تقارير

مأساة اللاجئ الصغير.. المصير الغامض لأطفال المهاجرين العرب مع الأسر البديلة في بريطانيا

 


تقرير أعده موقع هاف بوست عربي
22/7/2017

 

في فبراير/شباط الماضي، وضمن إرهاصات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، قررت حکومتها وقف برنامجها الرئيس لاستقبال الأطفال اللاجئين. وعلی الرغم من وصول مئات الأطفال إلی الجزيرة وحدهم، إلا أن لبريطانيا سجلاً سيئاً في التعامل معهم. هذا التحقيق يسلط الضوء علی جانب مظلم في نظام الرعاية الاجتماعية البريطاني، وآلام الأطفال المهاجرين.
من بين 1.3 مليون شخص طلبوا اللجوء في أوروبا عام 2015، کان هناک أکثر من 100 ألف مهاجر قاصر غير مصحوب بقريب بالغ. کان معظم هؤلاء من سوريا وأفغانستان، و13٪ منهم کانوا أصغر من 14 سنة. وفي يناير/کانون الثاني عام 2016، أعلنت هيئة الشرطة الأوروبية (يوروبول) اختفاء 10 آلاف طفل لاجئ بعد وصولهم إلی أوروبا، ويُخشی أن يکونوا قد وقعوا في أيدي عصابات الجريمة المنظمة أو الاتجار بالبشر.
کان من بين هؤلاء، العديد من الأطفال السوريين الذين استطاعوا الوصول إلی بريطانيا.
بريطانيا تحديداً، تتمتع بنظام رعاية اجتماعية معروف باسم “الاحتضان أو التبني” Foster، وفيه يلتحق الطفل بالأسرة الراعية حتی سن الـ18 ويحتفظ باسمه ولقبه. وتُشرف السلطات المحلية علی رعاية الطفل في کنف الأسرة المضيفة، وکان من المتوقع أن يستفيد منه العديد من الأطفال الذين وصلوا إلی البلاد.
الدکتور محمد النجار، طبيب بريطاني-سوري يقيم بلندن، يروي کيف انخرط في العمل الإغاثي لمساعدة السوريين منذ عام 2011. يعتبِر النجار نفسه علی احتکاک دائم بقضايا اللاجئين السوريين في بريطانيا، لکن تمثل المسألة له نقطة غامضة جداً.
إذ حاول الدکتور النجار، خلال الأعوام الماضية، کفالة أحد الأطفال السوريين في منزله ضمن نظام الرعاية الاجتماعية الموجود بالبلاد، لکنه فشل ولم يثمر بحثه نتيجة تُذکر، لکن آخرين مرّوا عبر تجربة الاحتضان توصل إليهم “هاف بوست عربي” في بحثه عن الأطفال اللاجئين، أحمد الحلبي کان أحدهم.

