تقارير

قصة معتقل: ماذا حدث خلف السفارة الايرانية بدمشق؟

 



أورينت نت
21/12/2014


 


“خرجت من المعتقل وبقلبي حسرة، فقد أتممت فيه الأربعة أشهر، وصار من حقي الحصول علی البلاطة رقم خمسة التي تتيح لي أن أتمدد بکامل جسدي” هذا ما قاله سامي عبد الکريم بعد خروجه من المعتقل، وذلک بعد التشاجر مع المسؤولين هناک، فقد کان يرفض الخروج لأن ذلک سيحرمه من حق التمتع بالبلاطة الأخيرة، ليعکس بذلک مدی الأثر الذي خلفه الحبس في ذاکرته التي لم يسترجعها سوی بعد شهرين من خروجه.


ونظام منح البلاطات يبدأ عادة، بعد وضع المعتقلين الجدد وسط غرفة ليبقوا واقفين طيلة عشرين يوما، وبعدها ييبدؤون بالحصول علی بلاطة مساحتها ( 24 سم مربع)، فتصبح من حق کل معتقل وتعرف باسمه، ويستطيع النوم عليها بل وأن يمنحها مؤقتاً لمعتقل آخر، وبعد فترة معينة يتم منح المعتقل بلاطة أخری إلی أن يحصل في النهاية علی خمس بلاطات.


 تحالف المعتقلين
سامي ورفاقه شکلو ما أسماه تحالفاً مع عدد من المعتقلين الآخرين، بحيث يتم جمع البلاطات الممنوحة مع بعضها من أجل الحصول علی متر مربع، يتناوبون بالنوم عليه، وهذا ما کان سبباً لسعادته بعد أن بقي 15 يوماً واقفاً دون جلوس في بداية اعتقاله، حيث انتفخت قدماه، وبدأ القيح والدم بالخروج منهما، إلی أن تم منحه “بلاطة”، وبات القانون الذي اخترعه کما يقول، عرفاً يتوارثه المعتقلون.


سامي عبد الکريم، 24 عاماً، من أوائل الطلاب في کلية العلوم السياسية بجامعة التل بدمشق ممن شارکوا في الثورة منذ انطلاقها.


يعود سامي بذاکرته إلی أوائل عام 2011 عندما کان طالباً في السنة الأولی، حين تجرأ أن يطرح سؤالاً علی الدکتور (صابر بلول) الذي کان يحاضر بالطلاب عن وجود المندسين والمخربين الذين يحاولون تخريب البلد، وإنجازات الدولة السورية في حفظ الأمن، فسأل مدرسه “لماذا لم نحرر الجولان إن کنا بهذه القوة؟”،
فساد الصمت في القاعة وبدا التوتر علی وجه الدکتور الذي قال “استرح يا ابني سأجيبک”.


إجابة المدرّس جاء بالحديث عن سورية قبل الحرکة التصحيحية، وإنجازات من سماه بـ “القائد الخالد” حافظ الأسد، وسياسات بعض الدول العربية کتخلي صدام حسين عن الأحواز وتخلي الجزائر عن جزر سبتة ومليلة، فجاء صوت أحد الطلاب دون طلب إذن “ونحنا شو علاقتنا ليش الجولان ما تحرر!”، فأنهی الدکتور النقاش بنظرة غضب تجاه سامي الذي کان سبباً بالحديث في الممنوع.


کانت تلک نقطة الانطلاق ليؤسس سامي ورفاقه “تنسيقية کلية العلوم السياسية”، خاصة بعد اقتحام قوات الأمن لکليتهم بتاريخ 14/6/2011 أثناء الامتحانات، واعتقال العديد من الطلاب، فتم نشر أسماء المعتقلين من طلاب الکلية ومن باقي الکليات وتحديد موعد المظاهرات والنشاطات السلمية.


 تشبيح رئيس اتحاد الطلبة
اعتقل سامي لمدة أربع ساعات مع ثلاثة من زملائه، تعرضوا فيها للشتائم والإهانة وهددوا بالفصل بسبب (طول ألسنتهم) بحسب تعبير عمار ساعاتي رئيس اتحاد الطلبة في سورية، لکن ذلک لم يمنعهم من المشارکة في التظاهرات بدمشق وبرزة والتل المشارکة بتوزيع المنشورات في المزة.


