تقارير

بابا شيلني وأنا سأتحمل جراحي وحدي ..الأسبوع التالي للجريمة


25/2/2017


منذ شاهدته في المقطع الصادم قبل أسبوع لم يفارق تفکيري ولم تغب عن أذني صرخته بابا_شيلني ولأن المواجهة أفضل طريقة لتخفيف حدة المشاعر والأفکار قررت زيارته، ورغم مئات الکيلومترات التي تفصلني عنه وصلت أخيراً لغرفته کانت الخطوات القليلة التي تفصلني عنه لأصعب اللحظات وأطولها علی الاطلاق؛ دخلت وکأني أعرفه.. ابتسمت له واسرعت نحوه فبادلني عبد الباسط ابتسامة، واستني قبل أن أواسيه وأنا لا أعرف حقيقة ماذا يمکن أن أقول وماهي الکلمات التي من شأنها أن تخفف مصاب طفل فقد رجليه وأمه واخته.

إلی جانبه يقف والده  الرجل الأربعيني الذي بدا متفهماً لمصابه وصدمته، وقد ارتفعت عتبة الحزن والألم لديه کباقي السوريين کان لايزال بثيابه الذي جاء بها من بلده الممزق سوريا، سألته عن عبد الباسط؟.. فأجابني بأنه تحسن کثيراً وأن آلامه بدأت بالتراجع منذ اصابته قبل أسبوع أو أکثر بقليل، لم يکن والد عبد الباسط قادراً علی استرجاع تاريخ اليوم الفاجع الذي مزق فيه برميل متفجر عائلته أثناء تجمعهم علی المائدة.. أخبرني أن أربعة من أفراد أسرته يرقدون في ذات المشفی.

 


بالإضافة لعبد الباسط ذو العشر سنوات، ترقد أخته الصغيرة في العناية المشددة التي يتقاسم معها الآلام ذاتها، إذ أصيبت الصغيرة بکسور في الأرجل والجسم وشظايا متفرقة ولايزال وضعها حرجا؛ إلی جانب الأخت الکبيرة التي وضعت حملها وکتبت النجاة لجنينها ولکنها لاتزال في المشفی، کذلک زوجها الذي تعرض هو الآخر لکسور في الساق، لکن العدسة لم تستطع أن توثق الجريمة الکاملة وأدرکت فحسب صرخة عبد الباسط “بابا شيلني”.

أسأل الأب هل ينام عبد الباسط ليلاً.. يجيبني بأنه يسهر حتی ساعات الصباح وکثيراً ما يستيقظ معتقداً أنه لايزال يمتلک قدمين، ويتابع بالقول “إن عبد الباسط يسألني کثيراً أسئلة تعجيزية لا أملک إجابات لها من قبيل “هل ماتت أمي وأختي ربا حقاً ؟؟ أم أننا نقول ذلک أمام الاعلام فقط ..؟؟ “يصارحني الأب بأنه اخفی الحقيقة المرة عن طفله وأنه يقنعه باستمرار بأن أمه وأخته لا تزالان علی قيد الحياة، ولکنهما مضطران لإشاعة خبر وفاتهما علی وسائل الاعلام فيقرأ في عيني صغيره آلاف اشارات التعجب عن سبب تخليها عنه في أشد أوقات احتياجه إليها !

اضطررت لخفض صوتي بل وکتمه عندما رأيت دموع عبد الباسط للمرة الأولی، وقد تناها إلی سمعه بعض مما يقوله والده.. أخجل من نفسي ومن طرحي للأسئلة ومن نظرات عبد الباسط التي لا تتوقف من نافذة غرفته ومتنفسه الوحيد إلی العالم الذي فتح عينيه عليه للمرة الأولی هنا من نافذة المشفی، وهو الذي لم يختبر في بلدته في ريف حماة سوی أنواع القذائف والبراميل المتفجرة.

 


يقول لي والده أنه يراقب بشغف کيف يسير الجميع علی أرجلهم ويسأله سؤالاً صعباً آخر “هل سأمشي مجدداً يا أبي؟” .

إحدی الممرضات التي تبدي اهتماماً خاصاً بالطفل تقول : “إنه يتحسن وبأن جراحه تلتئم، وسيحظی قريباً بکرسي متحرک فيما لايزال الحديث عن أطراف صناعية مبکراً بعد”.

إذن فالطفل مطالب بالصبر وتحمل الساعات الثقيلة وحيداً يتيماً غريباً برفقة والده الذي أصبح المعيل الوحيد لأسرة من المرضی تساعده أخته بعض الأحيان بعد أن تمکنت من أخذ ما يسمی إجازة من احد المخيمات الترکية .
يتحدث عبد الباسط بسرعة أمام العدسة، کمن يتلو درساً حفظه وکرره لمرات أمام کاميرات سابقة دون تأثر، ويؤمن بأن قدماه سبقتاه إلی الجنة.

علی هذه الکلمات بدأ الصغير يغفو ..أتأمل فراغ الروح والجسد أغطيه وأودعه تخونني کلمات حضرتها، وتخنقني دموع أحبسها عن والده ولکني فقط أمام جراحه أعلن استسلامي وألملم معداتي وأذهب بصمت

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى
منظمة مجاهدي خلق الإيرانية - أرشیف
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.