تقارير
تصفية الصحفيين السوريين وقتل الوجه الحقيقي للثورة

1/10/2017
کاتب صحفي سوري ابراهيم العلبي
کاتب صحفي سوري ابراهيم العلبي
فُجع السوريون بنبأ مقتل الناشطة الإعلامية المخضرمة، الدکتورة عروبة برکات، وابنتها الصحفية حلا برکات، في منزلهما بحي أوسکودار بمدينة إسطنبول الترکية، حيث تقيمان، ليس لکون العائلة بجميع أفرادها ثواراً ومناضلين ضد نظام الأسد، منذ عقود فحسب؛ بل لأن الجريمة تحمل في ملابساتها بصمات استخباراتية.
بحسب المعلومات الواردة من الشرطة وأقارب الضحيتين، وسکان البناء الذي وقعت فيه الجريمة، فقد أقدم القتلة علی قتل عروبة وحلا بطريقة لم تلفت انتباه أحد من الجيران، ما يعني أنهم استخدموا السکين أو مسدساً کاتماً للصوت، بحسب روايتين متضاربتين، ويبدو أن الضحيتين أظهرتا قدراً کبيراً من المقاومة، حيث سُجّل تحطم بعض الأثاث في المنزل، لينتهي المشهد الأسود بقيام القتلة بسکب مواد التنظيف علی جثتي عروبة وابنتها، لکي لا تفوح رائحة موتهما بسرعة، وهذا أول مؤشر علی أن الجريمة ذات بُعد سياسي ونفذتها أيادٍ استخباراتية مدربة، وليست جنائية، رغم أنها تحتمل کلا الأمرين.
وإن کنا لا نضع أنفسنا مکان المحققين، إلا أن من حقنا أن نسأل سؤالهم التقليدي في کل جريمة: من المستفيد؟ وبقدر ما يبدو السؤال مهولاً تبدو الإجابة بسيطة، فالدکتورة عروبة برکات (60 عاماً) ناشطة معارِضة لنظام الأسد الأب والابن منذ ثمانينيات القرن الماضي، وهو ما اضطرها إلی ترک سوريا وبدء رحلة هجرة متعددة المحطات، قادتها إلی کل من الإمارات وبريطانيا والولايات المتحدة، حيث أنجبت ابنتها حلا برکات، وانتهت بها في إسطنبول، حيث أقامت منذ انطلاق الثورة السورية عام 2011 وعُرفت بمواقفها الصلبة من النظام ونقدها مؤسسات المعارضة.
أما حلا نفسها (22 عاماً)، فقد تخرجت لتوها في جامعة إسطنبول بتخصص العلوم السياسية، وکانت تعمل صحفية في موقع “أورينت نيوز” النسخة الإنکليزية، وعملت قبله في قناة “تي آر تي” الترکية النسخة العالمية، کما أنها ناشطة بقوة في فعاليات الثورة.
وأکدت الشرطة الترکية، بحسب صحيفة “يني شفق” المحلية، أن کلاً من حلا وأمها کانت تسهم في التحضير لإنتاج فيلم وثائقي يحکي قصة الثورة وأسبابها المتمثلة بالحکم القمعي السلطوي لآل الأسد، کما ذکرت الشرطة أن عروبة تلقت تهديدات من طرف النظام في الآونة الأخيرة.
صحيح أنه ليس بمقدورنا الجزم بمن يقف خلف الجريمة، التي لا تشبه إلا أکثر عمليات الاغتيال السياسي احترافاً، لکنه يتعين علينا أن نضع في حساباتنا 3 عمليات اغتيال سياسي مشابهة حدثت علی الأراضي الترکية منذ عام 2011، واستهدفت صحفيين وناشطين إعلاميين مقيمين في ترکيا.
العملية الأولی قًتل فيها عضو حملة “الرقة تذبح بصمت” إبراهيم عبد القادر، وصديقه فارس حمادي، أحد إعلاميي الرقة، ويعمل في مؤسسة “عين علی الوطن”، وذلک عندما عُثر عليهما مذبوحَين مقطوعَي الرأس في شقتهما بمدينة أورفة (جنوب ترکيا) في 29 أکتوبر/تشرين الأول 2015.
