العالم العربيمقالات

عجز “حزب الله”

 

نقلاً عن صحيفة “الحياة”

29/8/2017


 
بقلم:حازم الأمين

ثمة شيء غير مکتمل في انتصارات «حزب الله» اللبنانية. شيء يُنغص علی الحزب انتصاراته. عجز عن الاستحواذ الذي عادة ما يعقب الحروب. ففي الخطاب الأخير للأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله ، والذي أعقب «نصرين» في الجرود وانتصارات في سورية، ثمة اختناق أفضی بنصرالله إلی موقع غير المنتصر، فهو راح يُعدد فيه مَن مِن اللبنانيين اندرج في سياق النصر. هذا ليس کلام منتصر، وهذه ليست انفعالات مُطمئنٍ الی «النصر».
واقعياً، الحزب انتصر. ليس في معرکة الجرود الافتراضية وغير المرئية، انما انتصر بفعل انهزام خصومه اللبنانيين أولاً، وأيضاً بفعل تغير جوهري في الخريطة الإقليمية. والحزب اليوم يقيم في السلطة السياسية سيداً لا يُرد له طلب. لکن ثمة قلق يُرافق هذا الانتصار. کلمة نصرالله الأخيرة تؤشر إلی ذلک، وانفلات إعلام الحزب تخويناً وتهديداً يؤشر إليه أيضاً.
نصرالله ضاق بمحطة تلفزيونية واحدة من بين عشرات المحطات التي کانت إلی جانبه في معرکة الجرود الغامضة. أشار إليها بالاسم، وکاد أن يعرض تقاريرها، علماً أن المحطة المذکورة، وهي «تلفزيون المستقبل»، لم تسجل خروجاً يُذکر عن الخطاب الإعلامي الرسمي الذي واکب معرکة الجيش! ونصرالله أراد أيضاً أن يُصوب ما أعلنه الجيش اللبناني لجهة عدم تنسيقه مع الحزب ومع جيش النظام في سورية في معرکة الجرود الثانية، مع ما يترافق مع هذا التصويب من خسائر قد تطاول الجيش.
هناک شيء محير في ما قاله السيد نصرالله! أي حاجة يلبيها الهجوم علی محطة «المستقبل»؟ وأي حاجة يلبيها «التصويب» في ما يتعلق بالتنسيق مع الجيش؟ فمن المفترض أن نصرالله منتصر من بيروت إلی بغداد، ومن المفترض أنه علی رأس هرم انتصارات لا تنضب، والذهاب بهذه الانتصارات إلی سجالٍ مع محطة تلفزيونية، ومقارعة بيانات الجيش غير الصلبة أصلاً، يکشف عن ضيق بـ «النصر» وعن انعدام القدرة علی تصريفه.
القول إن الحزب «غير منتصرٍ»، فيه قدر من المکابرة غير المفيدة، لکن التساؤل عن هذا الضيق يفتح السؤال علی أفق آخر. مأزق الحزب في عدم قدرته علی تحويل انتصاراته تصدراً. خاف «حزب الله» من حملة رکيکة حاول أصحابها نسبة النصر إلی الجيش اللبناني. فانبرت صحافة الحزب توضح وتعتب وتتألم! وضاق السيد بشاشة منهکة نتيجة قصرها «النصر» علی الجيش. الجميع يعلم أن تنسيقاً من المرجح أن يکون قد حصل بين الحزب والجيش في الجرود، لکن المرارة المترافقة مع محاولات الحکومة نفي هذا التنسيق يعيدنا إلی نقطة البداية. الحزب يريد أن يُطوب «النصر» باسمه، وإن لم يکن نصراً مبيناً.
الأرجح ان وراء هذا الاضطراب أسباباً غير سياسية. ضيق مصدره عجز عن نقل «النصر» إلی ما هو أکثر من سيطرة علی قرار الحکومة وعلی توجهاتها. فالحزب سليل خبرة أخری. النصر في عرفه سلطة مطلقة لا ينافس أحد صاحبها عليها، وهي تعني انتقال الفکرة إلی واقع. في لبنان يصعب علی صاحب النصر أن يفعل ذلک. ثمة شرکاء اذا لم يُدخلهم إلی «نصره» يتحول الأخير انقساماً ويصير نصف «نصر».
لکن العودة إلی مصادر هذا الضيق مفيدة في تفسير اختناق الحزب بانتصارات لم يتمکن حتی الآن من صياغتها سلطة مطلقة ونموذجاً علی ما تفعل الأحزاب الدينية والإيديولوجية عادة. واللحظة التي أضاف إليها نصرالله «الجيش العربي السوري» إلی أرجوزة «جيش شعب مقاومة» هي لحظة الرغبة في الشقاق المذهبي، ومرة أخری أطاح السيد «نصره» مستنفراً حمية مذهبية في وجهه. وهي لحظة مشابهة لعبارة «اليوم المجيد»، ذاک أن السياسة کانت تتطلب تفاديها فيما غريزة الشقاق تدفع بها من الصدر إلی اللسان. الأرجح أن لا شفاء من هذا العقم اللبناني إلا بجراحة کبری لا يبدو أن الحزب يستطيع القيام بها. الانقضاض علی لبنان بعد أن اکتمل النصر علی دولته وعلی حکومته، فعل مستحيل. اذاً علی الحزب أن يتحملنا قليلاً، فالأمر لا يعدو کونه فولکلوراً اجتماعياً نقنع أنفسنا من خلاله بأننا خارج دولة «حزب الله».
«تلفزيون المستقبل» والحملة الرکيکة للبننة «النصر» من المفترض أن لا يُنغصا علی السيد انتصاراته المتنقلة من بيروت إلی بغداد، لکنهما فعلاً ذلک! اذاً ثمة «نصر» عالق في عنق زجاجة. وزجاجة يبدو أنها أقوی من سعد الحريري وسمير جعجع، فلبنان جغرافيا اجتماعية معقدة، وتصدّر السلطة فيه لا يتيح ضبطه بحزب ديني.
*نقلاً عن صحيفة “الحياة”

زر الذهاب إلى الأعلى
منظمة مجاهدي خلق الإيرانية - أرشیف
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.