تقارير

عندما تصبح المستشفيات مسالخ!.. رحلة إلی عنابر التعذيب السرية في سوريا

 

 
3/4/2017  

 

في إحدی الأمسيات خلال الأيام الأولی من الانتفاضة السورية، تراجعت فرقة محسن المصري عن نشاطاتها التي کانت ستؤديها عبر شوارع دمشق، وانتظروا قبالة الساحل لهدوء الأوضاع. ثم استقروا، وفتحوا حقائبهم، ونثروا فنونهم.
الآلاف من کرات بينغ بونغ، ورسومات خضراء ووردية وزرقاء وصفراء، ومَلابس عناصر الشرطة السابقين، الذين کانوا يسارعون إلی إيقافهم. سيظل السکان يعثرون علی الکرات في الزوايا والشقوق عدة أشهر. وکل کرة منها کانت موسومة بکلمة واحدة: “الحرية”.
إن عقوبة محسن المصري علی أعماله في الاحتجاج السلمي ستضعه علی متن رحلة إلی جهنم، وليس العجبُ ممن هلک کيف هلک، وإنما العجَب ممن نجا کيف نجا، حسب وصف تقرير لصحيفة واشنطن بوست الأميرکية.
في سلسلة من المقابلات، وصف محسن کيف تعرض للتعذيب والاستجواب علی مدی عامين في 4 مرافق احتجاز قبل وصوله إلی المستشفی، في مرکز نظام الوحشية علی نطاق البلاد.
المستشفی، المعروف باسم 601، ليس الموقع الوحيد للتعذيب في سوريا. ولکن بعد أن شوهد في أحد المخابئ به مجموعةٌ من الصور التي تظهر الآلاف من الجثث الهيکلية، أصبح المستشفی واحداً من أکثر الأماکن سيئة السمعة.

 


قصر الأسد

 

قال “المصري” والمعتقلون السابقون والعسکريون الذين عملوا هناک، داخل المبنی، علی بُعد نحو نصف ميل من قصر بشار الأسد، فإن السجناء المرضی يتعرضون للتعذيب وهم يرقدون علی أسِرَّة مثقَلَةٍ بالقتلی. تُکدَّس الجثثُ في الحمامات والمراحيض وفي أي مکان آخر يمکن استيعابها فيه، ثم تُوثَّق توثيقاً دقيقاً وتُشحَن بعيداً للدفن الجماعي!
وفي مقابلات أجريت في کل من لبنان وترکيا وأوروبا، وصف أکثر من 12 من الناجين والمنشقين عن الجيش الأهوالَ التي لاقوها في المستشفيات العسکرية السورية بجميع أنحاء البلاد، والتي يقول محامو جرائم الحرب إنهم کافحوا من أجل إيجاد تعويضات مدنية لهم.
ينحدر المعتقلون السابقون من شتی مناحي الحياة. فمنهم: النخبة، والطبقة العاملة، واليساريون، والإسلاميون؛ وصِلَتهم الوحيدة بعضهم مع بعض هي المشارکة في انتفاضة سوريا عام 2011. وکان بعضهم هم مَن أشعل فتيل الثورة. وقال آخرون إنّ منهم مَن أضاف تعليقاً بسيطاً في الفيسبوک علی منشورات الأصدقاء الذين دعموا الاحتجاجات.
يقول المحققون إن الشهادة والوثائق المستمدة من المستشفيات العسکرية السورية تقدمان مجموعة من أبرز الأدلة حتی الآن علی الجرائم المرتکبة ضد الإنسانية، والتي يمکن أن تجعل يوماً ما أحدَ شخصيات الحکومية البارزة ماثلاً أمام المحکمة.
يقول “المصري” في لقاء أُجري معه في مارس/آذار 2017: “لقد اجتاحنا نظام کان مستعدّاً لنا. حتی المستشفيات کانت معَدَّة لتکون أماکن للمجازر!”.
وقد استُخدم الطب ليکون وسيلةً من أسلحة الحرب منذ الأيام الأولی للانتفاضة؛ إذْ کان الأطباء المؤيدون للحکومة يبتُرون أطراف المتظاهرين حتی لو کانت الإصابات طفيفة.