فيما قُتل في العملية الثانية الناشط الثوري والإعلامي ناجي الجرف، الذي ينحدر من الأقلية الإسماعيلية من مدينة السلمية، بإطلاق نار من مسدس کاتم للصوت، في مدينة غازي عنتاب بتاريخ 17 ديسمبر/کانون الأول 2015.
أما العملية الثالثة، فقد أطاحت بالإعلامي الشيخ زاهر الشرقاط الذي کان يعمل في قناة “حلب اليوم” الثورية، وذلک بطلق ناري أصابه في الرأس، بمدينة غازي عنتاب حيث يقيم بتاريخ 10 أبريل/نيسان 2016، ليتوفی بعد يومين متأثراً بإصابته.
والجامع بين ضحايا عمليات الاغتيال الثلاث السابقة أن تنظيم داعش تبناها بالکامل، وبث شريطاً مصوراً أظهر طريقة إعدام کل من إبراهيم عبد القادر وفارس حمادي وناجي الجرف في وقت لاحق.
والجامع أيضاً بين هؤلاء الضحايا وآل برکات، أنهم جميعاً يتخذون موقفاً حازماً من التطرف وتنظيمي داعش والنصرة، ولهم نشاطات مشهودة في هذا الصدد، في الوقت الذي يتخذون موقفاً مماثلاً -وربما أشد صرامة- من نظام الأسد ويؤيدون الثورة بکل طاقتهم، ويحملون خطاباً وطنياً يُفسد علی النظام دعايته الکاذبة بحق الثورة وطبيعتها.
لکن، ما هي خصوصية هؤلاء الأبطال مقارنة بغيرهم، لا سيما أن هذه الصفات تنطبق علی الکثير من الناشطين الصحفيين؛ بل والسياسيين والإغاثيين وغيرهم؟ والجواب في أن کلاً منهم يمثل إضافة مهمة للثورة، سواء علی الصعيد الداخلي أو الخارجي، ويمثل استمرارها عائقاً أمام رواج دعاية النظام السوداء بحقها.
فحملة “الرقة تذبح بصمت”، رغم ترکيز جهودها في فضح ممارسات تنظيم الدولة، فإنها لم تستثنِ النظام من نشاطها ولا حتی التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الذي يکن لها الاحترام، وقد وصل بها الحال إلی أن حصلت علی جائزة أميرکية عالمية للصحافة قبل أسبوع واحد من عملية اغتيال أحد أعضائها.
وأما ناجي الجرف، فإن انتماءه إلی أقلية طائفية واستمراره علی ممالأته الثورة ومعارضته للنظام وفضحه جرائمه، بجانب جهوده البارزة في مکافحة تنظيم داعش إعلامياً- تمثل شوکة في حلوق أبواقه التي تنفخ في کير الطائفية وتتهم الثوار بها.
زاهر الشرقاط ليس استثناء من ذلک، فهو ليس مجرد خطيب جمعة في مدينة الباب يحرض ضد النظام؛ بل شارک في تأسيس فصيل عسکري في مدينته، وترأس مجلسها المحلي، قبل أن تسيطر داعش عليها ويضطر إلی القدوم لترکيا، حيث واصل نشاطه الثوري الوطني ضد النظام وداعش بالتوازي، وذلک عبر منبر قناة “حلب اليوم”.
هذا هو حال عروبة برکات وابنتها حلا برکات أيضاً، في الجمع بين الکفاح الإعلامي والإنساني ضد النظام والخطاب الوطني المعتدل البعيد عن التطرف، الذي لا يهادن في التمسک بمطالب المتظاهرين الأوائل، حرية وکرامة وعدالة وديمقراطية، وهو الخطاب الأول للثورة ووجهها الحقيقي الذي لطالما سعی النظام لتحطيمه أو إخفائه ما أمکنه ذلک، عبر اختراقها تارة، وتصفية رموزها تارة أخری، ويبقی الإعلام الميدان الذي يواجه فيه أخطر المعارک، من وجهة نظر نظام يدرک تماماً أثر إرادة المجتمع الدولي في صياغة مستقبله.
