دمشق ليست القاسم الوحيد بين طهران وموسکو

الجزيرة نت
2015/11/26
لا شک أن الملف السوري کان محور محادثات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع المرشد الإيراني علي خامنئي علی هامش قمة منتدی الدول المصدرة للغاز في الأسبوع الماضي, إلا أن زيارة بوتين إلی طهران بعد مرور ثماني سنوات تقريبا حملت ثقلا جيوقتصاديًا کبيرا بتمحورها حول ملفي الطاقة والنقل.
وتأتي الاتفاقيات السبع التي وقع عليها الطرفان تتويجا لسلسلة اللقاءات التي عقدها مسؤولو البلدين خلال الأشهر الماضية.
وتستهدف موسکو وطهران زيادة حجم التبادل التجاري بينهما بعد رفع نظام العقوبات. فحتی الآن لا يرقی حجم التبادل التجاري بين البلدين إلی إستراتيجية علاقاتهما سياسيا، مقارنة بحجم التبادل التجاري بينهما وبين الصين.
شرکاء تجاريون
ووفقا لهيئة الجمارک الإيرانية, کانت روسيا في عام 2010 الشريک التجاري التاسع عشر لإيران، وبلغ عجز الميزان التجاري الإيراني 836 مليون دولار.
ثم أصبحت موسکو في عام 2012 الشريک الحادي عشر، بتصدير إيران سلعا بقيمة 500 مليون دولار تقريبا واستيرادها سلعا من روسيا بقيمة أکثر من 1.7 مليار دولار، ليبلغ عجز الميزان التجاري 1.2 مليار دولار.
أما في عام 2014 فقد تقدم ترتيب روسيا في قائمة شرکاء إيران التجاريين إلی المرکز الثامن عشر (بفارق مرکز واحد مقارنة بعام 2010).
وفي العام الماضي، صدرت طهران سلعا إلی موسکو بقيمة 285 مليون دولار في مقابل واردات بقيمة 685 مليون دولار. ولکن بالرغم من انخفاض حجم التبادل التجاري إلی مستوی عام 2010 تقريبا، فإن الميزان التجاري قد تحسن في العام الماضي بالنسبة للجانب الإيراني بتراجع العجز إلی النصف، حيث وصل إلی 400 مليون دولار.
وکان رجب حسنوف, رئيس مجلس الأعمال الإيراني الروسي, قد صرح في أواخر يناير/کانون الثاني من العام الجاري، بأن حجم التبادل التجاري بين الطرفين يمکن أن يصل إلی 2-2.5 مليار دولار في عام 2015. وقال وزير الطاقة الروسي ألکساندر نوفاک في الاجتماع الحادي عشر للجنة التعاون الاقتصادي المشترک بين إيران وروسيا التي عقدت في بداية شهر سبتمبر/أيلول من العام الجاري، إن حجم التبادل التجاري يجب أن يصل إلی 10 مليارات دولار سنويا.
وفيما يتعلق بالاستثمارات, فقد اتفق الطرفان سابقا علی حزمة من المشروعات الاستثمارية التي تبلغ قيمتها 35-40 مليار دولار.
مجالات الطاقة
ليس بعيدا عن ملف التبادل التجاري بين البلدين, تترک الصراعات الجيوسياسية في المنطقة خيارات أقل في يد إيران عندما يتعلق الأمر بتصدير غازها الطبيعي, وهو ما يدفعها نحو المزيد من التعاون والتنسيق مع موسکو.
ونقلا عن وکالة أنباء تسنيم الإيرانية، قال بيجن زنغنه وزير النفط الإيراني في مؤتمر صحفي علی هامش قمة منتدی الدول المصدرة للغاز، إن بلاده تدرس خيارات أخری لتصدير غازها إلی أوروبا غير خيار تصدير الغاز من خلال ترکيا التي تفرض تسعيرة نقل مرتفعة.
ويشير زنغنه إلی أن بلاده ستقوم بتصدير غازها إلی أوروبا في صورة غاز مسال. لکن لعدم امتلاک إيران منشآت جاهزة لتسييل غازها في الوقت الحالي، فإنها تتفاوض مع عُمان لاستخدام منشآت التسييل الخاصة بها في ظل بقاء 23% من سعتها غير مستخدمة.
وتأتي أهمية تعزيز التعاون الإيراني مع روسيا حول ملف الطاقة عموما وتصدير الغاز الطبيعي المسال خصوصا، في سياق احتمال تنافس البلدين علی ذات الأسواق في أوروبا وشرق آسيا مستقبلا، في الوقت الذي تحافظ فيه موسکو علی حصة ضعيفة من سوق الغاز الشرق آسيوية من جهة، وتتآکل فيه حصتها الأوروبية بفعل عوامل جيوسياسية.
وبسبب انخفاض سعر النفط, تعطل مشروعان لتسييل الغاز في شرق روسيا (فلادفوستوک وسخالين) مع انتظار ثالث (نوفاتک يامال) لعقود التمويل النهائية. لکن في المقابل, صرح الرئيس فلاديمير بوتين يوم 23 نوفمبر/تشرين الثاني في القمة بأن بلاده تستهدف الاستحواذ علی 13% من حصة الغاز المسال العالمية.
“بسبب انخفاض سعر النفط, تعطل مشروعان لتسييل الغاز في شرق روسيا (فلادفوستوک وسخالين) مع انتظار ثالث (نوفاتک يامال) لعقود التمويل النهائية”
ويفرض إقليم جنوب القوقاز أيضا ذاته علی أجندة التنسيق والتعاون بين طهران وموسکو. حيث يشير مدير المرکز الأذربيجاني لدراسات النفط, إلهام شعبان, إلی رغبة القيادة الجورجية في استيراد غاز من روسيا وإيران للوفاء باحتياجات تبليسي الداخلية عام 2016.