الوصول صغيراً إلی العالم الجديد

وصل الطفل أحمد، وهو اسم مستعار لطفل سوري، عن طريق التهريب، إلی بريطانيا وحيداً من دون أمه وأبيه، کان حينها يبلغ من العمر 14 عاماً.
أُحيل أحمد إلی مخفر للشرطة، وهناک کان عليه أن يتذکر رقم والده خارج بريطانيا ليطمئنه بوصوله. بعدها، تم تسليم أحمد إلی إحدی دور الرعاية الاجتماعية المحلية، ومنها إلی إحدی الأُسر الإنکليزية التي تقطن بالقرب من لندن، لتتولی رعايته إلی جانب طفل سوري آخر في مثل عمره وطفل إيراني أصغر منهما سِناً.
کانت المکالمات الهاتفية هي الوسيلة الوحيدة للتواصل بين أحمد وأسرته، بشرط أن تکون برغبته ولا تستمر المکالمة الواحدة أکثر من 45 دقيقة بحسب نظام الأسرة التي ترعاه.
کان من الممکن لأحمد أن يقضي مراهقته مع هذه الأسرة حتی يبلغ الـ18 من عمره. وحينها، کانت إمکانية لقاء أحمد بأبويه أمراً صعباً للغاية، سواء من ناحية سفره للخارج أو قدومهم إليه. لکن بعد عامين من وصوله، تمکنت عائلة أحمد الأصلية من الفرار إلی بريطانيا؛ لتقدِّم علی حق اللجوء.
لم ينتقل أحمد إلی أسرته مباشرة للعيش معاً، وإنما تم ذلک بعد 8 أشهر. تخللت تلک الأشهر لقاءات جمعت بين مسؤولي الرعاية الاجتماعية المحليين والأب والأم مع أحمد؛ للتأکد من رغبة هذا الأخير في الانتقال للعيش مع أسرته الأصلية وأن هذه الأسرة مؤهلة وقادرة علی رعاية طفل في سنه. يحکي والد أحمد أن ابنه کان محظوظاً؛ لأنه کان في سن تسمح بالتواصل المستمر معه منذ وصوله لبريطانيا. هذا بالإضافة لطبيعة نجله الهادئة التي ساعدت علی استقرار نسبي.
ورغم ذلک، لا يخفي والد أحمد قلقه علی ابنه بسبب هاتين السنتين اللتين قضاهما بعيداً عن أسرته في سن المراهقة. فهو يری أنه ابتعد عنهم نفسياً قليلاً وأصبح ميالاً إلی الاستقلالية ويعبر عن قدرته علی العيش بمفرده متأثراً بالبيئة المحيطة. ويحاول والده أن يدمجه في الأسرة مرة أخری. ويضيف أنه يعرف حالات أطفال سوريين آخرين مروا بتجارب مشابهة، لکن تأثيرها کان عليهم أکبر وأثرت في شخصيتهم من عدة جهات، منها مثلاً أن مسائل الحلال والحرام أصبحت هامشية في حياتهم علی خلاف ما تربوا عليه.
ولا يری والد أحمد أن هذه التغيرات الطفيفة في شخصية نجله ناتجة عن سوء معاملة من الأسرة الإنکليزية؛ إذ يوضح أنها اهتمت به کثيراً وأحضرت له سجاجيد صلاة وکانت تصحب ابنهم إلی صلاة الجمعة في أثناء العطلات الدراسية. لکن يعزو الأمر إلی عدم وجود أي تواصل بين أحمد وأية أنشطة عربية وإسلامية خلال الأعياد ورمضان؛ لأن مثل هذا الجانب الثقافي لم يکن ضمن اهتمامات مؤسسة الرعاية الاجتماعية المحلية، وهي الجهة التي تشرف علی الأسر الراعية لمن هم في مثل حالة الطفل أحمد.
ربما کان أحمد محظوظاً بعض الشيء، فخلال السنوات الخمس الأخيرة حاول 9287 طفلاً الحصول علی اللجوء في بريطانيا بصفتهم قُصراً غير مصحوبين بلا والد أو عائل. وخلال هذه السنوات الخمس، اختفی 360 طفلاً علی الأقل.

ما الذي يحدث للأطفال بعد وصولهم؟

عندما يصل طفل غير مصحوب إلی المملکة المتحدة، يکون علی موظفي إدارة الهجرة أو الحدود واجب إخبار السلطات المحلية المسؤولة عن سلامة الطفل. وبعد مراجعة حالته، يتم وضع معظم الأطفال في منازل مخصصة لرعايتهم، فيما يتم إبقاء بعضهم لدی عائلات بغرض الاحتضان. وبعد ذلک، يکون مطلوباً من الموظفين الاجتماعيين الاطمئنان علی الأطفال بشکل دوري، من خلال زيارات أو اتصالات هاتفية؛ للتأکد من سلامتهم ومن وجودهم لدی عائلات الاحتضان أو منازل الاستقبال.


 
وعادة ما يتم إرسال تنبيهات حال فُقِد طفل ما، إذا فشل الموظفون في التواصل معه، أو لم يحضر الاجتماعات الدورية، وعلی الرغم من أن کثيراً من الأطفال يقعون فريسة للاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي، فإن نسبة منهم يقررون الهرب من مراکز الاستقبال لسببين رئيسين: الصدمة والاکتئاب الناتج عما تعرضوا له في بلدانهم، أو انعدام ثقتهم بالإجراءات التي تقوم بها السلطات وخشيتهم من أن يتم ترحيلهم أو إعادتهم إلی بلدانهم من جديد.
وحيدين في أوروبا، يقع الأطفال فريسة سهلة في أيدي المهربين، ويتم استغلالهم لأغراض متعددة، منها العمالة الإجبارية، والاستغلال الجنسي، وحتی الخدمة المنزلية. لکن من يظل منهم في دور الرعاية ومراکز الاستقبال قد لا يکون أفضل حالاً؛ فغالباً ما ينتظر هؤلاء فترات طويلة في ظروف مقيّدة وبلا أمل، في أوضاع أکثر ملاءمة حتی وصولهم لسن الـ18.