تأتي تصفية صحفيين ونشطاء سوريين بترکيا إذن، ضمن خطة مدروسة، وکجزء من جهود تصفية الثورة السورية، عبر نزع کل نقاط قوتها تدريجياً، وقتل رموز وطنيتها، خطة لا يستفيد منها أحد کما يستفيد الأسد ونظامه الفاقد لأدنی مستويات الوطنية، أياً کان المنفذ، ومهما کان شکل الثوب الذي يرتديه.
بحسب المعلومات الواردة من الشرطة وأقارب الضحيتين، وسکان البناء الذي وقعت فيه الجريمة، فقد أقدم القتلة علی قتل عروبة وحلا بطريقة لم تلفت انتباه أحد من الجيران، ما يعني أنهم استخدموا السکين أو مسدساً کاتماً للصوت، بحسب روايتين متضاربتين، ويبدو أن الضحيتين أظهرتا قدراً کبيراً من المقاومة، حيث سُجّل تحطم بعض الأثاث في المنزل، لينتهي المشهد الأسود بقيام القتلة بسکب مواد التنظيف علی جثتي عروبة وابنتها، لکي لا تفوح رائحة موتهما بسرعة، وهذا أول مؤشر علی أن الجريمة ذات بُعد سياسي ونفذتها أيادٍ استخباراتية مدربة، وليست جنائية، رغم أنها تحتمل کلا الأمرين.
وإن کنا لا نضع أنفسنا مکان المحققين، إلا أن من حقنا أن نسأل سؤالهم التقليدي في کل جريمة: من المستفيد؟ وبقدر ما يبدو السؤال مهولاً تبدو الإجابة بسيطة، فالدکتورة عروبة برکات (60 عاماً) ناشطة معارِضة لنظام الأسد الأب والابن منذ ثمانينيات القرن الماضي، وهو ما اضطرها إلی ترک سوريا وبدء رحلة هجرة متعددة المحطات، قادتها إلی کل من الإمارات وبريطانيا والولايات المتحدة، حيث أنجبت ابنتها حلا برکات، وانتهت بها في إسطنبول، حيث أقامت منذ انطلاق الثورة السورية عام 2011 وعُرفت بمواقفها الصلبة من النظام ونقدها مؤسسات المعارضة.
أما حلا نفسها (22 عاماً)، فقد تخرجت لتوها في جامعة إسطنبول بتخصص العلوم السياسية، وکانت تعمل صحفية في موقع “أورينت نيوز” النسخة الإنکليزية، وعملت قبله في قناة “تي آر تي” الترکية النسخة العالمية، کما أنها ناشطة بقوة في فعاليات الثورة.
وأکدت الشرطة الترکية، بحسب صحيفة “يني شفق” المحلية، أن کلاً من حلا وأمها کانت تسهم في التحضير لإنتاج فيلم وثائقي يحکي قصة الثورة وأسبابها المتمثلة بالحکم القمعي السلطوي لآل الأسد، کما ذکرت الشرطة أن عروبة تلقت تهديدات من طرف النظام في الآونة الأخيرة.
صحيح أنه ليس بمقدورنا الجزم بمن يقف خلف الجريمة، التي لا تشبه إلا أکثر عمليات الاغتيال السياسي احترافاً، لکنه يتعين علينا أن نضع في حساباتنا 3 عمليات اغتيال سياسي مشابهة حدثت علی الأراضي الترکية منذ عام 2011، واستهدفت صحفيين وناشطين إعلاميين مقيمين في ترکيا.
العملية الأولی قًتل فيها عضو حملة “الرقة تذبح بصمت” إبراهيم عبد القادر، وصديقه فارس حمادي، أحد إعلاميي الرقة، ويعمل في مؤسسة “عين علی الوطن”، وذلک عندما عُثر عليهما مذبوحَين مقطوعَي الرأس في شقتهما بمدينة أورفة (جنوب ترکيا) في 29 أکتوبر/تشرين الأول 2015.
فيما قُتل في العملية الثانية الناشط الثوري والإعلامي ناجي الجرف، الذي ينحدر من الأقلية الإسماعيلية من مدينة السلمية، بإطلاق نار من مسدس کاتم للصوت، في مدينة غازي عنتاب بتاريخ 17 ديسمبر/کانون الأول 2015.
