شهادات منشقين عن «داعش» المتطرف (4 – 4) : «داعش» يتعاون مع مؤسسات النظام السوري ويطلق سراح سجناء موالين لبشار الأسد

جانب من الرسائل النصية المتبادلة بين أبو هريرة الليبي وأبو إخلاص المغربي («الشرق الأوسط»)
الشرق الاوسط
18/5/2015
بدأ «أبو هريرة الليبي»، بعد نحو عام من القتال والعمل في صفوف «داعش»، يبحث عن مخرج. وبعد أشهر من الجدل وتراجع قناعاته بسلامة الطريق الذي تسير فيه دولة «الخلافة» المزعومة، أدرک أن ما يقوم به لا يتوافق مع صحيح الدين في أبسط صوره. لقد أمضی أسابيع عصيبة من المرابطة والحرب والکر والفر.. مرة في سوريا ومرة في العراق، دون أن يکون أمامه أفق واضح لما يريده «الخليفة» ومساعدوه وفقهاؤه.
تنشر «الشرق الأوسط» في هذه الحلقة، الرابعة والأخيرة، من شهادات عدد من المنشقين عن هذا التنظيم الدموي، تفاصيل جديدة عن الأيام الأخيرة لکل من «أبو هريرة» و«أبو شعيب السوري»، وثلاثة تونسيين آخرين، وکيف تمکنوا في نهاية الأمر من الفرار مع العشرات الآخرين، خشية أن يزج بهم التنظيم في السجون أو يطلق النار علی رؤوسهم، کما يفعل مع خصومه.
من أصعب ما يمکن أن تمر به في حياتک، أن تضطر لاتخاذ قرارات وأنت في معمعة المعارک. کانت عملية تحول القناعات الفکرية في أوساط هذه الشريحة من الدواعش، تجري وسط قذائف المدفعية وتکتکة الرصاص.. «وسط أيام من الحصار والجوع والاقتراب من الموت»، کما يقول أحد التونسيين ممن تمکنوا من العودة من العراق والاستقرار في جنوب تونس.
من الجانب الآخر کان يمکن لقادة التنظيم ملاحظة أمارات التمرد علی شاب مثل «أبو هريرة» ومجموعته، و«أبو شعيب» ومجموعته، والعشرات الآخرين ممن کان يجري إعدادهم کقيادات مستقبلية للتنظيم في الأماکن التي سيفتتحها ويضمها لـ«الخلافة» ومنها مناطق في العراق والشام بالإضافة إلی ليبيا وغيرها. کان «أبو شعيب» يبتعد هو الآخر عن الاشتراک في العمليات بحجج مختلفة. بينما کان «أبو هريرة» قد فتح قلبه وعقله للمسؤول عن العلوم الشرعية في معهد الرِّقة، وکان هذا خطأ کبيرا کما يقول.
لقد انتهی الأمر وجری وضعه في خانة المتمردين، وأصبح الزج به في غيابات السجون والأقبية الرهيبة لـ«داعش»، أو قتله، مسألة وقت. ومع ذلک کان لديه بصيص أمل في أن يجد بين قيادات التنظيم من لديه رؤية واضحة وقدرة علی الرد علی التساؤلات المعلقة بلا أجوبة منذ شهور. کان طيران التحالف الدولي يدک مواقع «داعش» والضغوط تتزايد مع صعوبة التحرک بين قواعد التنظيم سواء في العراق أو سوريا. ويقول «أبو هريرة» إن هذه التطورات، حيث لا تعرف من قتل ممن ما زال يقاتل علی الجبهات، ساعدته للبقاء في مدينة الرِّقة دون أن يضطر لحمل السلاح.
ويضيف أنه في يوم من أيام يناير (کانون الثاني) الماضي، حين قرر الاستقرار في المعهد الشرعي التابع للخلافة، أرسل له القيادي في «داعش» «أبو محمد العدناني»، مندوبا عنه إلی الرِّقة، لکي يبلغه بتهديده له ولمن يتشکک مثله في «الدولة» بالسجن وشر العقاب، خاصة في ظروف الغارات الحربية التي ينفذها التحالف الدولي، إلا أن «أبو هريرة» أعطی ردودا بدت، لدی قادة التنظيم، أنها تدلل علی أنه يحمل نفس الأفکار التي جری تداولها في مناظرة مدينة الدانا.
