تقارير
تقرير منظمة العفو ومسؤولية بشار الأسد المجرم

10/2/2017
لعل تقرير «منظمة العفو الدولية» لم يضف الکثير من معلومات للسوريين حول ما يعرفونه وما عاشوه وعانوا منه علی يد نظام الديکتاتورية البشع في سورية. وجميع السوريين يعرفون أن ما جاء في التقرير المرعب هو غيض من فيض الجرائم التي لم يشهد التاريخ مثيلاً لها اتساعاً وشمولية. فالسوريون خبروا هذه الجماعة وأساليبها منذ استلامها السلطة في 1970، وتعرفوا علی وحشيتها وإجرامها في لبنان منذ 1976 ثم تعرضوا لها مباشرة في الثمانينات في حماة وحلب وجسر الشغور. وقد لا يکون مصادفة أن يصدر التقرير في شهر شباط (فبراير)، متزامناً مع الذکری الخامسة والثلاثين لمذبحة حماة الکبری عام 1982 حيث أبيد، وفقاً لأحد التقديرات، أربعون ألفاً، ما زال سبعة عشر ألفاً منهم مجهولي المصير حتی الآن.
لکن تقرير منظمة العفو الدولية الصادر يوم 6-2-2017 جاء مميزاً بأکثر من جانب:
فأولاً، هو يصدر عن أکبر وأعرق منظمة حقوق إنسان في العالم، والتي تتمتع بقدر کبير من المصداقية والحيادية والثقة.
وثانياً، قام التقرير علی عدد کبير من شهادات الشهود من ضحايا وأهالٍ، واعتمد علی أصحاب خبرة من محامين وموثقين لانتهاکات حقوق الإنسان بلغ عددهم أکثر من ثمانين شاهداً ومحامياً وخبيراً، فضلاً عن کمية الوثائق التي اعتمد عليها والفترة الزمنية التي غطاها.
وثالثاً، تمتع بالدقة والوضوح في شرح ما يجري داخل هذا المسلخ البشري من انتهاکات وجرائم مما يتحدی تخيل أي عقل بشري. وقد سبق أن وثقت «منظمة العفو الدولية» وعدد من المنظمات الحقوقية في تقارير سابقة جرائم التعذيب، ووصفت أکثر من عشرين طريقة تعذيب تمارسها عصابة الأسد ضد المعتقلين. ومع وجود بعض الأخطاء التقنية في الترجمة أو التفسير، فهذا التقرير کان أوضح التقارير في شرح ما يجري حقيقة في المعتقلات السورية ضد المعارضين المدنيين والسلميين.
وهناک کذلک ما يميز سجن صيدنايا باعتباره أکبر سجن عسکري في سورية، فيما تسميته الرسمية هي «السجن العسکري الأول»، إذ أنه السجن الذي بات يوضع فيه معارضو النظام بعد إغلاق سجن تدمر عام 2001. والحديث عن الجرائم في سجن صيدنايا بعد 2011 بات له بُعد آخر يتصل بإطلاق سراح المتشددين الإسلاميين منه ليعيثوا تشويهاً بثورة الشعب السوري ضد الديکتاتورية.
ولکن لعل أهم ما يميز التقرير هذا أنه يحمّل المسؤولية المباشرة لبشار الأسد عن هذه الجرائم، وبالتالي لن يمکنه بحال من الأحوال أن ينکر مسؤوليته. وحتی لو فوّض وزير الدفاع بالتوقيع عنه علی هذه القرارات فإن المسؤولية المباشرة عن الجرائم تظل قانوناً ملازمة له شخصياً، خصوصاً أنه لم يذکر بالمرسوم إمکانية التفويض.
فمعظم الذين قُتلوا في سجن صيدنايا، وفق التقرير، حکمت عليهم محاکم الميدان العسکرية بالإعدام، وينصّ قانون إحداث محاکم الميدان العسکرية الصادر بالمرسوم التشريعي 109 لعام 1968، خصوصاً في مادته الرقم 8 علی خضوع أحکام الإعدام للتصديق من قبل رئيس الدولة، أما باقي الأحکام فيجري تصديقها من قبل وزير الدفاع.
کما تنصّ المادة الرقم 7 من المرسوم المذکور علی أن لا تنفذ أحکام محکمة الميدان العسکرية إلا بعد التصديق عليها من قبل المرجعية المختصة.
ومما سبق فإن هذا المرسوم يثبت بما لا يدع أي مجال للشک أن بشار الأسد قد وقع شخصياً أحکام الإعدام التي نفذت بأکثر من 13 ألف معتقل في سجن صيدنايا وحده. وهذا جزء بسيط مما يجري في المعتقلات والسجون الأمنية والعسکرية في سورية، حيث نقدر، کمنظمات حقوق إنسان، أن أکثر من ستين ألف ضحية قضوا في هذا المعتقلات بينما لا يزال أکثر من مئتي ألف مغيبين قسرياً من دون أية معلومات عنهم.
ولا يقل أهمية عن ذلک توقيت صدور هذا التقرير، مع ازدياد الجهود والضغوط الروسية علی الدول المجاورة وعلی المعارضة المسلحة والسياسية للقبول بتسويق بشار الأسد وبقائه في السلطة، مع بعض التغييرات لاستهلاک الوقت وإعادة تدعيم سلطته، ومع ظهور بعض المؤشرات علی وجود استجابة ولو ضعيفة لهذه الجهود، أظهرتها مؤخراً مواقف ترکية وأردنية. وقد ترافق کل هذا مع محاولات البعض في أوروبا إعادة بناء بعض الجسور مع نظام مجرم، ما تمثل بزيارتين لوفدين برلمانيين أحدهما فرنسي والآخر بلجيکي، فضلاً عن بعض الغزل الترامبي.
هکذا جاء التقرير ليشکل صفعة کبيرة علی وجه أصحاب هذا التفکير. فالقبول بهذا الإجرام وعدم محاسبة فاعليه يراد لهما أن يکونا ضوءاً أخضر يفتح باباً للکثيرين من المجرمين، وهو ما ستتصدی له الشعوب.