أنظمة رعاية الأطفال اللاجئين: المسلمون ليسوا هنا واللوم مشترک

بعد تجربة أحمد، عرفنا أن الأطفال في مثل حالته يکونون عادة ضمن فئات الأطفال المسلمين وذوي الخلفيات العرقية المختلفة داخل دور الرعاية الاجتماعية. کما أن هناک جمعيات بريطانية کثيرة مهتمة بمثل هذه القضايا وتشجع الأسر العربية والمسلمة علی تسجيل اسمها في سجل الأسر الراعية ضمن برامج رعاية الأطفال المحلية المعروفة باسم نظام “الفوستر”. قصدنا بعض هذه الجمعيات بحثاً عن موقع الأطفال اللاجئين فيها، وخاصة السوريين.
يقول موقع الخط الساخن، المدعوم من الحکومة والمخصص لتقديم النصائح للراغبين في رعاية أطفال، إن السلطات المحلية في إنکلترا لديها عدد کبير من الأطفال المسلمين يحتاجون إلی أسر ترعاهم، بينما لا توجد أسر مسلمة تکفي لاستيعاب هذا العدد من الأطفال.
ويضيف الموقع أن هؤلاء الأطفال بحاجة إلی دعم ثقافي وديني من أسر مسلمة؛ لأن مسائل إحساس الطفل بهويته أمر لا يقل أهمية عن رعايته صحياً وتعليمياً واجتماعياً.
حاول الکثيرون إيصال هذه الرسالة؛ ففي 2015 نشر کيفين ويليامز، الرئيس التنفيذي لشبکة الرعاية الاجتماعية في بريطانيا، مقالاً علی النسخة البريطانية من “هاف بوست”، يقول فيه: ” إنه من المهم أن يتقدم إلی مراکز الرعاية الاجتماعية هؤلاء الذين يقيمون في بريطانيا منذ فترة ويتکلمون لغة الأطفال اللاجئين نفسها؛ من أجل تحقيق انتقال آمن لهؤلاء الأطفال اللاجئين القادمين من دون ذويهم”.
اتصلنا بالشبکة التي يرأسها ويليماز وأرسلنا لهم مقاله وذکرنا حالة محمد النجار، وأکدنا لهم أننا علی تواصل مع حالات لأسر سورية-بريطانية حاولت تنفيذ هذا الأمر ولم تستطع أن تصل لنتيجة. رد علينا المتحدث باسم الشبکة، دانيال سنکلير، بأن عملية التوفيق بين الأسرة الراعية والطفل يجب أن تتم بأفضل الطرق، وأن الذي يقوم بهذه العملية هي السلطات المحلية في کل منطقة وليس من حق الأسرة، التي تسجل رغبتها في الرعاية، أن تختار أن يکون الطفل لاجئاً.
الأمر ذاته وجدناه عند جمعية أخری لرعاية الأطفال وهي “هوم فور جود” البريطانية، حيث تقول کريستي ماکلينتر، المتحدثة باسم الجمعية، في تصريحات لـ”هاف بوست عربي”، إن هناک حاجة ماسة للأسر من خلفيات ثقافية متنوعة، وخاصة الأسر العربية والسورية، للتسجيل ضمن هذا النظام. لکنها أضافت أن الفِرق المسؤولة عن اختيار الأسر لا تستطيع الوعد بإعطاء طفل ذي خلفية عرقية أو ثقافية لهذه الأسرة أو تلک.
والأمر يعتمد، کما تقول، علی أعمار الأطفال وعددهم لدی الأسرة الراعية وهي سلطة تقديرية لمؤسسات الرعاية المحلية التابعة للمدن المختلفة. وتضيف ماکلينتر أن السلطات المحلية تنظر في کيفية تواصل الطفل اللاجئ مع أقرانه السوريين والمجموعات الدينية التي ينتمي إليها، بالإضافة إلی تعلُّمه اللغة الإنکليزية.
من ناحية أخری، أشارت صحيفة “الديلي تلغراف” البريطانية، في تحقيق لها عام 2015، إلی الصعوبات التي تواجه الأسر التي تود رعاية الأطفال اللاجئين. وأوردت الصحيفة أن إجراءات قبول الأسرة لترعی طفلاً قد تستغرق 8 أشهر من البحث والتقصي، مع عدم وجود نظام يرعی ظروف الأطفال القادمين من مناطق الحروب والنزاعات والإصرار علی أن يکونوا ضمن مجموعة واحدة مع الأطفال البريطانيين الذين يحتاجون إلی رعاية.
النموذج البريطاني يبدو غير کفء علی الإطلاق؛ فمن ناحية يبدو أن العائلات البريطانية المسلمة غير راغبة، أو غير قادرة في بعض الأحيان علی احتضان الأطفال اللاجئين، لکن من ناحية أخری فإن اللامرکزية والروتين قد يفضيان إلی مشکلات أعمق أو إلی اختفاء الأطفال وخروجهم خارج النظام بشکل کامل.