کان «العدناني» يشغل موقع المتحدث الرسمي باسم التنظيم، وظل «أبو هريرة»، لأکثر من شهرين، يسمع عن أنه أصبح غير قادر علی الحرکة لإصابته في غارة جوية، وأنه يقيم قرب مقر للخليفة في منطقة الأنبار بالعراق، رغم أنه، في الأصل، من مدينة إدلب السورية. وربما لهذا السبب کان العدناني من القلائل الذين کانت تتجمع لديهم المعلومات، في تلک الظروف، عن المقاتلين وخريطة المجموعات ومن قتل ومن أصيب ومن يعتصم في المواقع الآمنة.
يقول «أبو هريرة» إنه کان، حتی ذلک اليوم، يتطلع لمقابلة «العدناني»: کنت أسمع کلاما طيبا عنه من الإخوة السوريين الذين يحاربون معنا. کانوا فخورين بقربه من «البغدادي». وبعد ذلک أخذت أستمع لتسجيلاته الصوتية وهو يدافع عن الدولة وعن «الخليفة». رجل صارم. وظننت أنه سيريحني ويريح مجموعتي، إذا تحدثت معه في المسائل الشرعية. کنت أظن، مثل کثيرين غيري، أن هناک خطوطا مقطوعة بين ما يجري علی الأرض وبين توجيهات «الخليفة». کنت أظن، رغم کل ما رأيت، أن القيادات لن توافق علی ترک أمراء المناطق للتنکيل بالمقاتلين. وانتظرت أن يطلبني.
ما حدث هو العکس.. يوضح «أبو هريرة»، قائلا إنه «في هذه الأثناء أتاني تهديد جديد من أحد مساعدي العدناني.. قال لي: يقول لک الشيخ أبو محمد إن أي أحد يطرح الأسئلة عن تعليمات الخليفة أو يشکک فيها أو يکفِّر الظواهري، سيسجنه ويعاقبه». وبعد عدة أسابيع عاد «أبو هريرة» إلی دير الزور مرة أخری، وهو مشتت الفکر بسبب تغير رياح التنظيم، وانقلاب فتاويه رأسا علی عقب في الکثير من التفاصيل التي ترتبط بتداعيات العمليات القتالية.
وخلافا لکل التعليمات والتوصيات والتحذيرات التي أطلقها رجال «الخليفة»، قام «أبو هريرة»، وهو في دير الزور، بتکفير اثنين مغربيين من عناصر «داعش» ممن قال: إنهم يروجون لفتاوی جديدة تتعارض مع فتاوی سبق إصدارها من «البنعلي» ومن فقهاء آخرين من التنظيم.. «کان أحد المغربيين لا يکفر عشيرة الشعيطات التي کنا نقاتلها وتقاتلنا منذ بضعة أسابيع، وکان الثاني قد نطق لفظا مکفرا، ونبهته بعدم تکرار هذا، فلم يتنبه.. کفرتهما، وعندها ذهبا وقدما شکوی ضدي عند الأمير المسؤول عني في تلک الأيام، وکان اسمه، أبو عبيدة الليبي، الذي استدعاني بدوره، وهددني بأنه سيقدمني للمحکمة».
و«أبو عبيدة الليبي» الذي يشير إليه «أبو هريرة» هنا، هو أحد قضاة المحاکم الشرعية لـ«داعش»، ويعتقد أنه قتل بعد ذلک بعدة أسابيع في قصف جوي استهدف قواعد للتنظيم في شمال الموصل، رغم أنه سبق الإعلان عن مقتله عدة مرات، إلا أنه، وبحسب شهادات الدواعش المنشقين، کان بعد الترويج لمقتله، يظهر في ثياب جديدة وهو يمسح علی لحيته ويقول: أنا هنا لم أنعم بالشهادة بعد.
ويختلف «أبو عبيدة» هذا، تماما، عن رجل آخر يحمل نفس الکنية ويقود مجموعة من المتطرفين في العاصمة الليبية طرابلس. ويضيف «أبو هريرة» أن من بين من کانوا موجودين، أثناء استدعاء أبو عبيدة له، وتهديده بتقديمه للمحاکمة «أبو الأثير الحلبي»، الأمير العسکري الرهيب لدير الزور.
«الحلبي» يبدو من کلام «أبو هريرة» رجلا حادا وصارما تجاه الأسری الذين کانوا يسقطون في أيدي «داعش»، ولديه خبرة طويلة أيضا في التنازع بشأن التکفير والمسائل الفقهية، اکتسبها حين کان مسجونا في سجون الأسد. ظل يستمع إلی ما يدور بين «أبو عبيدة» و«أبو هريرة»، وما يعتمد عليه کل منهما من حجج وفتاوی صادرة کلها، رغم تناقضها، عن «البنعلي» نفسه.
