تقارير

مجندون بالإکراه في جيش الأسد.. النظام يجبر کبار السن علی القتال معه لتعويض النقص الفادح بقواته

 

 

14/1/2017


لم يتصوَّر کريم حبيب أبداً أنَّه سينضم إلی ملايين اللاجئين الفارِّين من بلاده، لکنه تلقَّی في يوم الإثنين، 9 يناير/کانون الثاني، مکالمةً کان يخشاها منذ مدةٍ طويلة.
أبلغه صديقٌ له في الجيش السوري بأنَّه سيُستدعی قريباً للخدمة العسکرية، التي کان يعتقد العامل البالغ من العُمر 48 عاماً أنَّه کان قد تجاوزها منذ زمنٍ طويل؛ فقرَّر أن يَحْزِم حقائبه، ويتَّجه صوب الحدود، وفقاً لتقرير صحيفة “التليغراف” البريطانية.
ويقول حبيب من منزل أحد أقاربه في العاصمة اللبنانية بيروت: “لم أعتقد أنَّهم سيأتون من أجلي. لکنَّهم الآن يُجنِّدون رجالاً أکثر من أي وقتٍ مضی خلال الحرب”.
وأردف: “النظام يائسٌ للغاية، إنَّهم يلاحقون کل من يستطيع حمل السلاح. يُفتَرَض أن يکون الحد الأقصی للعُمر 42 عاماً، لکن الآن حتی أولئک الذين بلغوا الخمسينات ولديهم مشکلات صحية عليهم أن يقاتلوا”.
وقال: “يتم توزيعهم علی جميع أرجاء البلاد، فيلتحقون بنقاط التفتيش في حلب، وحتی في الخطوط الأمامية حول دمشق”.


وتلقّی جنود الاحتياط في معقل بشار الأسد في اللاذقية کذلک أوامر، في أواخر الشهر الماضي، ديسمبر/کانون الأول 2016، للحضور فوراً لأداء الخدمة العسکرية ضمن الفيلق الخامس المُکوَّن حديثاً.
وقد يبدو نظام الأسد أقوی من أي وقتٍ مضی، مدعوماً من حلفائه الروس والإيرانيين، وقد يبدو أنَّه منتعش إثر انتصاره في معرکة حلب، لکنَّ جيشه المُحاصر يُعاني.
فالقوات التي بلغ قوامها قبل الحرب 300 ألف انخفضت إلی النصف بسبب الوفيات، والانشقاقات، والتهرُّب من الخدمة العسکرية.
وأخبر حبيب، الذي استخدم اسماً مستعاراً لحماية أسرته التي لا تزال في سوريا، صحيفة “التليغراف” أنَّه “لم يَعُد هناک أي رجالٍ بين سن 18-50 في الشوارع بعد الآن”. وأضاف: “أولئک الذين يحاولون التهرُّب من الاستدعاء يُسجَنون، ويُعذَّبون، ولذا شعرتُ أنَّه لا خيار أمامي سوی المغادرة”.
وکان حبيب يحظی بوظيفةٍ جيدة، إذ کان يعمل کمديرٍ في إحدی شرکات النفط في العاصمة، ما جعله عضواً في الطبقة الوسطی التي ستکون سوريا في أمسِّ الحاجة إليها عندما ينتهي الصراع وتحاول البلاد الوقوف علی قدميها من جديد.
وفي الوقت الراهن، ينتظر حبيب في بيروت أن تُمنَح زوجته وأطفاله الثلاثة الصغار تأشيراتٍ لألمانيا، حيث يحمل جنسيتها، ويأمل في أن يبدأ حياة جديدة.
لکن کثيرين آخرين في موقف حبيب لم يکن الفرار خياراً متاحاً أمامهم.
فتحت غطاء هجوم النظام علی حلب، قُبِض علی آلاف المدنيين وجُنِّدوا قسراً.
وأعربت الأمم المتحدة عن قلقها من أنَّ ما يصل إلی ستة آلاف رجل في سن الخدمة العسکرية مفقودون بعد توجُّههم من شرق حلب إلی مناطق تسيطر عليها الحکومة.