أما العملية الثالثة، فقد أطاحت بالإعلامي الشيخ زاهر الشرقاط الذي کان يعمل في قناة “حلب اليوم” الثورية، وذلک بطلق ناري أصابه في الرأس، بمدينة غازي عنتاب حيث يقيم بتاريخ 10 أبريل/نيسان 2016، ليتوفی بعد يومين متأثراً بإصابته.
والجامع بين ضحايا عمليات الاغتيال الثلاث السابقة أن تنظيم داعش تبناها بالکامل، وبث شريطاً مصوراً أظهر طريقة إعدام کل من إبراهيم عبد القادر وفارس حمادي وناجي الجرف في وقت لاحق.
والجامع أيضاً بين هؤلاء الضحايا وآل برکات، أنهم جميعاً يتخذون موقفاً حازماً من التطرف وتنظيمي داعش والنصرة، ولهم نشاطات مشهودة في هذا الصدد، في الوقت الذي يتخذون موقفاً مماثلاً -وربما أشد صرامة- من نظام الأسد ويؤيدون الثورة بکل طاقتهم، ويحملون خطاباً وطنياً يُفسد علی النظام دعايته الکاذبة بحق الثورة وطبيعتها.
لکن، ما هي خصوصية هؤلاء الأبطال مقارنة بغيرهم، لا سيما أن هذه الصفات تنطبق علی الکثير من الناشطين الصحفيين؛ بل والسياسيين والإغاثيين وغيرهم؟ والجواب في أن کلاً منهم يمثل إضافة مهمة للثورة، سواء علی الصعيد الداخلي أو الخارجي، ويمثل استمرارها عائقاً أمام رواج دعاية النظام السوداء بحقها.
فحملة “الرقة تذبح بصمت”، رغم ترکيز جهودها في فضح ممارسات تنظيم الدولة، فإنها لم تستثنِ النظام من نشاطها ولا حتی التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الذي يکن لها الاحترام، وقد وصل بها الحال إلی أن حصلت علی جائزة أميرکية عالمية للصحافة قبل أسبوع واحد من عملية اغتيال أحد أعضائها.
وأما ناجي الجرف، فإن انتماءه إلی أقلية طائفية واستمراره علی ممالأته الثورة ومعارضته للنظام وفضحه جرائمه، بجانب جهوده البارزة في مکافحة تنظيم داعش إعلامياً- تمثل شوکة في حلوق أبواقه التي تنفخ في کير الطائفية وتتهم الثوار بها.
زاهر الشرقاط ليس استثناء من ذلک، فهو ليس مجرد خطيب جمعة في مدينة الباب يحرض ضد النظام؛ بل شارک في تأسيس فصيل عسکري في مدينته، وترأس مجلسها المحلي، قبل أن تسيطر داعش عليها ويضطر إلی القدوم لترکيا، حيث واصل نشاطه الثوري الوطني ضد النظام وداعش بالتوازي، وذلک عبر منبر قناة “حلب اليوم”.
هذا هو حال عروبة برکات وابنتها حلا برکات أيضاً، في الجمع بين الکفاح الإعلامي والإنساني ضد النظام والخطاب الوطني المعتدل البعيد عن التطرف، الذي لا يهادن في التمسک بمطالب المتظاهرين الأوائل، حرية وکرامة وعدالة وديمقراطية، وهو الخطاب الأول للثورة ووجهها الحقيقي الذي لطالما سعی النظام لتحطيمه أو إخفائه ما أمکنه ذلک، عبر اختراقها تارة، وتصفية رموزها تارة أخری، ويبقی الإعلام الميدان الذي يواجه فيه أخطر المعارک، من وجهة نظر نظام يدرک تماماً أثر إرادة المجتمع الدولي في صياغة مستقبله.
تأتي تصفية صحفيين ونشطاء سوريين بترکيا إذن، ضمن خطة مدروسة، وکجزء من جهود تصفية الثورة السورية، عبر نزع کل نقاط قوتها تدريجياً، وقتل رموز وطنيتها، خطة لا يستفيد منها أحد کما يستفيد الأسد ونظامه الفاقد لأدنی مستويات الوطنية، أياً کان المنفذ، ومهما کان شکل الثوب الذي يرتديه.







