تقارير
أرامل الموصل.. حياة بطعم الموت

8/1/2017
تعج مخيمات النازحين المنتشرة علی تخوم مدينة الموصل شمالي العراق بالمئات من النازحات الأرامل اللواتي فقدن أزواجهن جراء المعرکة المحتدمة بين القوات العراقية وتنظيم الدولة الإسلامية، فبين خيمة وأخری هناک قصة تفطر القلب وتبکي العين.
“أم عذراء”، شابة موصلية لم تکمل عامها الثاني والعشرين، فقدت زوجها خالد محمد منتصف شهر أکتوبر/تشرين الأول الماضي بنيران قناص لتنظيم الدولة الإسلامية. رفضت في بداية الأمر التحدث عن قصتها، لکنها اقتنعت في النهاية بالحديث من وراء ستار خيمتها في مخيم “حسن شامي” شرق مدينة الموصل شمالي العراق.
أجهشت “أم عذراء” بالبکاء قبل أن تسرد قصة فقدانها زوجها قائلة “خرج من منزلنا في حي عدن شرق الموصل حاملا معه براميل من أجل تعبئتها بالمياه من البئر، بعد انقطاعها عن الحي لأسابيع، ولم تمضِ سوی عشر دقائق حتی تحول أبو عذراء إلی جثة علی قارعة الطريق بعد أن أصابته رصاصة قناص في رأسه”.
وتابعت “خرجت إلی الشارع لم أصدق مشهده والدماء أخفت ملامح وجهه وانتابتني موجة صراخ هزت الشارع، وبکی علی وقعها کل من سمعها، فقدت بعدها الوعي ولم أعد إلی الواقع إلا في اليوم التالي”.
بعد مقتل زوجها لم تجد “أم عذراء” أمامها مخرجا سوی النزوح لأنها ليست قادرة علی إعالة طفلتيها الصغيرتين وللخلاص من مسلحي تنظيم الدولة الذين يعمدون إلی تزويج الأرامل لعناصره بالإکراه.


نازحون يتجمعون عند أحد المخيمات علی تخوم الموصل (رويترز)
قصص تفطر القلب
لا تختلف حال أم عذراء عن الکثير من الأرامل الأخريات في مخيمات النازحين المنتشرة علی تخوم الموصل، فبين خيمة وأخری هناک قصة تفطر القلب وتبکي العين.
وعلی بعد أقل من عشرة أمتار عن خيمة “أم عذراء” تقطن “رنا” في خيمة أخری، روت قصتها قائلة إنها تزوجت من ابن عمها أنمار قبل بدء معرکة الموصل بأيام معدودة ليقيما معا في حي القدس شرق المدينة، ومع احتدام المعارک قرر زوجها إرسالها إلی بيت عائلتها في حي شقق الخضراء (شرق الموصل) کي يصفي بعض أعماله ويلحق بها ومن ثم يغادران المدينة معا.
لکن “رنا” تلقت بعد يومين من فراق زوجها نبأ مقتله وجميع أفراد أسرته المکونة من ستة أشخاص جراء غارة لطيران التحالف الدولي استهدفت صهريجا مفخخا لتنظيم الدولة کان قرب منزلهم. وتقول بحرقة “ما يجعلني أتحمل ألم فراق زوجي أن في أحشائي طفلاً ينمو منه، وأنا في انتظاره لأری فيه ملامحه من جديد وأشم عطره”. وتضيف أنها ستسمي المولود باسم زوجها أنمار ذکرا کان أم أنثی.
في مخيم “حسن شامي” وحده توجد 361 امرأة فقدن أزواجهن خلال معرکة الموصل، بحسب مسؤول العلاقات وتنظيم شؤون النازحين في المخيم عدي يونس الطائي.
وأشار الطائي إلی وجود أعداد کبيرة من الأرامل في مخيمات النازحين الأخری المنتشرة في أطراف الموصل، فضلاً عن وجود أخريات داخل المدينة فضلن البقاء في منازلهن.
بين نارين
ويؤکد المراقب للشؤون الإنسانية في الحملة العسکرية الجارية لاستعادة الموصل سامر يوسف أن أغلب نساء الموصل اللاتي يفقدن أزواجهن يقررن الهرب من المدينة لتجنب الوقوع في قبضة التنظيم وإرغامهن علی الزواج بالمقاتلين في صفوفه تحت تهديد السلاح.