يتضورون جوعاً


وقد هُيئَت المستشفيات العسکرية في جميع أنحاء سوريا منذ فترة طويلة لتکون عنابرَ للسجناء. ولکن منذ عام 2011، کانت هذه المستشفيات مملوءة بالرجال الذين تُرکوا يتضورون جوعاً وکُسروا بسبب الظروف التي عانوها بالفعل.
وقد تم اعتقال أکثر من 100 ألف شخص أو تعرضوا للاختفاء القسري في سوريا منذ بدء الثورة في البلاد، وفقاً لقائمة جمعتها الشبکة السورية لحقوق الإنسان، وهي مجموعة مراقَبة.
وخلال ذلک الوقت، لم تتمکن مجموعات المعونة الدولية من الوصول إلا إلی حفنة من السجون بإذن من الحکومة، ولم يکن أي من المحتجزين الذين قابلتهم واشنطن بوست ممن سُجنوا فيها.
بدأت محنة “المصري” في ربيع عام 2012، عندما أُلقي القبض عليه في طريقه إلی مؤتمر في ترکيا. وعذب مراراً وتکراراً في أثناء نقله من سجن إلی سجن، حتی وصل إلی صيدنايا، وهو أحد أکثر السجون رعباً.

لا نريد الذهاب هناک

وفي تقرير نُشر في فبراير/شباط 2017، قالت منظمة العفو الدولية إن التعذيب والتجويع القسري شيء مُمَنهَج في السجن. لکن المصري قال إن السجناء تعلموا أن يظلوا صامتين عندما سأل الحراس مَن منهم يحتاج إلی الذهاب إلی المستشفی.
وأردف قائلاً: “لا يهم ما فعلوه لنا؛ فکان لزاماً علينا أن ندّعي أننا علی ما يرام. فنادراً ما يعود الناس من تلک الرحلات”.
وبعد أشهر من المجاعة، أُضيف اسم “المصري” إلی قائمة النقل الأسبوعية. وما إنْ حلَّ الظلامُ في مساء مايو/أيار 2012، حتی قُيِّد بالسلاسل مع رجُل آخر ونُقل إلی الشاحنات خارجاً. وبإرفاق رقمٍ بجسم “المصري”، أخبره الحارس بأن ينسی اسمه. ثم أُخِذَ معصوبَ العينين.
کل شخص يحصل علی حظه من “الترحيب”، قال المصري- ضرب وحشي من قِبَل الحراس والطاقم الطبي وهم يرتدون معاطف بيضاء فوق الزيّ العسکري.
في مستشفی 601، دُفِع أضعفُ رجلٍ منا وطُرح أرضاً بطريقة وحشية. في مستشفی تشرين العسکري القريبة، قال محمد الحمّود، وهو فني سابق في المستشفی، إنه شاهد سجناء يُجرجَرون من شعورهم علی السلالم.
قال مصطفی سومر -وهو طالب فيزياء من دمشق تم إرساله إلی مستشفی 601 في نهاية عام 2012: “کل شيء يدور حول السيطرة”. وفي الداخل، شاهد مصطفی سجناءَ مقيّدين في أسِرَّتهم بالسلاسل بإحکام، حتی إنهم يجلسون ورُکَبُهم ملتصقة بضلوعهم.