وفي يوم 5/ 6/2012 قام سامي بنشر بيان علی صفحة التنسيقية دعا فيه لمقاطعة الامتحان بسبب وجود طلاب يحملون المسدسات وعصي الکهربا، وهم ينتمون الی ما يسمی “اللجان الشعبية” حيث يقومون بالاعتداء علی الطلبة وتفتيش کل شخص لا يروق لهم، إلا أن زميلاُ لهم حينها أخبرهم بأن قوات الأمن ستصل بعد خمسة دقائق، وساعد في تهريبهم عبر الأحراش، لتقوم بعد ذلک قوات الأمن بتکسير غرفهم ومصادرة ممتلکاتهم الشخصية، مما اضطرهم إلی اللجوء لبيت أحد أصدقائهم في حي المزة خلف السفارة الايرانية، وکان عددهم يقارب الـ 15 شخصاً، فقرروا أن ينشطوا في أحياء المزة العشوائية کحي الفاروق والإخلاص والمصطفی، وبدؤوا بتوزيع المنشورات وتعرفوا علی شبان المنطقة، ووصل عدد المتظاهرين الی 1500 بين نساء ورجال وأطفال.


اعتقل سامي ورفاقه بعد قيام أحد الأشخاص بالتبليغ عن مکان تواجدهم، في صباح يوم السبت 9/6/2012، حيث قامت وحدة من فرع الأمن العسکري بتطويق الشارع والمنزل، وکسروا بابه، وأطلقوا رصاصاً في الهواء، وانهالوا عليهم بالضرب بالهروات وعصي الکهرباء وبأخمص البنادق والمسدسات.


 الفرع 215
الطريق إلی الفرع 215 في کفرسوسة کان داخل سيارة صغيرة حشر فيها سامي ورفاقه حيث استمروا في ضربهم فيها مما أدی إلی إغماء ثلاثة منهم، وهم غارقين في دمائهم، وبوصولهم للفرع استقبلهم ضابط وأمر الحراس أن يغسلوا وجوههم بالماء کي لا تتسخ يده بـ “دمهم النجس” علی حد تعبير الضابط، وبعد أخذه بياناتاهم وأماکن إقامتهم، أرسلهم لما يسمي بالمسلخ، وهو عبارة عن طابقين تحت الأرض، وکان في استقبالهم مساعد يدعی” شاليش” يحمل کبل کهرباء رباعي، فتلقی سامي لکمة تحت عينه، وأمرهم بخلع ملابسهم بالکامل، وبدأت عمليات الضرب، إلا أن کل ذلک ماکان ليؤثر بهم، أمام المشهد الصادم وهم يرون المعتقلين القدامی المرميين علی الارض، ويستمعون لصراخ آخرين يتم تعذيبهم في مکان ما في الفرع.


رحلته داخل المعتقل لم تکن بغاية التحقيق بل کان القصد منها الإذلال وتحطيم المعنويات، فجاءت الجلسة الأولی بعد عشرة أيام من الاعتقال ولم يوجه له سؤال، بل تم إجلاسه في غرفة ليستمع إلی صراخ المعتقلين من رجال ونساء، وصوت الکبل الرباعي وهو ينهش أجسادهم.


 بعد أربعة أيام
وجاء التحقيق الثاني بعد أربعة أيام من ذلک حيث قاموا بشبحه، أي تعليقه من يديه بالحبال، لمدة ساعتين وضربه بالکبل الرباعي وصعقه بالکهرباء، الی أن فقد الوعي، فسکبو عليه “الکلونيا” ليستعيد الوعي وعاودوا الضرب والرکل بالأقدام دون توجيه أي سؤال أو تهمة، ويقول عن تلک الواقعة “لقد کانوا يضربونني لأجل الضرب فقط لساعات متواصلة، حتی لا أکاد أقوی علی الوقوف، ليرموني بعد ذلک فوق السجناء المکدسين فوق بعضهم البعض”.


