تعذيب وتجويع واذلال في سجون النظام السوري

ا ف ب
13/12/2014
دمشق: يصف معتقلون سابقون لدی النظام السوري “عالما آخر” منفصلا عن العالم الواقعي يقبع فيه نزلاء السجون الذين يتعرضون يوميا لاساليب تعذيب مبتکرة، من الضرب المبرح والصعق بالکهرباء والتجويع او تقديم طعام ممزوج بالذل والقمامة… “کابوس” يصعب عليهم نسيانه.
ويقول الناشط محسن المصري الذي کان يعمل قبل النزاع في الهندسة المعلوماتية، انه جری نقله خلال سنتين بين سجون عدة عانی فيها الامرين: ضرب، وتعليق بالسقف من المعصمين لساعات، واجباره علی البقاء عاريا اياما وسط برد الشتاء القارس.
ومن اسوأ ما تعرض له، يروي لوکالة فرانس برس عبر الانترنت “ذات يوم، أخرجونا الی الممرات لرش مبيدات للحشرات داخل الزنزانات. وبسبب بخ المبيدات، صارت الصراصير تخرج الی الممرات وتطلع علی وجوهنا، ونحن اعيننا معصوبة وايدينا مقيدة وراء ظهورنا. حملوا الصراصير ووضعوها داخل ملابسنا، ثم بخوا مبيدات علينا”.
ومحسن المصري، واسمه مستعار، واحد من حوالی مئتي الف معتقل سجنتهم السلطات منذ بدء النزاع في منتصف آذار/مارس 2011، بسبب انشطتهم المناهضة لنظام الرئيس بشار الاسد.
ويقول المرصد السوري لحقوق الانسان ان حوالی اثني عشر الف سجين قضوا نتيجة التعذيب داخل هذه السجون، بالاضافة الی وجود آلاف المفقودين الذين لا يعرف مصيرهم.
ويقول ناشط من دمشق يقدم نفسه باسم محمد سمعان (33 عاما)، “لا شيء مما قرأته او سمعته عن روايات الشعوب الاخری کان في امکانه ان يحضرني لتجربة الاعتقال الرهيبة التي مررت بها”، مضيفا “اکتشفت ان هناک عالما آخر مرعبا موجودا في سوريا”.
وکان سمعان يتحدث بهدوء، وهو ينفث من سيجارة ويتذکر. “سجنت مرتين بسبب نشاطي ضد نظام الاسد، المرة الاولی لتسعة اشهر، والمرة الثانية لاربعة اشهر. وفي المرتين، تعرضت لاسوأ انواع التعذيب النفسي والجسدي”.
قال له مرة احد المحققين في فرع امني في دمشق “نحن لا نعذبکم بسبب نشاطکم ضد النظام. انتم لا تؤثرون علينا، انما نعذبکم لاننا نتلذذ بتعذيب الناس”.
ويشير سمعان الی انه تعرض للصعق بالتيار الکهربائي. “ثم طلب مني المحقق ان أکتب کل ما أعرف” عن نشاط المعارضين، و”لم أشعر بالرعب مرة کما شعرت في ذلک الوقت. فعل کل شيء لتحطيمي”.
ويتحدث المصري (36 عاما) من جهته باسهاب عن تفاصيل تبقی محفورة في ذاکرته.
تم توقيفه علی الحدود بينما کان يحاول العبور الی لبنان المجاور. وسلم الی فرع الامن العسکري في دمشق حيث کان المحققون “يشتمون زوجتي ويهددون باعتقالها واغتصابها”. بين جولة تحقيق واخری، “کانوا يوقفونني عاريا في الخارج، ثم يدخلونني ويطرحون الاسئلة وهم ينهالون علي ضربا”.
بقي في الفرع سبعة اشهر، وکان المکان الذي ينام فيه “مساحته 36 مترا مربعا، ويضم خمسين شخصا في البداية، ثم اصبحوا مئة”.
ويشير سوري ناشط في مجال الدفاع عن حقوق الانسان رافضا الکشف عن هويته الی وجود اکثر من مئة سجن ومرکز اعتقال في انحاء البلاد، بينها سجنا عدرا وصيدنايا قرب دمشق اللذان مر فيهما کل من المصري وسمعان.
ويتحدث عن شبکة من السجون السورية والفروع الامنية ومراکز الاعتقال السرية التي يصفها ب”الکابوس”، بينها “ثلاثون الی اربعين فرعا امنيا غير قانونية” بمعنی انها غير مخولة ابقاء معتقلين لديها، “بالاضافة الی عدد غير محدد من مراکز الاعتقال السرية”.
ويضيف الناشط “هناک اربعة اجهزة امنية في سوريا، وکل منها يبذل اقصی جهده ليثبت انه اکثر عنفا من الاجهزة الاخری”.
ويمنع المحامون من مقابلة موکليهم، کما يمنعون من المثول امام المحاکم الميدانية، ما يحرم المعتقل من ادنی مقومات الدفاع المشروع عن النفس.
وتقول الناشطة في مجال حقوق الانسان سيما نصار “في الفروع، نوعية الطعام سيئة جدا ومحدودة. الطبابة معدومة، ونادرا ما يتلقی المعتقل مساعدة طبية. عندما يصاب بکسور او بجلطة مثلا، قد ينقلونه الی المشفی العسکري الذي هو مثل الفرع تماما، يقوم الممرضون فيه بدور السجانين ويستخدمون الضرب والاهانات”.
دخل المصري السجن وکان وزنه اکثر من مئة کيلوغرام، وخرج منه وهو يزن اقل من خمسين کيلوغراما.
ويقول “کنا نأکل وجبة واحدة في اليوم، رغيف خبز او اقل او خمسة ملاعق من الارز.. ربع حبة بطاطا احيانا، او ثلاث حبات زيتون وثلث بيضة”.
ويضيف “کان يوضع الطعام عند الباب، وعلينا سحبه بسرعة کبيرة، لان الحراس کانوا ينهالون بالضرب المبرح علی الايدي التي تمتد لسحب الطعام”، مشيرا الی ان احد الضباط عمل مرة علی مزج مياه من کرسي الحمام بالطعام، و”مع ذلک اکلناه، لاننا کنا جائعين”.
واصدر الاسد في حزيران/يونيو مرسوم عفو کان يفترض ان يشمل عشرات الاف المعتقلين، بموجب نصه، لکن تم الافراج عن العشرات فحسب، بينهم اقل من خمسة من الناشطين المعروفين.
وتقول سيما نصار “الناس الذين نعتبرهم صانعين للحدث، لا يفرج عنهم، (النظام) يخاف منهم ومن تأثيرهم”.
بدأ النزاع في سوريا بحرکة احتجاجية سلمية، وظل الناشطون ينظمون تظاهرات تطالب باسقاط النظام لاشهر طويلة ويواجهون بالقمع والسجن واطلاق النار. تدريجيا تحول النزاع عسکريا. ويقول الناشطون ان معظم الذين قادوا حرکة الاحتجاج هم في السجن او مفقودون، او قتلوا او هاجروا.
اما الذين تمکنوا من الخروج من السجن، فهم في صراع يومي مع الذکريات الموجعة.
ويقول سمعان “الذکريات تسکنني وتطاردني کل يوم، عندما آکل، عندما أنام… الوضع غاية في القبح هناک. بعض الامور لا يمکنني حتی التکلم عنها”.