أين يتغوّطون؟


نادراً ما کان يوجد فترات لدخول الحمام، حتی إن السجناء کانوا يتغوّطون حيث يجلسون، ويبقون في المکان نفسه أياماً!. يقول مصطفی: “کنا معصوبي العينين مع وجود هذه الرائحة حولنا. ولا يستطيع المرء التخلص من هذه الذکری، حتی بعد أنْ ذهبت لحال سبيلها”.
يوجد ما لا يقل عن 5 أفرع لقوات الأمن السورية تعمل بمثابة عنابر سجون داخل مستشفی 601 منذ 2011، وفقاً للجنة تحقيق للأمم المتحدة، هي هيئة أُنشئت لمراقبة الصراع.
وتقول في تقرير لها صدر عام 2013: “إن المحتجزين -بما في ذلک الأطفال- قد لاقوا صنوف العذاب: من ضرب، وحرق بالسجائر، وتعذيب يستغل الإصابات الموجودة مسبقاً”. وخَلُصت اللجنة إلی أن العديد من المرضی تعرضوا للتعذيب حتی الموت داخل المستشفی.
يقول أحد المنشقين إن مستشفی حرستا العسکري، أيضاً في دمشق، نَقَل سِجنه من الطابق الأول إلی السابع لمنع المحتجزين من الهروب. “وکان هو الطابق الوحيد الخالي من المصعد، وکنا نعلم أنه لا يمکنهم القفز من النافذة”.

عزرائيل وملاحقة الأطباء

ويقول المحققون إنّ تلک الانتهاکات يمکن أن تصبح رکائز أساسية في تقديم أي ملاحقة القضائية لأطباء تلک المستشفيات، وکذلک کبار الشخصيات في الحکومة السورية.
ففي مستشفی 601، قال “المصري” ومصطفی إنهما شاهدا ضباطاً رفيعي المستوی من فروع الأمن کانوا مرافقين للأطباء في جولاتهم. في بعض الأحيان، کان الفريق يتوقف عند أحد المسجونين لمناقشة طريقة علاجه. وفي أحيان أخری، کان ينهال عليه الرجال بالضرب.
کان يساعد الأطباءَ بعضُ العاملين ممن يرتدون الزي الأزرق، وکثير منهم کانوا من أنصار الثورة السابقين تم اختيارهم من قِبَل جَلّاديهم. قال “المصري”: “لقد کُسِر أفضل رجالنا وخضعوا لهم بسبب التعذيب. وإن لم يضربونا هم، فإنهم سيخاطرون بمصير أسوأ لأنفسهم”.
استخدم الحراس أسماء مستعارة؛ لتجنب التعرف علی هوياتهم. وقال 4 من الناجين أن أشهرهم کان عزرائيل، أو ملک الموت.
ووصفوه بأنه أضخم رجال الأسد في حصن اللاذقية الساحلي، وهو يحمل دائماً عصا مليئة بالشيفرات. کما قالوا إنه اعتاد اختيار بعض السجناء، أغلبهم مرضی بشکل مميت، لمصير يسميه “العدالة”، بينما يدعوه السجناء بالإعدام.
واسترجع “المصري” عزرائيل وهو يذيب أحد الأکياس البلاستيکية نقطة نقطة علی وجه أحد السجناء، حتی وفاته بالسکتة القلبية ظاهرياً. کما أفاد سجناء آخرون باستخدامه قضيباً حديدياً لتحطيم جماجم شرکائهم في الفراش.
توفي العديد منهم حيث ينامون، مشارکين زملاءهم الفراش حتی الصباح. بالنسبة لمصطفی، عنی ذلک مشارکته الفراش مع 3 جثث حتی شروق الشمس التالي، في شتاء 2012.
ومع تحول الانتفاضة في الخارج إلی حرب، يروي السجناء السابقون ازدياد هوس محققيهم بالمتواطئين، وبتعذيب السجناء بحثاً عن أسماء جديدة من المشتبه فيهم يمکنهم إلقاء القبض عليهم.

