العالم العربيمقالات

دور الهزيمة للجيش اللبناني

 

 

الشرق الاوسط
29/8/2017


بقلم: عبد الرحمن الراشد


هل يمکن أن نفهم لماذا سمح الجيش اللبناني، ومن خلفه حزب الله وقوات النظام السوري، لمائتين وخمسين مقاتلاً إرهابياً من تنظيم داعش محاصرين في منطقة الجرود اللبنانية السورية بأن يخرجوا بسلام إلی دير الزور السورية؟ أي من أقصی الغرب إلی أقصی الشرق، وهي علی الخريطة أکثر من أربعمائة کيلومتر داخل سوريا الممزقة!
ثم إن الصفقة تبدو مريبة، فهي تقوم علی وقف إطلاق النار بين الجيش اللبناني من جهة، مع أنه لم يکن يقاتل خلال السنوات الأربع الماضية هناک، وداعش من الجهة الأخری. ففي الاتفاق يبدو الجيش اللبناني هو من يفک الحصار عن القتلة مقابل أن يسلموا جثث قتلی حزب الله، ويدل الجيش علی مدافن قتلاه، نحو تسعة عسکريين تم العثور علی ستة منهم.
لماذا لم يترک دور البطولة هذه المرة لحزب الله کالعادة؟
السبب، کما يبدو، لأن الاتفاق هزيمة وفضيحة، والعذر أن الجيش هو القوة الشرعية. ولا يبدو منطقياً، أو علی الأقل مفهوماً، السماح بخروج هذا العدد الکبير من مقاتلي التنظيم أحياء لقاء رفات أموات، طالما أن حزب الله يدعي أنه سيطر علی تلک المناطق الجبلية.
لهذا اعتبر أهالي القتلی اللبنانيين الاتفاق خيانة في حق أبنائهم، معتمدين علی أقوال الجيش بأنهم سيطروا علی القلمون، وبقي عشرون کيلومترا من دائرة مساحتها مائة کلم.
الحقيقة واضحة، حزب الله لم يکن قادراً علی السيطرة علی تلک المنطقة، ويبرر الاتفاق بقوله: إنها ليست استراتيجية، وهذا ليس صحيحاً، فهي ملاذ آمن لداعش يستطيع منه أن يهدد کل شمال شرقي لبنان بعملياته الإرهابية، ولا يبعد سوی بضعة کيلومترات من حدود سوريا، إن أراد الانتقال بعملياته إلی هناک.
ويقول حزب الله إن الصفقة مع داعش لتنظيفها منه والسيطرة علی کامل المنطقة، من أجل أن يتفرغ لمقاتلة الأميرکيين في البادية السورية! طبعاً لا يوجد هناک من يصدق هذا الادعاء.
أما الجزء الغامض الآخر، فهو کيفية انتقال مقاتلي داعش إلی دير الزور، مسافة طويلة تستغرق في وقت السلم خمس ساعات، والآن ربما يوماً کاملاً أو أکثر.
ما الذي يهمنا في هذه المعرکة الصغيرة في إطار حرب سوريا الکبيرة؟ نحاول أن نفهم من تفاصيلها تشکيلة القوی علی الأرض. فإن استطاع تنظيم داعش أن ينقذ مقاتليه المحاصرين في الجرود والقلمون اللبناني، ثم يُؤمِّن انتقالهم إلی دير الزور البعيدة، فإن هذا يدل علی أنه لا يزال قوياً بخلاف ما نسمع عنه. وهذا يعني أن أي اتفاق يفرضه الروس والإيرانيون علی القوی السورية المقاتلة الأخری لاحقاً، سيکون مجرد وهم سلام.
وهذا لا ينفي انهيارات التنظيمات الإرهابية، في مناطقها داخل سوريا، بل حقيقية، ومعظمها نتيجة ضربات التحالف الغربي، علی اعتبار أن تحالف إيران وروسيا يرکز في قتاله علی التنظيمات السورية التي تنازع نظام الأسد شرعيته وإجبارها علی القبول بمشروعه السياسي. إنما الفارق بين هزيمة تنظيم سوري مسلح، وآخر إرهابي مثل داعش وجبهة النصرة، أن القوی الإرهابية قادرة علی البقاء بعد الهزيمة لتعمل تحت الأرض، لأنها مؤدلجة وتعيش في بيئة سرية التنظيم.
حزب الله کان يريد أن يضع اسمه فقط علی الانتصارات لأنه يعيش شعبياً عليها، لهذا ترک للجيش اللبناني توقيع اتفاق القلمون ليکون محل غضب الناس واستنکارهم. فصار الجيش هو من وافق علی صفقة تبادل الجثامين مقابل إخلاء قتلة داعش، فيما يبدو للجميع أنها صفقة خاسرة، وهزيمة محرجة. حزب الله اختار وتنازل، هذه المرة، عن دور «البطولة» للجيش اللبناني الذي لا يزال مغلوباً علی أمره.

زر الذهاب إلى الأعلى
منظمة مجاهدي خلق الإيرانية - أرشیف
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.