نقص في المقاتلين

وقال فيصل عيتاني، الزميل المُقيم في مرکز رفيق الحريري للشرق الأوسط التابع للمجلس الأطلسي، لصحيفة “التليغراف” إنَّ “النظام لديه مشکلة خطيرة في القوة البشرية، والتي تم تعويضها حتی الآن بواسطة عشرات الآلاف من المقاتلين الأجانب والميليشيات الموالية، إلی جانب القوة الجوية الروسية، والمستشارين الإيرانيين”.
وأضاف: “السؤال المهم هو کيف سيسيطر النظام علی الأرض التي يستولي عليها إذا ما سئم المقاتلون الأجانب وقرَّروا المغادرة”.
وفي ظل إعلان الروس تقليص تواجدهم العسکري، ومعاناة “حزب الله”، أقوی حلفائه في المعرکة، من خسائر کبيرة، يتوجَّب علی نظام الأسد الاعتماد علی إمکاناته بصورةٍ أکبر.
وبرغم وقف إطلاق النار، الذي تم بوساطة موسکو وأنقرة، واصلت قوات النظام هجماتها علی مناطق استراتيجية، وهي في حاجة إلی قواتٍ لمساعدتها في استعادة هذه المناطق.
ويحرص النظام علی استعادة المناطق في ضواحي دمشق، العاصمة ومرکز السلطة في سوريا. وتُعَد منطقة وادي بردی ذات أهمية قصوی للنظام، لأنَّ الوادي هو المصدر الرئيسي للمياه لنحو خمسة ملايين شخص.
وکانت القوات الحکومية في الأيام الأخيرة تَدُک المنطقة المحاصرة بالغارات الجوية والقصف المدفعي من الأرض.
وقال عيتاني إنَّ “دمشق وضواحيها المحيطة تتصدَّر قائمة الأهداف التي يرغب الأسد في تحقيقها بمجرد أن يسيطر عليها، سيُوجِّه اهتمامه نحو السيطرة علی جيوب المعارضة في حمص، وحماه، وإدلب”.
وتُعَد محافظة إدلب، التي يسيطر عليها تحالفٌ تعُمّه الفوضی من مجموعات المعارضة، أکبر معاقل المعارضة الآن.
وکانت الحکومة تستخدمها کخزَّانٍ، مُرسِلَةً إليها مقاتلي المعارضة من شرق حلب، وغيرها من المناطق التي استسلمت في إطار ما يُسمَّی باتفاقات المصالحة.

استمرار المعارک

وقال علي حيدر، وزير الدولة لشؤون المصالحة الوطنية، الأسبوع الماضي، أنَّه کان يتوقَّع مزيداً من الاتفاقات في الأشهر المقبلة لإرسال آلافٍ من المقاتلين إلی إدلب قادمين من مناطق قريبة من دمشق وجنوبها، وذلک مع تقدُّم الجيش.
لکنَّه قال إنَّ الدولة لا يمکنها السماح بأن تبقی إدلب في يد المعارضة لأجلٍ غير مسمی. وقال إنَّه ما لم يکن هناک اتفاقٌ دولي يُعالج الوضع، “فإنَّ الخيار الآخر سيکون الذهاب إلی معرکةٍ مفتوحة معهم”.
وتعهَّد الأسد باستعادة السيطرة علی البلاد بأکملها، لکن يبدو علی الأرجح أنَّه تعهُّدٌ لا يمکنه الوفاء به.
وتبدو القوی المتعارضة التي تتولَّی الوساطة في محادثات السلام (روسيا، وترکيا، وإيران) الشهر المقبل في کازاخستان مستعدّة لتقسيم سوريا إلی مناطق نفوذٍ مختلفة.
وسيحتفظ الأسد بحلب، وهي مدينة مهمة لإيران لوقوعها علی طريق الإمدادات من إيران إلی “حزب الله” في لبنان، فضلاً عن المناطق الساحلية التي يملک الروس قواعد بحرية بها.
ومع ذلک، فإن من المؤکد أنَّ الأسد سيفقد السيطرة علی أجزاء کبيرة من شمال سوريا، حيث تتمرکز القوات الترکية في مسعیً لإقامة “منطقة عازلة” علی طول الحدود.
المسألة الکردية أيضاً ما تزال قائمة؛ فليس من الواضح ما إذا کان سيسمح لأکراد سوريا بتشکيل دولة فيدرالية خاصة بهم کما حدث في شمال العراق، أو ما إذا کان سيتم استبعادهم من الصفقة تماماً.
أما بالنسبة لمستقبل الأسد، يبدو من المرجح الآن بشکل متزايد أنَّه سيبقی في السلطة حتی الانتخابات الرئاسية المقبلة. وحينها يمکن استبداله بمرشح آخر من طائفته العلوية.
قد يمضي وقت طويل قبل أن يتمکَّن حبيب من العودة.
ويقول حبيب: “کل ما أعرفه هو أنني لا أستطيع أن أخدم في جيش هذا النظام الوحشي الذي دمَّر البلاد. لن يکون هناک سلام تحت حکم الأسد. ومعظم الذين فرَّوا لن يعودوا حتی يرحل”.

زر الذهاب إلى الأعلى
منظمة مجاهدي خلق الإيرانية - أرشیف
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.