هل يصبح مقتل فرخندة “نقطة تحول” في أفغانستان؟

بي بي سي عربي
28/4/2015
أقيمت في أفغانستان مراسم تأبين لـ”فرخندة” المرأة التي قتلت بطريقة وحشية الشهر الماضي علی يد مجموعة من الرجال بالقرب من ضريح في کابول بعد اتهامها زورا بحرق نسخة من القرآن.
وجاءت المراسم بعد مرور أربعين يوم علی وفاة المرأة البالغة من العمر 27 عاما.
والسؤال هل يمکن أن تمثل هذه القضية نقطة تحول في أفغانستان؟
وکان هذا الضريح موقعا يتجمع فيه الشباب والنساء اللاتي يبحثن بدورهن علی حلول قد تساعدهن في حل مشکلاتهن.
فالکثيرون يأتون بحثا عن “حماة الضريح”، وهم رجال يبيعون أحجبة وتمائم يزعمون بأنها تساعد في حل المشکلات مثل عدم الانجاب أو قضايا الصحة والأسرة.
بعض هؤلاء تربطهم روابط أسرية منذ زمن طويل بالضريح الذي يعملون به، لکنهم لا يتمتعون بأي قدر من التعليم الديني ويعتمدون علی تجارتهم من أجل المال.
لکن ضريح شاه دو شامشيرا أغلق منذ واقعة ضرب فرخندة التي دهست ثم أحرقت بعد ذلک.
وجاءت حادثة القتل الوحشي، التي صورها العديدون بهواتفهم المحمولة وتبادلوا مقاطعها علی شبکات التواصل الاجتماعية، بعد مشاجرة دبت بين فرخندة وأحد حماة “الضريح” إذ تحدته المرأة ونهرته عن “ممارسة الخرافات”.
وردا علی ذلک، شاعت اتهامات ضد فرخندة بأنها أحرقت نسخة من القرآن وسرعان ما بدأ حشد من الرجال بالاعتداء عليها حتی الموت.

الرئيس الأفغاني غني يعانق والد فرخندة عند زيارة أسرتها القصر الرئاسي
الأسرة
کانت فرخندة تدرس لتصبح معلمة دين. وقال والدها محمد نادر لبي بي سي إنها کانت مهتمة بالإسلام منذ طفولتها.
وقال “کانت تذهب إلی المسجد منذ أن کان عمرها سبع سنوات لتعلم القرآن وحفظته عن ظهر قلب. وکانت تحرص دوما علی مساعدة الفقراء لاسيما النساء منهم”.
لم تکن فرخندة قد ذهبت إلی الضريح سوی مرة واحدة عندما قررت الأسرة أن تتوقف هناک للصلاة قبل أسبوع من مقتلها.
وأضاف محمد نادر :”شاهدت فرخندة نساء يرتعشن من البرد، فذهبت في المرة التالية وأخذت معها سترة شتوية کي تعطيها لإحدی السيدات هناک، وکان ذلک في يوم الواقعة”.
وقال شقيقها مجيب إن الأسرة لم تعلم شيئا عما وقع عندما ذهبوا إلی قسم شرطة کابول. وأضاف إنه قيل لهم إن فرخندة متهمة بحرق نسخة من القرآن وهي تخضع لتحقيقات.
وقال لبي بي سي:”اقترحت الشرطة علينا أن ندعي بأن فرخندة تعاني من مشکلة عقلية تجنبا لخروج الأمر عن نطاق السيطرة. کل ما أراده أبي هو أن يفرج عنها وأن يأخذها معه”.
وقالت الأسرة إنه لم تمر ليلة إلا وقيل لهم إن فرخندة قتلت وينبغي لهم مغادرة کابول حرصا علی سلامتهم. ومنذ ذلک الوقت تحولت حياة الأسرة وانقلبت رأسا علی عقب.
وقال شقيقها :”لم يخرج أحد منا. لم نذهب إلی العمل، ولم يذهب أطفالنا إلی المدرسة”.
وأضاف أن الأسرة تريد العدالة، وقال :”إذا ترکنا الحادثة تذهب هباء، فسوف تقتل سيدة أخری مثلما حدث لفرخندة.”
الشرطة
انتقدت أسرة فرخندة الشرطة بشدة لعدم حمايتها ابنتهم. کما اتهم والدها الضباط بالوقوف دون تحرک إزاء مقتلها.
وأظهرت لقطات الفيديو للحادث أن رجال الشرطة حاولوا تشتيت الجموع وأطلقوا أعيرة نارية تحذيرية في الهواء.
لکن التحقيقات الرسمية قالت إن الشرطة فقدت السيطرة علی الوضع ونصحت بضرورة تلقي رجالها تدريبات عاجلة وتحسين طرق الاتصال واتخاذ القرار.
کما أشارت التحقيقات إلی أن المشتبه بهم لم يلق القبض عليهم بسرعة کما ينبغي، الأمر الذي سمح بهروب بعضهم.
وألقي القبض علی عدد من رجال الشرطة الذين کانوا في مکان واقعة قتل فرخندة.
وقال الجنرال زاهر زاهر، رئيس وحدة التحقيقات الجنائية بوزارة الداخلية، لبي بي سي إن 20 من رجال الشرطة أوقفوا عن العمل حاليا وهم قيد الاعتقال لحين صدور تعليمات من النيابة
. 
أعضاء منظمات المجتمع المدني هتفوا خلال احتجاجات بعبارات تندد بمقتل فرخندة
الاحتجاجات
وأعقب حادث القتل غير المسبوق احتجاجات غير مسبوقة.
وعندما دفنت فرخندة في 22 مارس /أ ذار، حملت ناشطات حقوقيات النعش، في خرق کامل للتقاليد التي تجعل من تلک المراسم قاصرة علی الرجال دون النساء.
وبعد أيام نظم الآلاف احتجاجات في کابول ومدن أفغانية أخری مطالبين بالعدالة.
وحمل بعض المحتجين لافتات ملصق عليها صورة وجه فرخندة الملطخ بالدماء، في حين طلی آخرون وجوههم باللون الأحمر.
کما نظمت تجمعات تضامنية في عدد من الدول من بينها الولايات المتحدة واستراليا وبريطانيا.
وندد رجال الدين بالقتل، في حين حذر آخرون من عدم استخدام القضية في الهجوم علی الإسلام.
التحقيقات
وبعد تحقيقات استمرت 9 أيام، نشرت لجنة خاصة تشکلت بناء علی أوامر من الرئيس الأفغاني أشرف غني نتائج تحقيقاتها.
وقالت إن عملية “القتل الوحشية” استغرقت 25 دقيقة.
وأضافت اللجنة أن الاتهامات المنسوبة لفرخندة وأنها أحرقت نسخة من القرآن لا أساس لها من الصحة وأنه لا يمکن أن ترتکب هذه الفعل نظرا لتعليمها الديني العالي ومعرفتها التفصيلية بالقرآن.
ولم تخلص اللجنة إلی تحديد الدافع الرئيسي وراء الهجوم، لکنها قالت إن فرخندة ربما شجعت مرتادي الضريح علی عدم شراء الأحجبة، وهو ما أذکی حفيظة “حماة الضريح” ودفعهم إلی تلفيق الاتهامات.
ولم يصل التقرير إلی دليل يشير إلی تورط أي رجل دين في القتل. وقال التقرير :”جميع المشتبه بهم المقبوض عليهم أميون ولا يستطيعون قراءة القرآن”.
ومازالت السلطات تبحث عن عدد من المشتبه بهم ورصدت جائزة بقيمة 1700 دولار لهذا الغرض.
ولم يحدد بعد تاريخ للمحاکمة.
القانون

