معنی تراجعات متتالية لأجهزة القمع لنظام الملالي تزامنا مع تصعيد موجة الإعدامات

في هذه الأيام نری أن أجهزة القمع للنظام الإيراني تسير علی منهجين متناقضين. الأول هو تراجعات متتالية لم يسبق لها مثيل بما فيها إطلاق سراح کافة المعلمين المعتقلين في احتجاجات أقيمت أمام مبنی برلمان النظام الإيراني في 22تموز/يوليو 2015 وکذلک عضو لنقابة المعلمين بمدينة کرج بعد يومين من اعتقاله عقب احتجاجات المعلمين في 27تموز/يوليو وکذلک اطلاق سراح الطبيبة «رزمجويي» في مدينة «نورآباد ممسني» فور احتجاج الوسط الطبي وأبناء المدينة علی اعتقالها وتقديم الاعتذار إلی هذه الدکتورة من جانب وزير الصحة للنظام الإيراني في 26تموز/يوليو وثم اعتذار ضمني قدمه المتحدث باسم السلطة القضائية إلی الدکتورة «رزمجويي» لاحتواء قضية اعتقالها بحيث أن الملا ايجئي قد أکد علی أنها لم تعتقل وإنما تم اقتيادها مکبلة اليدين إلی مرکز الشرطة. وفي النهاية قدم المدعي العام لمدينة «نورآباد ممسني» اعتذارا مباشرا لهذه الدکتورة بعد أن استمرت احتجاجات الأطباء والکوادر الطبية في مختلف المدن المجاورة بينها «إيذة» و«ياسوج» و«کازرون» يوم 30 تموز.
لکن في مقابل هذه التراجعات، صعد نظام الملالي حملة الاعتقالات بذرائع مختلقة من الملالي تطال الشباب منها الطواف بعدد من الشباب بينهم إمرأتان في شوارع طهران بشکل موهن والأهم من ذلک قد بدأ النظام الإيراني جولة جديدة من الإعدامات الجماعية أمام المرأی العام. ومنها ، أعدم النظام الإيراني الثلاثاء 28 تموز/يوليو 12شخصا في السجن المرکزي بمدينة کرج ويوم الأربعاء 29 تموز 11 شخصا في سجن قزلحصار بمدينة کرج و3أشخاص أمام المرأی العام في مدينة کرج (مما أثار غضب الشباب المتواجدين في الساحة مشتبکين مع جلادي النظام الإيراني) وفي الخميس 30تموز/يوليو 5أشخاص بمدينة کرمان وشخص واحد في مدينة أردبيل.
السؤال الذي يتبادر إلی الذهن هو أنه ما سبب هذين التعاملين المتناقضين لأجهزة القمع لنظام الملالي وما معنی ذلک؟
الجواب هو أنه وعلی الرغم من البون الشاسع بين هذين المنهجين لکنهما يستمدان قوتهما من جذر واحد وهو خوف النظام الإيراني من غليان السخط الشعبي عقب تجرعه کأس السم النووي. سبق أن حذر الملا روحاني عينه من خطورة الظروف الراهنة حينما قال: «يجب أن نجهز أنفسنا لفترة ما بعد المفاوضات». ونوهت الصحف التابعة لزمرة رفسنجاني إلی الموضوع بشکل أوضح حيث کتبت إحدی هذه الصحف فور تجرع النظام کأس السم النووي قائلة: «يجب أن نراعي الاعتدال ولا نبعث کثيرا من الآمال لدی المواطنين حتی يشدوا أحزمتهم، فعلی الحکومة أن تخطط» (صحيفة آفتاب يزد-20تموز/يوليو 2015) وأشارت صحيفة أخری تابعة لهذه الزمرة إلی ضرورة «إدارة المطالبات» للمواطنين وأکدت قائلة: «المسألة الجدية الأخری هي خلق حالة من الترقب والتوقع لدی المجتمع… فعلی الحکومة أن تخطط برنامجا محددا لاجتياز هذه المرحلة… و من منطلق خلق الأفکار العامة يجب اتخاذ تدابير غير مسبوقة حتی الآن» (صحيفة شرق- 22تموز/يوليو 2015). لکن «علي مطهري» العضو في برلمان النظام الإيراني قد نبه بشکل واضح من تجمع المعلمين الغاضبين أمام مبنی برلمان النظام الإيراني بحيث أنه قد هرع للحضور في الساحة بعد نشر أخبار عن اعتقال المعلمين المحتجين وقال: «ليس من الضروري أن نتعامل بحساسية مع هذه التجمعات لاسيما تجمعات التربويين». وتکفينا الإشارة إلی جملة واحدة من افتتاحية صحيفة «مردم سالاري» في عددها الصادر في 26تموز/يوليو 2015 لتظهر لنا واقع الأمر جملة وتفصيلا حينما قالت: «هناک اجحاف وتعسف بشکل واضح تجاه الموظفين والمتقاعدين لاسيما التربويين. إن عدم التوازن المفروض حاليا والذي هو لا يتناسب مع الکفاءات وبعضها يعد إسرافا ، يشکل أخطارا علی مستقبل النظام لذلک لاينبغي النوم في بيئة تبدو هادئة نتيجة بعض انجازات اکتسبتها السياسة الخارجية».
نعم إن ردود أفعال متضاربة وغير متوازنة لأجهزة القمع التابعة لنظام ولاية الفقيه تظهر مأزقا يتخبط فيه النظام الإيراني في فترة ما بعد تجرعه کأس السم النووي مما يشکل أجواء خطرة للنظام الإيراني أکثر من السابق بحيث أنه مضطر من جهة إلی الخنوع لهکذا تراجعات مُرة ومؤلمة خوفا من فوران برکان الاحتجاجات الشعبية مما يمهد الأرضية لانفجار الغضب الشعبي ومن جهة أخری يصعد في الوقت نفسه آلة القمع والاعدام تعويضا لهذه التراجعات وخلق الأجواء الشعبية . وهذا هو جانب من المأزق الذي يعيشه النظام في فترة ما بعد السم النووي أي ما وصفه قادة النظام الإيراني بـ«فترة ما بعد المفاوضات».







