العالم العربيمقالات
نصر الله يقدم أوراق اعتماده لدی النظام السوري

29/8/2017
بقلم:سوسن مهنا
عود علی بدء، من الصعب علی أي حزب أو أيديولوجيا أو ميليشيات أو نظام خارجي، أن يبتلع لبنان ويصهره داخل بوتقته، ذلک أن هذا البلد خليط عجيب في ترکيبته الاجتماعية وانتماءات أفراده الداخلية وامتداداتهم وعلاقتهم الخارجية عبر السنين قد کونت فکراً مستقلاً لکل جماعة علی حدة، ونظرة إلی هذا الوطن مختلفة عن الآخر، إذاً لا تلتقي زعيماً سياسياً أو اقطاعياً إلا وکان يوما متنفذاً، وله تواصل مع دولة أجنبية ومدعوماً من تلک الدولة، وعلی هذا الأساس تأسس هذا البلد الأعجوبة، لهذا يتألف لبنان من ثقافات مختلطة، وهو بهذا الحال فسيفساء اجتماعية تعيش جنب بعضها بعضاً لکنها لا تنصهر، هنا معضلة “حزب الله” الکبيرة، بل کل حزب وميليشيات سبقت حزب الله إلی هذا البلد، والأمثلة کثيرة، حاولت أحزاب أن تأخذ البلد إلی دويلتها ولکنها ما لبثت أن استسلمت وعادت وندمت ودخلت ضمن النسيج اللبناني.
إطلالات أمين عام “حزب الله” المتتالية وارتفاع نبرات صوته ليست للداخل بقدر ما هي للخارج، إنه بهذا يريد أن يقول إنني لا زلت المنتصر والحاکم الأول في لبنان مع أن کل المؤشرات لا توحي بذلک، ما يرهق حزب الله ويقلقه کثيراً هو استعادة النظام السوري بعضاً من شرعيته أمام أعين العالم وهو بهذا يفقد وهجه في سوريا ويعود إلی لبنان مکبلاً أولًا أمام جمهوره الذي قدم الکثير من الدماء والشباب في سوريا، وهو لا يملک إلا انتصار الجرود الجرداء، وثانياً أمام الدولة اللبنانية التي وإن أصر علی محاصرتها وهو لن يستطيع إلا إلی حين، ذلک أن الاستحقاقات کثيرة، ومنها الاستحقاقات الاقتصادية والعقوبات القادمة علی هذا البلد.
أين نصر الله من “الوعد الصادق” إلی اليوم؟ من يتکلم کثيراً لا يملک حجة مقنعة.
محاولة نصر الله المستميتة خطف انتصار الجيش اللبناني الأخير بمعرکة “فجر الجرود” والتشويش علی هذا الانتصار بعدما کان قد أنکر في البداية التنسيق بين الجيشين السوري واللبناني، وبعد أن قامت المعرکتان “فجر الجرود” و”إن عدتم عدنا” علی أساس غياب التنسيق، وعندما أثبت الجيش اللبناني أنه يستطيع أن ينتصر علی المجموعات الإرهاببة أراد نصر الله أن يقول إن الجيش اللبناني عاجز عن تحقيق الانتصار أو عن حماية البلد وحده، ولهذا دلالات عديدة، منها الخوف من العودة عن الحديث عن تطبيق القرارين 1559 و1701 ونشر الشرعية اللبنانية علی طول الحدود اللبنانية.
تکشف زيف الانتصارات الوهمية وما يخطط النظام السوري وحزب الله للبنان من وراء أحداث کثيرة مرت في الأشهر الأخيرة.
إذ بدايةً افتعلت أحداث مخيم عرسال وأريد إقحام الجيش اللبناني في تلک الأحداث ما بين الجيش والنازحين السوريين کي يجبروا الحکومة اللبنانية علی التفاوض مع النظام السوري بشأن ملف النازحين، لم يحصلوا علی مبتغاهم.
التفوا علی الحکومة وحددوا معرکة “جرود عرسال” دون العودة إلی الحکومة مرة جديدة وحجتهم القضاء علی الإرهاب، فإذ بهم يرحلون “جبهة النصرة” وأميرها أبو مالک التلي معززاً مکرماً داخلاً إلی دير الزور دخول الفاتحين، وهنا أيضاً جرت محاولات لجر الحکومة اللبنانية للتفاوض بالترغيب، إذ قال نصر الله بأحد ظهوراته: “خلال أيام سيخرج بقية المسلحين من جرود عرسال إلی سوريا بعد التسهيلات التي قدمتها الدولة السورية”، ولکن مرة جديدة لم يجر تفاوض علی صعيد حکومي کما يبغي الطرفان الحزب الإلهي والنظام السوري.