لکن هناک مخاوف سياسية تبديها بعض الأطراف من استيراد الغاز من شرکة غازبروم الروسية. يُشار إلی أن وزير الطاقة الجورجي, کاخا کلادزي, قد صرح في 7 نوفمبر/تشرين الثاني من العام الجاري بإمکانية استيراد تبليسي الغاز من إيران من خلال شبکات الخطوط الأذرية أو الأرمينية. غير أن خبراء -وفقا لشعبان- يرون صعوبة نقل الغاز الإيراني إلی جورجيا لسيطرة موسکو فعليا علی شبکات خطوط الغاز الأرمينية, علی الأقل.
أما أرمينيا, حليفة روسيا, فتستحوذ علی أهمية اقتصادية بالنسبة لطهران نظرا لکونها إحدی الدول الأعضاء في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي المتاخمة لها حدوديا. إذ تسعی الإدارة الإيرانية حاليا إلی تطوير علاقاتها الاقتصادية مع يريفان وخاصة في مجال الطاقة.
ووفقا للتقارير, نتج عن زيارة إسحاق جهانجيري, نائب الرئيس الإيراني, في أکتوبر/تشرين الأول, إحياء مشروع خط کهرباء يعمل بجهد عال يربط بين إيران وأرمينيا وجورجيا، فضلا عن خط ثالث يربط بين إيران وأرمينيا.
لکن توسيع إيران أطر تعاونها الاقتصادي والطاقي مع دول إقليم جنوب القوقاز يحتاج إلی تنسيق بينها وبين موسکو، ليس فقط لاعتبار الأخيرة الإقليم ضمن مجالها الحيوي ولکن ومع فرض الغرب عقوبات علی موسکو وتراجع حصصها من تصدير الغاز تدريجيا في أوروبا, تزداد حاجة الإدارة الروسية إلی توسيع حصصها السوقية في مناطق أخری کجنوب القوقاز.
وأخيرا, ستشکل اتفاقيات تبادل المواد النفطية الجانب الأهم من العلاقات الاقتصادية بين البلدين علی المدی القصير، نظرا لعدم حاجتها إلی بنی تحتية غير موجودة کخطوط غاز.
وقبل أن توقف طهران هذا النوع من الصفقات في عام 2010 نظرا لعدم ربحيتها في ذلک الحين, کان الجانب الإيراني يتلقی مواد نفطية في موانئه الشمالية في بحر قزوين من أذربيجان وترکمانستان وکزاخستان للاستهلاک في الأقاليم الشمالية، مقابل توريد مواد نفطية لصالح هذه الدول من خلال موانئ إيران الواقعة في الخليج.
السکک الحديدية والصادرات غير النفطية
تمثل مشاريع الربط بين إيران وروسيا من خلال شبکة من الخطوط الحديدية والطرق، أحد الأبعاد الجيوقتصادية المحورية في تنمية التبادل التجاري بين البلدين علی المدی البعيد. ففي ديسمبر/کانون الأول 2014, تم افتتاح خط قطار يربط بين إيران وترکمانستان وکزاخستان کجزء من مشروع ممر الشمال الجنوب الذي يهدف إلی ربط روسيا ودول آسيا الوسطی بالموانئ الإيرانية في الخليج. ووفقا للتقديرات، تبلغ سعة النقل المبدئية للخط 3-5 ملايين طن متري من البضائع، لترتفع علی المديين المتوسط والبعيد إلی 10-12 مليون طن.
“في ظل ارتباط دول آسيا الوسطی بروسيا من خلال شبکة من الطرقات والسکک الحديدية منذ العهد السوفياتي, ستعزز هذه المشروعات من حجم التبادل التجاري بين إيران وروسيا “
وتقدم إيران -وفقا لحسين عاشوري- نائب رئيس الهيئة الإيرانية للسکک الحديدية, تخفيضات تصل إلی 35% لدول آسيا الوسطی التي تنقل بضائعها إلی ميناء بندر عباس من خلال شبکة سککها الحديدية.
إلی جانب ذلک المشروع, هناک توقعات بانتهاء مشروع سکة حديد قزوين آستارا, الذي يهدف إلی ربط شمال إيران بأذربيجان, في عام 2016 بطاقة شحن مبدئية تصل إلی ستة ملايين طن متري.
وفي ظل ارتباط دول آسيا الوسطی بروسيا من خلال شبکة من الطرقات والسکک الحديدية منذ العهد السوفياتي, ستعزز هذه المشروعات من حجم التبادل التجاري بين إيران وروسيا خلال السنوات القادمة.
ومع مساعي البلدين لتنمية صادراتهما غير النفطية مع تراجع عائداتهما النفطية وحاجتهما إلی تنمية قطاعات التصدير غير النفطية وتوسيع حصصهما السوقية, ستزداد الحاجة إلی تطوير مشروعات النقل التي تعثرت خلال السنوات الماضية بسبب العقوبات ومشکلات التمويل. ومن هنا, اتفق الجانب الإيراني مع روسيا علی تمويل بناء شبکات کهربية بقيمة 1.2 مليار يورو علی طول خط القطار الذي يربط شمال شرق إيران بترکمانستان، إذ من المتوقع أن يرفع ذلک المشروع سعة الشحن إلی ثمانية ملايين طن متري.