فضَّل «الحلبي»، في البداية، عدم التدخل في النزاع الدائر بين الرجلين.. استأذن للانصراف، بعد ما تلقيته من تهديدات من «أبو عبيدة»، حيث إن الحلبي قال: إن لديه ظروفا تتعلق بالعمل، لکنه عاد مرة ثانية وقال موجها حديثه لي، وکأنه حسم أمره بالانحياز الصريح ضدي، إنه سيسجنني لأنني أکفِّر تنظيم القاعدة والعاذر بالجهل بالشرک الأکبر، وأکفِّر عطية الليبي (أحد کبار قادة تنظيم القاعدة، وهو أصلا من مدينة مصراتة الليبية، وقتل في وزيرستان بباکستان عام 2011).
ويقول «أبو هريرة» بأنه کان يغوص في وحل «داعش» بمرور الأيام.. لکن بوتيرة متسارعة. مثلا.. عندما عاد «الحلبي» لمکتب «أبو عبيدة» وشارک في التهديد بسجنه، وجد أن «أبو عبيدة» قد تشجع أکثر من السابق، وبدا أنه يريد أن يتخذ إجراءات محاکمة فورية بحقه، لکنه يقول إن الله سلم، فقد حدث أمر طارئ في الخارج «لا أعرف ما هو»، إلا أنه ترتب عليه خروج «أبو عبيدة»، ليبقی هو وجها لوجه مع «أبو الأثير الحلبي».
وهنا يوضح «أبو هريرة» قائلا: «قمت باستغلال الأمر، وتکلمت مع أبو الأثير.. سألته وأنا ممتلئ بالغضب: ماذا تريدون مني؟ لماذا طلبتني؟ فقال: أنا لم أطلبک.. قلت له: إذن سأذهب». ويضيف أن هذا الحوار القصير کان الأول من نوعه مع هذا الرجل السوري المتمرس علی القتال منذ ما قبل ظهور المجموعات المتطرفة التي تخوض الحروب في سوريا والعراق. ولم يکن هناک الکثير الذي کان يمکن أن يقال.
خرج ومشی عدة خطوات. يقول: وجدت أبو عبيدة عائدا لمکتبه، فأخبرته أن «الحلبي» قال لي أن أذهب.. وبهذه الطريقة نجوت منهما بفضل الله.. کانت هذه حيلة أبعدتني عنهما في تلک الليلة، إلا أنه، وبعد يومين، وصلني تهديد جديد عبر بعض الإخوة، وأخبرني أحد التونسيين أن «الحلبي» کان يريد أن يصلبني في دوار النعيم الموجود وسط مدينة الرِّقة وهو مکان معروف أن «داعش» يستخدمه في صلب مخالفيه.. المهم نجوت مرة أخری. ثم بعدها بقيت لفترة لا أعرف ماذا أفعل.. وکلما رآني «أبو عبيدة» حذرني، حتی تيقنت من کفر الدولة (داعش)، وقررت الهروب.
في شهادته يقول: «علی ما رأيناه وسمعناه من جنود (الدولة الإسلامية) وأمرائهم وشرعييهم من خلال مباشرتنا لهم ومخالطتهم وإمضاء وقت طويل معهم، أؤکد اختلافهم فيما بينهم في المنهج والعقيدة».. «فلقد وجدنا کثيرا من جنود الدولة يتضاربون في عقائدهم ويتخبطون في أصل الدين، حتی تجد کل واحد منهم يدين بدين يختلف عمن هم في صفه من زملائه الجنود، فمنهم من يقول: إنه لا عذر بالجهل في الشرک الأکبر، ومنهم من يعذر بالجهل، ومنهم من لا يعذر بالجهل ولا يکفر العاذر بالجهل، ومنهم من يکفر العاذر».
ويوضح أنه في إحدی المرات حدثت فتنة کبيرة بشأن تکفير الرئيس المصري المنتمي لجماعة الإخوان، محمد مرسي، حين تجدد الجدل حول الفتاوی التي سبق وصدرت عن شرعيي التنظيم. والجديد هذه المرة أن «منهم من کفره، ومنهم من لم يکفره.. فلا يشک عاقل أنهم، بأقوالهم وتضاربهم، يکفِّرون بعضهم بعضا».