التجربة الکندية

بدا لنا أن الأمور کلها تتجمع في يد کل مجلس محلي من المدن البريطانية المختلفة وأنه لا يوجد نظام مرکزي لتوفير الرعاية لهؤلاء الأطفال. توجهنا لأحد الناشطين السوريين المقيمين في بريطانيا ولديه صلات مع هذه المجالس. يقول الناشط، الذي فضّل عدم ذکر اسمه، إنه حضر عدة لقاءات مع وزارة الداخلية البريطانية في إطار نشاطه لتوفير الدعم للاجئين السوريين القادمين لبريطانيا، وأثيرت مسألة الأطفال السوريين القادمين من دون ذويهم مع المسؤولين بالوزارة، وکان الرد أنه ليس للسوري أن ينتقي طفلاً سوريّاً، وإنما عليه أن يتبنی الطفل الذي هو في مقدمة قائمة الانتظار للأطفال القادمين من کل أنحاء العالم، وإن اعتذر عن قبول طفل أو آخر، فعليه أن يقبل بعد ذلک ما يُعرض عليه وحتی إن کان مختلفاً.
وأضاف الناشط أنه کانت هناک قبل شهرين زيارة من وفد حکومي کندي للحکومة البريطانية وتقدم عدد من النشطاء السوريين للقاء هذا الوفد؛ من أجل الاستفادة من الخبرة الکندية للتعامل مع مثل هذه القضايا؛ إذ يقول بأن الحکومة الکندية ليست لديها هذا التعقيد فيما يتعلق بنظام رعاية الأطفال اللاجئين من دون ذويهم؛ ومن ثم يسمح للأسر العربية أو السورية برعاية هؤلاء الأطفال بسهولة. لکن تعللت الوزارة البريطانية بأن جدول أعمال الوفد الکندي ضيق وأنه وفد حکومي وليس من عادته لقاء منظمات مجتمع مدني.
وأشار الناشط إلی أنه حاول بنفسه التواصل مع السلطات المحلية في لندن؛ لمعرفة أية معلومات عن الأطفال السوريين الملحقين بنظام الرعاية الاجتماعية؛ کي يساعد في تقديم أي وجه من العون لهم، لکنه لم يصل لنتيجة؛ بسبب التکتم علی الأسماء والأعداد. ويعتقد أن ذلک کان لدواعٍ أمنية.
التجربة التي يتحدث عنها الناشط کانت قد وصفتها صحيفة نيويورک تايمز بأنها تجربة عميقة؛ لأنها شديدة الحميمية. فضمن برنامج الرعاية الکندي، لا يتضمن فقط رعاية أطفال ضمن أسر کندية، ولکنه أيضاً يضم طرقاً لرعاية عائلة بأکملها من قِبل عائلة أخری، وهو الأمر الذي لا يفصل الأطفال عن عائلاتهم، کما أنه يقدم العائلة اللاجئة للمجتمع الجديد بشکل أکثر نجاعة وکفاءة. بيد أنه لا يمکن تجاهل أن نسبة اللاجئين من الأطفال غير المصحوبين ببالغين أقل کثيراً في کندا من مثيلتها في أوروبا.

 

بريطانيا تحتاج نظاماً أکثر کفاءة في التعامل مع الأطفال المهاجرين واللاجئين، والمسلمون منهم علی وجه التحديد. أما حکومة بريطانيا ومسلموها، فلا يبدون مکترثين للغاية بالأمر. لکن البلاد التي تحاول الابتعاد قدر استطاعتها عن أوروبا لم تزل عاجزة عن کسر حاجز الجغرافيا، وفي انفصالها عن أوروبا، لا تبدو لندن علی استعداد للاقتراب، ولو قليلاً، من کندا!


زر الذهاب إلى الأعلى
منظمة مجاهدي خلق الإيرانية - أرشیف
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.