11 ألف قتيل والبقية ستأتي


تعترف الوثائق الموقعة بواسطة الحکومة وکبار مسؤولي الأمن بالزيادة المفاجئة في عدد القتلی، وتشکو أحياناً من تراکم الجثث.
وقال سکوت غيلمور، المحامي العام في مرکز العدالة والمحاسبة “من المستحيل استجواب وتعذيب وقتل عشرات الآلاف من السجناء دون منهج متبع. قبل الثورة، لم يکن النظام ينتج آلاف الجثث، ثم فجأة أصبح يفعل. إذاً ماذا فعلت بهم؟”.
في ديسمبر/کانون الأول من عام 2012، أصدر رئيس دائرة الاستخبارات العسکرية السورية أمراً لکل الفروع الأمنية بإرسال موتاهم إلی مشرحة المستشفی العسکري. وجاء في الوثيقة التي حصلت عليها لجنة العدالة والمحاسبة الدولية -إحدی وحدات التحقيق التي يقع مقرها في أوروبا- أنه يجب فحص وتقييد کل جثة.
نُشر عدد من هذه الصور علناً حول العالم في 2014، بعد تهريبها خارج سوريا علی يد أحد المنشقين عن الشرطة العسکرية، والمعروف باسمه الحرکي فقط “قيصر”. جری التقاط غالبية الصور داخل مستشفی 601، حملت جثثاً لأطفال في سن الحادية عشرة علامات للتعذيب والحرق وفقء العيون ونشر الأطراف. ووفقاً لبروتوکول الحکومة السورية، وثق قيصر وفاة نحو 11 ألف شخص بشکل منهجي.
وقال نديم حوري، الذي فحص الصور من أجل “هيومان رايتس ووتش”: “عليک أن تدرک أن هذه هي الصور التي التقطها شخص واحد فقط خلال فترة زمنية واحدة؛ بل إنها جزء فقط مما قام بتوثيقه”.

أخبار کاذبة

من جانبه، وصف الأسد مؤخراً هذه الصور بکونها “أخباراً کاذبة”، زاعماً معالجتها بما يتفق مع أهداف مجموعات حقوق الإنسان.
إلا أن المنشقين ذکروا أنه نقل العديد من الجثث المرقمة في أکياس بلاستيکية بمستشفی 601، وبعض المستشفيات العسکرية القريبة في تشرين وحرستا.
کما جمع محققو الأمم المتحدة والشرکات القانونية الخاصة شهادات مماثلة من حمص وحلب ودرعا. بنهاية 2012، تصدع النظام، ووبخ الأمر الصادر في ديسمبر/کانون الأول من ذلک العام الإدارات العسکرية الفردية لفشلهم في تسجيل موتاهم في الوقت المحدد.
وبحسب مصري، يُعاد الناجون مرة أخری للسجون القريبة. بينما يُطلق سراح آخرين، مثل مصطفی، في الحال بعد ذهابهم إلی محکمة دمشق المکتظة بالسجناء، وبعد إقرار أحد القضاة بأنهم أُجبروا علی الإدلاء باعترافات کاذبة تحت وطأة التعذيب. يتذکر الشاب کيف سقط بين أذرع والديه الباکيين.
بعد خروج “المصري” من 601، أُعيد إلی صيدنايا مرة أخری، ليشهد عاماً آخر من التعذيب والليالي التي قضاها في الظلام بجوار الرجال الآخرين. لقد شعر بأنه ذهب في طيّ النسيان.
في شتاء 2014، حلم “المصري” بأنه يأخذ دشاً ساخناً، يزيل عنه عامين من القذارة، ويترکه نظيفاً. استيقظ ليجد حارساً في زنزانته، “أخبرني بأنه حان وقت الذهاب. لا أستطيع وصف ذلک الشعور. لقد کان ضخماً وغير قابل للوصف”.
تذکر أيضاً عودته إلی دمشق، وکيف أغلق باب الحمام ليقف وحيداً برهة، أغلق عينيه بحثاً عن السکينة، وحين فتحها، رأی رجلاً شاحباً مهزولاً يحدق فيه في المرآة.
تابع “المصري” روايته: “بدأت في الصراخ”. لم يتعرف “المصري” علی نفسه.

 

زر الذهاب إلى الأعلى
منظمة مجاهدي خلق الإيرانية - أرشیف
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.