تقارير

اللغز السوري وعلاقته بتغيير العقيدة العسکرية الروسية

 


 



العربية نت
179/2015


موسکو – لايزال التواجد العسکري الروسي في سوريا لغزا بالنسبة للرأي العام الروسي، حيث لم تحدد النخبة الحاکمة حتی الآن حجم هذا التواجد وأسلحته، إضافة إلی أن روسيا علی مدار السنوات الماضية کانت تقلص تواجدها العسکري خارج الحدود الروسية، بل قامت بإغلاق عدد من قواعدها العسکرية.
ومنذ بداية العام الحالي، شهدت العقيدة العسکرية الروسية تعديلات اعتبرها المحللون إشارة لتغيير جذري في سياسات موسکو. وبررت روسيا تعديل عقيدتها العسکرية بأنها تواجه توسعاً من جانب حلف الناتو يهدد أمنها القومي، واعتبرت موسکو أن الناتو يتحرک لزيادة نشر قدراته الهجومية علی الحدود الروسية المباشرة، وأنجز التحضيرات العسکرية اللازمة لنشر منظومة الدفاع الصاروخي الباليستية المضادة للصواريخ في وسط أوروبا.
أخطار عسکرية تهدد روسيا
الوثيقة الجديدة تضمنت 14 خطراً عسکرياً خارجياً أساسياً تهدد روسيا، بما في ذلک نشاطات أجهزة الاستخبارات والمنظمات الأجنبية، وتهديدات التطرف والإرهاب في ظروف عدم کفاية التعاون الدولي في هذا المجال، وأيضاً انتشار أسلحة الدمار الشامل والصواريخ وتقنياتها. کما نصت العقيدة العسکرية الروسية الجديدة علی الأخطار العسکرية المتوقعة علی أمن روسيا، وکان أبرزها إقامة ونشر منظومة الدفاع الصاروخي في أوروبا، باعتبارها تقوض الاستقرار العالمي وتنتهک ميزان القوة الصاروخية والنووية القائم، إضافة لتحقيق عقيدة “الضربة العالمية”، والسعي إلی نصب الأسلحة في الفضاء، وأيضاً نشر منظومات أسلحة استراتيجية غير نووية فائقة الدقة. ومن بين الأخطار العسکرية التي أکدت عليها العقيدة العسکرية الروسية مجدداً، نشر وزيادة القوات الأجنبية في الدول المجاورة لروسيا، بهدف الضغط السياسي والعسکري عليها.
ترافق ذلک مع تفاقم الصراع داخل أوکرانيا، حيث صادق الرئيس بوتين علی العقيدة العسکرية الروسية الجديدة، لتبدأ روسيا بعد شهر واحد بنشر قواتها في القرم وأقاليم شرق أوکرانيا. وهي نفس الفترة التي تم فيها إسقاط حکم الرئيس الأوکراني الموالي لموسکو يانکوفيتش وضم شبه جزيرة القرم إلی السيادة الروسية.
وشهدت الشهور الماضية نشاطا روسيا واسعا في إيجاد مرتکزات عسکرية لها في أبخازيا وآسيتا الجنوبية وبيلاروسيا. بل بدأت تتفاوض لإعادة قواعدها العسکرية في فيتنام وکوبا. وتبحث موسکو مع القاهرة تشييد محطة تموين للأسطول الروسي في الإسکندرية مقابل منح المصريين مرکز رصد في القرم. وکشف ديمتري مدفيديف، رئيس الحکومة الروسية، أن بلاده توصلت لاتفاقات مع حلفائها أعضاء معاهدة الأمن الجماعي بنشر قواعدها الجوية في بيلاروسيا، إضافة إلی القاعدتين الروسيتين في أرمينيا وقرغيزيا في إطار تأسيس منظومة دفاع جوي مشترکة.
إمدادات عسکرية مکثفة لسوريا
في هذا السياق، توالت الأنباء عن إمدادات روسية مکثفة إلی سوريا وإرسال خبراء عسکريين، کما کشفت مصادر روسية عن اتفاق تم توقيعه بين دمشق وموسکو علی تشييد قاعدة جوية في مدينة جبلة. وأشارت الأنباء الواردة من الساحل السوري إلی أنه تم تعزيز قدرات مطار اللاذقية بمدرج ملحق، ومهبط للطائرات الهليکوبتر وتغييرات في ملاجئ الطائرات.