عودة المخطوفين العسکريين الثمانية شهداء إلی لبنان هي التي ستکشف الحقائق وتضع النقاط علی الحروف.
إن النظام السوري جل ما يبتغيه هو العودة إلی لبنان، أو علی الأقل احتلال الجرود کي يؤمن حدود سوريا المفيدة أي حدوده الغربية کي يؤمن معابره إلی البحر عبر لبنان، وهذا لا يتم إذا لم يتم التطبيع مع الحکومة اللبنانية، حزب الله يريد أن يبقی المنسق مع النظام السوري وأن يقول للنظام إنک لا زلت بحاجة لي للتنسيق وکظهير خلفي عند الحاجة، ذلک کأنه يستشعر لربما قد يتم الاستغناء عنه في المرحلة المقبلة عندما تبدأ مرحلة الإعمار في سوريا، إذ إن النظام السوري لا يؤمَن له.
لهذا يريد أن يبيع هذا النظام ورقة ثمينة الآن هي ورقة التطبيع مع الحکومة اللبنانية، لذا وفي خطابه ما قبل الأخير أکد علی مسألة التواصل مع سوريا أن “أي اتفاق يتوصّل إليه الجانب اللبناني ستتعاون معه القيادة السورية بکل إيجابية، لکن “هذا شرطه الطلب الرسمي اللبناني والتنسيق العلني، وليس تحت الطاولة بل فوق الطاولة، أي أن ترسل الحکومة اللبنانية رسمياً إلی دمشق لتقول للقيادة السورية أو الحکومة السورية نحن تفاوضنا مع المسلحين.. ونحن نطلب منکم رسمياً أن نتعاون لإنجاح هذه المهمة”. لکن للأسف عاد المخطوفون العسکريون الثمانية شهداء، فلماذا طالب نصر الله الحکومة اللبنانية التفاوض إذ إنه من غير الممکن لم يکن يعلم بمصيرهم ولم هذا التآمر ولمصلحة من؟
ومع هذا جری التفاوض مع داعش الإرهابية وفي تصريح لافت لوکالة “سانا” للأنباء السورية أنه “بعد النجاحات التي حققتها قواتنا المسلحة بالتعاون مع المقاومة الوطنية اللبنانية في جرود القلمون الغربي وإحکام الطوق علی من تبقی من تنظيم داعش الإرهابي وحقناً لدماء قواتنا والقوات الرديفة والمدنيين تمت الموافقة علی الاتفاق الذي نظم بين حزب الله وتنظيم داعش الإرهابي والذي يقضي بخروج من تبقی من أفراد داعش باتجاه المنطقة الشرقية للجمهورية العربية السورية”. هنا يتنصل النظام من التفاوض مع داعش بکل وضوح، وهو بذلک يقول إنه لا يفاوض مجموعة إرهابية مع أن نصر الله کان قد قال وکما سبق وأشرت إن النظام أمّن کل التسهيلات للعودة الآمنة له.
تبعاً لکل ما سبق مرة جديدة الحکومة اللبنانية مطالبة بموقف واضح إما الاستقالة أو الخروج علناً لشرح کيف استشهد هؤلاء الجنود؟ ولماذا يتم ترحيل مجرمي داعش عن الأراضي اللبنانية؟ عار علی العهد جنوده يعودون إليه بنعوش والمجرمون يخرجون بباصات مکيفة، أنتم مطالبون بوقفة حق للدفاع عن سيادة لبنان، لا تکفي بيانات الاستنکار وأيام الحداد، إن البلد أمام استحقاقات مصيرية وهو بحاجة لرجال أصحاب مواقف، إن الثلاثية التي يريدها الشعب اللبناني هي ثلاثية الجيش، شرف، تضحية، وفاء، وليس رباعيات جديدة سوف تفرض من بعد ثلاثية جيش، شعب، مقاومة.
قد يکون هذا البلد صغيراً بمساحته لکنه يبقی أکبر من الجميع.