بيضة واحدة لثلاثة أشخاص کانت فطورهم الصباحي مع رغيف خبز جاف عليه آثار العفن وزيتون وفي المساء بطاطا مسلوقة، وکان لتلک الوجبات دور في جعل المعقلين يميزون فترة الصباح من المساء، ويستذکر سامي العجوز ذي الـ 75 عاماً الذي لم يکن يقو علی البکاء من جوعه ولشده ضعفه ونحوله، حتی أن الدود بدأ يخرج من رأسه ومن کافة أجزاء جسده، ليعلم فيما بعد أن ذاک أبو زاهر الذي شهد مقتل ابنه زاهر أمام عينه تحت التعذيب، ومات في النهاية وهو يحاول الابتسام دون کلام لکل من حوله، ليأتي صوت المساعد قائلاً “زتوه لبری شکلو فطس”، فيصيح أحمد أحد المعتقلين بصوت عال “يا کلااااب شو عملتو بالختيار؟” فما کان منهم إلا أن انهالو عليه بالضرب حتی قالوا أنه “فطس”.


يقول سامي “ظننت أن أحمد قد توفي بعد أن رموه خارجاً، وشاءت الأقدار أن يکتب له عمر جديد، ولکنه توفي فيما بعد متأثر بآثار التعذيب”.


 فقدان الذاکرة
بعد ذلک بدأ سامي بفقدان ذاکراته، فيقول “لم أعد اتذکر ما اسمي أو أين أنا، فقدت الأحساس بالزمن لست أنا فقط من فقد ذاکرته، فکل من يدخل الی الفرع يفقد ذاکرته بعد ذلک لمدة يوم وبأقصی حد أسبوع، إلا أنني بقيت فاقداً للذاکرة حتی بعد خروجي بشهرين من المعتقل، فکانوا يضربونني ولکني لا أحس بأي ألم، لأني فقدت حاسة الشعور بالأشياء، بدأ شعري يتساقط والحبوب تملأ جسدي وأثار الصعقات الکهربائية في کل مکان، کنت دائماً أجيب المحقق أنني لست مخرباً ولم أقتل ولم أفجر، کما اتهمني باغتيال عدد من الضباط واتهمني بزرع (الطائفية) وتخريب ممتلکات الدولة، کل ما کان يدور في رأسي حينها هو السيجارة وعلم الثورة، وکان يقابلني بالدعس علی بطني وشتمي”.


ويتابع “بقيت علی هذه الحالة مدة أربعة فاقداً للذاکرة وأعاني من الأمراض الجلدية وسقوط لکامل الشعر في جسدي وتورم في القدمين وارتخاء في المفاصل، وفي آخر تحقيق معي تم تصويري مع رقم وغبت عن الوعي، ووجدت نفسي في حي دمر الدمشقي وحولي بعض من أفراد عائلتي، ومن الأصدقاء حينها تبين لي أنه أطلق سراحي”، وعندما عاد إلی منزله في دير الزور وجاء أقاربه للاطمئنان عليه، دخلوا غرفته الصغيرة، فسارع والده إلی القول “تعالوا إلی المضافة فالمکان ضيق هنا، ليجيب سامي بعفوية “بالعکس، المکان يتسع للجميع”.


استقرت حالة سامي بعد الخضوع لبرنامج علاجي في لبنان وترکيا، واستعاد ذاکرته بالتدريج، وبعدها انتقل إلی منطقته المحررة شرق دير الزور، بدأ بالعمل في مجال تنمية المجتمع المدني مع منظمات محلية ودولية، کانت تهتم بالتعليم والمدارس ورعاية النازحين، بالإضافة الی العمل الإعلامي مع مجموعة من الناشطين في کافة أرجاء سورية من خلال التصوير والتقارير الإعلامية، ونشاطات أخری کحملات نظافة وإزالة مخلفات الحرب.
تعرض سامي للمضايقات من قبل جبهة النصرة التي کانت تسيطر علی منطقته في دير الزور، کما تم اعتقاله لعدة ساعات في الهيئة الشرعية ليطلق سراحه بعد التحقيق معه.


ولکن بعد أن شنت “داعش” الهجوم الثاني علی ريف دير الزور في حزيران 2014 وسيطرت علی کامل محافظة دير الزور، شعر بالخطر الحقيقي وخاصة بعد مداهمة منزل ذويه لأکثر من مرة، فلم يکن من خيار لديه إلا مغادرة المنطقة، ليستقر في اسطنبول، بعد أن افتتح بمعونة بعض الأصدقاء محلاً صغيراً لبيع البضائع السورية.

زر الذهاب إلى الأعلى