وأکد بعض الخبراء الروس أن تحديث مطار اللاذقية له علاقة بتجهيز مهابط المطار لاستقبال طائرات الانتينوف الروسية التي تنقل الدبابات وفرق المشاة. وذلک في إطار الاستعداد لعمليات يمکن أن يقوم بها التحالف الإقليمي الدولي الذي دعا الکرملين لتشکيله في مواجهة “داعش”.
ويری هذا الفريق أن روسيا لا يمکن أن تدخل المواجهة ضد “داعش” منفردة وبشکل مباشر حتی لا يکون لهذه المواجهة آثار سلبية في أوساط المسلمين الروس الذين يصل تعدادهم إلی أکثر من عشرين مليون مسلم، لذا لا بديل لموسکو عن توحيد جهود الأطراف الإقليمية والدولية في تحالف يشکل غطاء لتصفية تنظيم “داعش”، ما يعني أن هذا التحالف سيتم تشکيله، لکنه سيضم الدول التي تساند نظام الأسد، وبشکل خاص الصين وإيران وروسيا.
واستند هؤلاء الخبراء إلی مؤشرات محددة، منها قيام البحرية الروسية مع القوات الصينية بمناورات مشترکة في البحر المتوسط بمايو الماضي بالقرب من الشواطئ السورية، إضافة لتصريحات إيران بأن شراکتها مع روسيا لا تقتصر علی الجانب الاقتصادي، وإنما تشمل أيضاً مکافحة الإرهاب، باعتبار أن هذه المؤشرات تکشف عن خطوات لتطوير تعاون هذا الحلف في مواجهة توسع تنظيم “داعش” ومکافحة الإرهاب. ويعتقد العديد من المختصين الروس بشؤون الشرق الأوسط أن قلق واشنطن من التواجد العسکري الروسي سببه وجود نوايا غربية لاستغلال حملة مکافحة “داعش” وتوجيه ضربات عسکرية لنظام الأسد، لکن الوجود العسکري لتحالف روسي إيراني صيني لابد أن يعيق تنفيذ خطتها.
موسکو عن سوريا: هدفنا مکافحة الإرهاب
وکان سيرغي لافروف، وزير الخارجية الروسي، قد اتهم واشنطن بأن لديها معلومات عن مواقع تنظيم “داعش”، لکن مقاتلاتها لا تقصف هذه المواقع، وأکد أن هدف بلاده من تجهيز الجيش السوري بالأسلحة والمعدات العسکرية وإرسال خبراء روس لمساعد القوات السورية هو مکافحة الإرهاب وتحقيق نتائج جدية في القضاء علی تنظيم “داعش”، باعتبار أن الجيش السوري هو القوی الوحيدة المؤهلة لمواجهة “داعش”، ما دفع خبراء روسا للقول إن روسيا أصبحت تلعب دور الولايات المتحدة في تسليح وتدريب القوات التي تواجه الجماعات الإرهابية، تطبيقاً لمبدأ ملء الفراغ. وليس من باب المصادفة أن يتقارب موقف بريطانيا مع رؤية موسکو، وتتحدث بريطانيا عن استعدادها للقبول بوجود بشار الأسد في هيئة الحکم الانتقالي والتحاور معه. وأضاف هذا الفريق أن سياسات الکرملين نجحت في إنهاء العالم أحادي القطب، وکسرت الاحتکار الأميرکي لتسوية أزمات البؤر الساخنة.
بعض خبراء معهد الاستشراق اعتبر أن توسع روسيا في نشر تواجدها العسکري في سوريا وفي مناطق أخری رغم أزمتها الاقتصادية يهدف إلی فرض موسکو في معادلة التسوية مع الغرب، والأخذ بعين الاعتبار مصالح روسيا ونفوذها الجيوسياسي، لکن هذا الفريق حذر من أن ضعف القدرة الاقتصادية لروسيا والتي لن تمکنها من الصمود طويلاً في صراع النفوذ، بينما تحدث خبراء آخرون عن أن روسيا عبر غزوها سوق التقنيات النووية، ستتمکن من تقليص الاعتماد علی النفط والدولار کمعادل عالمي في صفقات الطاقة، ما سيؤدي لأزمة خانقة في الاقتصاد الغربي ستجبر واشنطن علی تقديم تنازلات لروسيا.
ولا شک أن التواجد العسکري الروسي في سوريا سيکون دعماً لنظام الأسد، وقد ينقذه من أي ضربات خارجية، لکنه في نفس الوقت يضمن لموسکو مصالحها ونفوذها في المنطقة حتی لو سقط نظام الأسد، وسيجعل منها محاوراً أساسياً في صياغة النظام الجديد في الشرق الأوسط.

زر الذهاب إلى الأعلى