ويتطرق إلی جانب آخر يتعلق بعدم حکم «داعش» بالشرع کما تردد علی الملأ. ويقول: «في مسألة الحکم بغير ما أنزل الله، وتقديم التنازلات والتساهلات في الأحکام والحدود.. رأيت في مواطن کثيرة أنهم يحکمون بغير ما أنزل الله. مثلا.. ذات مرة أمسکوا بشبکة کبيرة من الشواذ في ريف إدلب الشمالي، وتحديدًا في مدينة الدانا، عندما کانوا يسيطرون علی المدينة.. فماذا کان حکمهم علی هذه الشبکة الخبيثة؟ قالوا: إن نحن أقمنا عليهم الحد ستثور القرية علينا ولن نعرف کيف نرضي الناس، فما کان منهم إلا أن أطلقوا سراحهم من دون أي حساب».
ويتحدث عن أنه أثناء وجوده مع قيادات وعناصر «داعش» رأی «قيامهم بتعيين قضاة من أجهل الناس في الحکم والقضاء.. والاستعانة بالطواغيت في الحکم والقضاء، کاستشارة من درس المحاماة والقوانين الوضعية في بعض القضايا والأحکام.. وفتح المحاکم التي يسمونها شرعية بجانب المحاکم التابعة للهيئات العلمانية التي تحکم بالقوانين الوضعية، فتجد محکمة (الدولة الإسلامية) وبجانبها محکمة للقوانين الوضعية، وتسمية الولايات والمناطق بأسماء کأنها أصبحت تحت حکمهم، کقولهم ولاية إدلب وهي تعلوها إما رايات الجيش الحر أو أماکن أخری تعلوها راية نظام الأسد.. والسماح لبعض المؤسسات الکفرية التابعة للأسد بمتابعة العمل داخل المناطق الخاضعة لسيطرتهم کمؤسسة النفوس وبعض المحاکم التي يسميها النظام (السوري) محاکم شرعية».
وعن تذبذب «داعش» وقادته وفقهائه، يضيف بقوله إن هذا الأمر يتضح من خلال «حروبهم علی أهل التوحيد ومنع التحدث في أصول الدين والبحث في العقيدة.. إن من عاشر (الدولة الإسلامية) وجنودها يعرف حق المعرفة من هم الأمنيون الذين يرسلونهم للتجسس علی الجنود الذين يتدارسون العقيدة ويحاولون البحث فيها، وکأن هذا ذنب يُسجن صاحبه ويُعذب. بالإضافة إلی محاربتهم لمن يقول بکفر العاذر بالجهل وقتلهم وتصفيتهم له، ولنا خير دليل فيمن قامت (الدولة) بتصفيتهم مؤخرًا بسبب تکفيرهم للعاذر، مثل أبو عمر الکويتي، وأبو جعفر الحطاب، وکذا کثير من الجنود وکبار الشرعيين الذين يکفرون العاذر بالجهل».
ويتطرق «أبو هريرة» في شهادته عن تضارب مواقف قيادات «داعش» موضحا أنهم يدعون «تکفير الفصائل العلمانية والداعية للدولة الديمقراطية.. وعدم تکفير الفصائل العلمانية حتی تعلن عليهم الحرب وتقاتلهم، وقبولهم للتحاکم إلی الشرع مع بعض الفصائل العلمانية التي يدعون أنهم يکفرونها.. همهم الأول هو القتال فقط بغض النظر عن العقيدة.. فمهمتهم في المنطقة تنصب علی القتال فقط، وتکثير العدد، مهما کانت عقيدة المنتسب لهم».
ويضيف أنه شهد مبايعة بعض الکتائب التي تخالفهم في العقيدة لهم، وقبول البيعة منهم، وانضمام عدد کبير من اللصوص والمرتزقة المعروفين عند الناس إلی صفوف «داعش» لحماية أنفسهم، وما کان منهم إلا قبول هذه البيعات.. «مهما بلغ جهل الذي يريد أن ينضم إليهم يکفي فقط أنه لا يدخن السجائر لتقبل بيعته».
کان «أبو شعيب»، ومعه التونسيون الثلاثة، قد سبقوا «أبو هريرة» في التسلل إلی الشمال. وتمکنوا من الدخول إلی الأراضي الترکية مع مجموعة من اللاجئين، واستقر هو هناک. وتدبر الآخرون طريقهم للعودة إلی تونس عبر خطوط الطيران الترکي التي کانت تعمل بين إسطنبول ومصراتة الليبية، بينما کانت عناصر داعش في سوريا في طريقها، تحت جنح الظلام، لتوقيف «أبو هريرة».
