، حيث تتوافر الأسلحة الإيرانية في محافظات کابول وغازني في المنطقة الوسطی وقندوز وبلخ في الشمال وهلمند وقندهار في الجنوب، کما وافقت إيران علی فتح مکتب لحرکة طالبان في مدينة زاهدان شرق إيران.
فمن ناحية أولی، تتحسب طهران لتداعيات انسحاب القوات الأميرکية والدولية من أفغانستان أواخر کانون الأول (ديسمبر) الماضي، وتحاول أن يکون لها دور في مستقبل أفغانستان، عبر الانفتاح علی مکوناتها وقواها کافة، بما فيها طالبان، بالنظر إلی استمرار قوة الحرکة وفعاليتها في توازنات الداخل الأفغاني، لاسيما في ظل توافق إقليمي يسعی إلی إعادة الاستقرار لهذا البلد المضطرب منذ أکثر من ثلاثين عاماً.
ومن ناحية ثانية، تحاول إيران الانفتاح علی تنظيم سُني مؤثر(کما هي الحال مع حرکة «حماس» الفلسطينية)، تنفي به تهمة الانحياز إلی الفصائل الشيعية في استراتيجيتها ومشروعها الإقليمي في المنطقة، لاسيما في ظل مساعي طهران لـ «احتواء» هذا التنظيم السني المتشدد وربما «تهذيب» أفکاره وسياساته، أو لدرء شروره وعدائه لها.
ومن ناحية ثالثة، ومع تزايد نفوذ تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش) الإرهابي المتشدد، أخذت المواقف الدولية والإقليمية تجاه حرکة «طالبان أفغانستان» في التطور، حيث رفضت الولايات المتحدة في نهاية کانون الثاني (يناير) الماضي اعتبار الحرکة جماعة إرهابية، بخلاف تنظيمي «القاعدة» و»داعش». وفي السياق ذاته تحاول إيران تکوين علاقة جديدة مع «طالبان»، التي لوَّحت بدورها إلی استعدادها لمراجعة علاقاتها بإيران، بخاصة بعدما أبدت باکستان استعدادها للتخلي عن الحرکة نتيجة تحسن علاقاتها مع الحکومة الأفغانية.
لکن محاولات إيران إنشاء علاقة جديدة مع «طالبان»، قد تعرقل الجهود التي تهدف إلی تعزيز العلاقات بين کابول وطهران، اللتين أبرمتا اتفاقاً للتعاون الإستراتيجي أثناء زيارة الرئيس الإيراني حسن روحاني کابول في منتصف آب (أغسطس) 2014. فمن ناحية أولی، عندما احتضنت طهران في سرية تامة وفد طالبان العام الماضي، أبدت الحکومة الأفغانية استياءها البالغ إزاء سياسة طهران المزدوجة، واتهمتها مراراً بدعم الجماعات المسلحة التي تنشط ضد الجيش الأفغاني والقوات الدولية في أفغانستان، وأعلنت أجهزة الأمن الأفغانية مرات عدة عن عثورها علی أسلحة إيرانية أثناء المعارک مع «طالبان»، والتي تسببت في مقتل 64 جندياً من قوات التحالف منهم 46 جندياً أميرکياً ونحو 256 جندياً حکومياً و320 مدنياً، خلال العام الماضي.
والأکيد أن محاولات إيران تکوين علاقة مع «طالبان،» ستؤدي إلی تعثر علاقاتها بالحکومة الأفغانية الحالية، التي قرّرت فتح صفحة جديدة في علاقاتها مع دول الجوار، تقوم علی مبدأ عدم التدخل، والتعاون في ما بينها، فعلی رغم الزيارات المتبادلة بين کابول وطهران منذ أوائل العام الحالي، ولعل آخرها زيارة الرئيس الأفغاني أشرف غني إلی طهران في 19 نيسان (أبريل) الماضي، فإن العلاقات بينهما تشهد توتراً بسبب معارضة طهران توقيع کابول الاتفاقية الأمنية مع واشنطن في تشرين الأول (أکتوبر) الماضي، وذکرت بعض وسائل الإعلام الأفغانية أن السلطات الإيرانية أبدت قلقها حيال نية أفغانستان بناء عدد من السدود في الأقاليم المجاورة لإيران، ما قد يعني تجدد النزاع المائي بين الجارتين.
ومن ناحية ثانية، فإن إقامة «طالبان» علاقة مع طهران ستکون بمثابة انتحار سياسي للحرکة السنيّة المتشدّدة، إذ إنها لا محالة ستفقد شعبيتها في أوساط الشعب الأفغاني. وتنذر بوقوع انشقاقات وصدامات بين الأکثرية السنية والأقلية الشيعية (الهزارة)، فثمة قلق في الأوساط الشعبية الأفغانية إزاء نفوذ إيران المتزايد، فهي توسّع نفوذها من خلال الاستثمارات الضخمة في العديد من المحطات التلفزيونية والإذاعات التي تدعم التوجه الإيراني، وتدير مواقع إلکترونية وصحفاً تروّج للفکر الإيراني، إضافة إلی إنشاء مراکز ثقافية ودينية، وإدارة قنوات إعلامية أفغانية أو مؤسسات تعليمية، وحتی شراء أراضٍ في المناطق الحساسة والطرق السريعة لبسط نفوذها في أفغانستان.
ومن ناحية ثالثة، فإن أيّ نوع من التقارب بين إيران وحرکة «طالبان أفغانستان» يثير مخاوف من تفجر صراع بين الأخيرة و»داعش»، ما قد يدفع أفغانستان نحو حرب جديدة لا تُحمد عقباها. وکان التنظيمان أعلنا الجهاد ضد بعضهما بعضاً في إقليم هلمند، بعدما أصدرت طالبان بياناً وصفت فيه «داعش» بأنه منظمة غير مسلمة، يجب الجهاد ضدها، عقب مواجهات شرسة بين التنظيمين في منتصف أيار الجاري في إقليمي زابل وهلمند الحدوديتين بين أفغانستان وباکستان، إذ يحاول «داعش» بسط نفوذه في المناطق الحدودية في إقليم ننجرهار، والتي تشکل موقعاً استراتيجياً مهماً تحاول کل الجماعات المسلحة بسط نفوذها الشعبي والعسکري فيه. کما أن انشقاق عدد کبير من المسلحين والقادة الميدانيين من الحرکة وانضمامهم إلی «داعش» کان من أهم أسباب امتعاض «طالبان»، إذ إنه أدی إلی تدهور قوتها الميدانية، خصوصاً في بعض الأقاليم الجنوبية کإقليم غزنة وزابل وهلمند، معاقل «طالبان» الرئيسة.

زر الذهاب إلى الأعلى
منظمة مجاهدي خلق الإيرانية - أرشیف
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.