“في مخيم “حسن شامي” وحده توجد 361 امرأة فقدن أزواجهن خلال معرکة الموصل، وهناک أعداد کبيرة من الأرامل في مخيمات النازحين المنتشرة في أطراف المدينة، فضلا عن وجود أخريات داخلها فضلن البقاء في منازلهن”
ويبين يوسف أن التنظيم يرسل مجموعة من النساء التابعات له إلی الأرامل لإقناعهن بالزواج من مقاتليه، ومن ترفض يتم القبض عليها واحتجازها بأحد السجون وإخضاعها إلی دورات متعددة، تتمحور دروسها حول أهمية الزواج وخطورة البقاء وحيدات لفترة طويلة.
بين نارين
ويؤکد المراقب للشؤون الإنسانية في الحملة العسکرية الجارية لاستعادة الموصل سامر يوسف أن أغلب نساء الموصل اللاتي يفقدن أزواجهن يقررن الهرب من المدينة لتجنب الوقوع في قبضة التنظيم وإرغامهن علی الزواج بالمقاتلين في صفوفه تحت تهديد السلاح.
“في مخيم “حسن شامي” وحده توجد 361 امرأة فقدن أزواجهن خلال معرکة الموصل، وهناک أعداد کبيرة من الأرامل في مخيمات النازحين المنتشرة في أطراف المدينة، فضلا عن وجود أخريات داخلها فضلن البقاء في منازلهن”
ويبين يوسف أن التنظيم يرسل مجموعة من النساء التابعات له إلی الأرامل لإقناعهن بالزواج من مقاتليه، ومن ترفض يتم القبض عليها واحتجازها بأحد السجون وإخضاعها إلی دورات متعددة، تتمحور دروسها حول أهمية الزواج وخطورة البقاء وحيدات لفترة طويلة.
“خالدة”، أم لثلاثة أطفال أکبرهم سنا يبلغ تسعة أعوام، قتل زوجها بطريق الخطأ بنيران القوات العراقية نهاية أکتوبر/تشرين الأول الماضي، أجهشت بالبکاء فور سؤالها عن واقعة مقتل زوجها.
وروت قصتها بينما کانت يداها تحت عباءتها السوداء الفضفاضة، عن کيفية مقتل زوجها أمام عينيها وأعين أطفالها عندما کانوا يهمون بالفرار، وسط الاشتباکات داخل حي الزهراء الذي کانوا يقيمون فيه شرق المدينة.
وظن الجنود العراقيون أن زوجها أحد انتحاريي تنظيم الدولة وسط الظلام، حين کان يحاول تفقد الطريق أمام عائلته قبل التقدم للفرار من جحيم المعارک، فأطلقوا عليه النار وسط عويل الزوجة وصراخ الأطفال.
حاول الجنود إصلاح الموقف بإسعاف الضحية، لکنه فارق الحياة علی الفور، ولن يفارق المشهد مخيلة خالدة طالما بقيت علی قيد الحياة.
أرملة أخری اکتفت بذکر الحرفين الأولين من اسمها فقط (ز.م)، روت عبر الهاتف من داخل الموصل حادثة فقدان زوجها التي وقعت صباح الـ17 من أغسطس/آب الماضي، عندما اقتحمت مجموعة مسلحة من تنظيم الدولة منزلهم في حي النجار غرب الموصل، واقتادت زوجها إلی جهة مجهولة.
وبعد يومين من اختطافه جاء ثلاثة مسلحين إلی الدار، وطلبوا من والده الحضور في اليوم التالي إلی منطقة باب الطوب وسط الموصل کي يری ابنه.
وتشير إلی أن والد زوجها ذهب في صباح اليوم التالي، وبعد قرابة الساعتين عاد، لکنه لم ينطق بکلمة واحدة إلا بعد أکثر من ثلاث ساعات ليبلغهم أن التنظيم أعدم ابنه بتهمة “خط شعارات مناهضة للتنظيم” علی جدران الأبنية.
وتقول إن أکثر ما يؤلمها يومياً، ولا تقدر علی نسيانه، أن مسلحي التنظيم لم يسلموا جثة زوجها وحرموها من زيارة قبره.
وتساءلت نيابة عن نفسها وعن بقية الأرامل عن المسؤول عن فقدانهن أزواجهن، وما إذا کانت الأيام ستردم الفجوة في أنفسهن وتحيي من جديد شعورهن بالحياة.