جری إلقاء القبض عليه واحتجازه في أحد سجون «داعش» في مدينة الرِّقة. يقول: «سُجنت في سجن الأمنيين لمدة 20 يوما.. عاملوني فيها معاملة نسأل الله أن ينتقم منهم.. کان الحمام الذي نقضي فيه حاجتنا موجودا في نفس غرفة السجن.. کنا نتوضأ منه ونصلي بنفس الغرفة.. الطعام کان لا يؤکل. رأينا في السجن ما يشيب له الولدان». وحين سأل عن الشيخ الذي سبق احتجازه في مبنی «السفارة» قبل نقله إلی هذا السجن، علم أنه تعرض للجلد بأسلاک الکهرباء عدة أيام، ثم جری نقله إلی سجن آخر في مکان ما في منطقة الأنبار.
يضيف: وجدت في سجن الرِّقة إخوة کثيرين من بينهم عناصر من مجموعتي ومجموعة «أبو شعيب». کنا نحو 90 من ليبيا وتونس والجزائر ومصر وأفغانستان والشيشان. کلنا في ردهة في مساحة ثلاث أو أربع غرف صغيرة.. ردهة لها ثلاثة حوائط إسمنتية وواجهة مسيجة بالحديد وفيها باب صغير. عرفت وأنا في السجن أن «أبو شعيب» نجح في الهروب إلی ترکيا.. وعرفت أيضا أن شيخ عشيرة العقيدات السورية، خليل الهفل، حين ألقی «داعش» القبض عليه في الصيف، احتجزه في هذا السجن أيضا، لکن الإخوة قالوا: إنه، وهذا أمر غريب، جرت معاملته أفضل معاملة، لأنه کان في السابق عضوا في مجلس الشعب السوري وله عشيرة کبيرة، بينما کان التنظيم يقول عليه مرة إنه من الکفار ومرة من المرتدين ومرة يصفونه بـ«الطاغوت».
ويواصل قائلا عن الأيام التي أمضاها في سجن «داعش» إن «شعور الإخوة المساجين کان عبارة عن صدمة من ممارسات التنظيم». فبينما کانت عمليات التنکيل علی أيدي قادتهم لا تتوقف بحق هؤلاء الدواعش الذين کانوا يحاربون في صفوف التنظيم، استمع «أبو هريرة» لروايات ممن سبقوه إلی هنا عن المعاملة الحسنة التي کان يحظی بها المحتجزون رغم عدم اعترافهم بالخليفة ورغم رفضهم إعطاءه البيعة وعدم إعلان استتابتهم.. «سجنوا شيخا آخر من عشيرة العقيدات، وهو أحد الموالين لنظام الأسد، لمدة يومين.. عاملوه خير معاملة، ثم أخرجوه دون استتابة، وبينما نحن في السجن، کان هو مطلق السراح يدور في الميادين».
ويقول إنه أثناء وجوده قيد الاحتجاز، في ذلک الوقت، مر عليه في السجن أحد العناصر الأمنية المعروف أنها تعمل مع نظام الأسد.. اسمه «أبو يعقوب» من منطقة البصيرة في دير الزور.. کانت التهمة ضده تتعلق بتهريبه لأسرة ضابط سوري برتبة عميد إلی ترکيا.. أسرته تتکون من زوجة وابنة. وتمکن من اجتياز الحواجز التي کان يقيمها «داعش» في مناطق واقعة بين سوريا وترکيا، وتوصيلهما بأمان.
ويضيف: کان «أبو يعقوب» يقول لنا في السجن إنه مظلوم، وإنه ماذا عليه لو أنه أوصل الزوجة والبنت، فأخبرته أنه کافر، لأنها زوجة الطاغوت وابنته ابنة الطاغوت، لأنه يعمل مع بشار الأسد.. المهم هو اقتنع بکلامي. وفي اليوم الثاني جاء قاضي الأمنيين في کل الولايات ليقضي بمسألته، فقال له: حتی لو أنت أوصلتهم إلی ترکيا فليس عليک شيء، ولا يحق لأحد أن يوقفک ويتکلم معک، فهذا الأمر ليس محظورا، ولا شيء عليک بأنک جعلتهما تمُرَّان، فنحن نريد الزوج ولا نريدهما، لا الزوجة هي ولا ابنتها، وصدر الحکم بخروجه من السجن وإطلاق سراحه.. هکذا، ونحن بقينا في الحبس.