سيدة أفغانستان الأولی رولا غني تحدثت عن فرخندة أثناء مؤتمر دولي عقد في دلهي
ويناقش ناشطو حقوق المرأة والسياسيون والصحفيون ما إذا کان موت فرخندة يمکن أن يحدث أي تغيير يذکر.
وتحدثت رولا غني، سيدة أفغانستان الأولی، عن أملها في أن تکون تلک المأساة بمثابة نقطة تحول.
وقالت في کلمة أمام دبلوماسيين في کابول :”في کثير من البيوت يواجه الناس قبحا ينجم عن العنف ضد المرأة. قالت لي سيدات کثيرات بالفعل إنه عندما يسرن في شوارع کابول يشعرن بثقة أکبر ويبدو أنهن أصبحن يواجهن تحرشا بدرجات أقل”.
وقالت شکرية باراکزاي، نائبة بارزة في البرلمان، لبي بي سي إن الناس في حاجة إلی توعية أفضل بشأن القوانين التي تحمي المرأة.
وکان الرئيس الأفغاني السابق حامد کرزاي قد وافق علی قانون القضاء علی العنف ضد المرأة في عام 2009 لکن البرلمان لم يمرره بعد.
وقالت باراکزاي :”علی الرغم من أن القانون يعاقب علی التحرش والانتهاکات، إلا أن فهم القانون ضعيف جدا وتطبيقه محدود للغاية.”
لکنها تأمل أيضا في أن تکون حادثة قتل فرخندة سببا في حدوث تغيير دائم.
وأضافت :”القسوة والخوف بحق فرخندة سيظلان إلی الأبد في قلب تاريخنا. هذا القلب يجب المحافظة عليه نابضا حتی لا تعاني أي سيدة أخری ولا أي إنسان آخر من هذا العنف”.
وطرحت السلطات الدينية الأفغانية عددا من التغييرات في أعقاب القتل.
وقال ضياء الحق عبيدي، نائب وزير الشؤون الدينية، لبي بي سي إن أنشطة بيع أحجبة وممارسة الشعوذة توقفت في الکثير من الأضرحة في شتی أرجاء البلاد کما تم استبدال عدد من الأفراد.
وأضاف :”مقتل فرخندة أعطانا شجاعة لم نتخيلها من قبل. سنواصل مشوار مکافحتها للخرافات والناس ترحب بذلک”.
وقال إن اجراءات جديدة للأضرحة أعدت فضلا عن نظام ترخيص يساعد في التمييز بين رجال الدين وأولئک الذين لم يتلقون القدر المناسب من التعليم.
وأضاف :”إن من يتلاعبون بالدين هم الخاسرون الحقيقيون في هذه القضية”.