الأسوأ من کل ذلک أن بعضا من الإخوة الذين کانوا معي في السجن – کما يقول: «أبو هريرة» – لم يکن لهم أي رأي أو حديث في شؤون الفتاوی.. ولم يکن عليهم أي تهمة ولا قرينة من أي نوع يمکن أن تؤخذ عليهم. ومع ذلک کان القاضي الشرعي يأتي ويقول لمثل هؤلاء: ماذا تحب أن نسجل لک تهمة.
ويسترجع ذکريات مدة سجنه القصيرة في سجن الأمنيين الذي کان يديره «داعش»، ويتعجب کيف خرج من هذا الکابوس.. يقول: «سبحان الله الذي حکم لي أن أخرج بعد عشرين يوما مع بعض من مجموعتي. ماذا وجدنا؟ الفتاوی التي حاربنا بها الخصوم، أصبحت معکوسة.. وجدنا أن الدولة (داعش) أرجعت الشعيطات إلی بيوتهم، وقالت: إنهم مسلمون، وليسوا کفارا ولا مرتدين.. وأعادت لهم بيوتهم وسياراتهم، وألغت توزيع الغنائم.. وبعدها جلسنا بمکان إداري، وخلال ذلک کنا نبحث عن طريق للهروب».
وقبل خروجه من العراق وسوريا کان «أبو هريرة» علی تواصل عبر الهاتف مع بعض القيادات الوسطی في التنظيم، في محاولة منه علی ما يبدو لبث الطمأنينة في نفسه، ولمعرفة کيف تسير الأمور، وما إذا کان التنظيم قد أهدر دمه، وما هي الطرق الآمنة للوصول إلی الحدود الترکية. کان يريد من المحادثات التي أجراها أثناء ابتعاده عن أنظار قادة التنظيم، أن يرسل رسائل بأنه يسعی للالتزام بما تتضمنه تعليمات وکتيبات «داعش» في المعسکرات وأنه لن يعود للجدل، بينما هو يواصل الابتعاد في اتجاه الحدود.
وحصلت «الشرق الأوسط» علی جانب من هذه الرسائل النصية التي جرت بين «أبو هريرة» وأحد القادة الشرعيين في معسکرات «داعش»، واسمه «أبو إخلاص المغربي»، وکانت يوم 23 مارس (آذار) الماضي، أي قبل هروبه بعدة أيام. ويطلق «أبو هريرة» علی نفسه في الاتصال الذي تم عن طريق برنامج «واتس آب»، لقب «التوحيد أولا»، وزعم فيه أنه موجود في العراق، بينما يظهر الطرف الآخر، وهو «أبو إخلاص» تحت رقم هاتف دولي تابع لشرکة اتصالات ترکية، يبدأ بـ00905. رغم وجوده في دير الزور بسوريا.
أبو هريرة: أنت شرعي معسکرات الدير صح؟
أبو إخلاص: ذکرني بارک الله فيک.. نعم أخي. أنا معک أبو إخلاص، بالضبط.. محتاج تذکرني فقط.
أبو هريرة: صح.. أنا بالعراق الآن..
أبو إخلاص: کيف العراق؟
أبو هريرة: الحمد لله. بخير..
أبو إخلاص: والإخوة؟
أبو هريرة: تمام.. عايفة حالها (أي لا جديد عن السابق). إخوتي غرباء..
أبو إخلاص: طوبی للغرباء، کما قال النبي صلی الله عليه وسلم..
أبو هريرة: کنت أريد نسخا عن الکتب التي تدرسونها..
أبو إخلاص: عندي الکتب. عندما تأتي أجيبها لک..
أبو هريرة: طيب ما أسماؤهم.. أحاول أسحبهم من الإنترنت؟ ممکن ما أجيء. ممکن استقر بالعراق..
أبو إخلاص: لن تجدهم بالإنترنت لأنها (الکتب) خاصة بالمعسکرات..
وفي نهاية المطاف تمکن «أبو هريرة» وعدد ممن کان يحارب معه في صفوف «داعش»، من الوصول إلی ترکيا. ومن هناک عاد وحده إلی ليبيا، لکن «داعش» أمر الموالين له في مدينة درنة الليبية بقتله. ومنها هرب، مع أسرته، إلی إحدی دول الجوار الليبي.







