العالم العربيمقالات

ما بعد جنيف4

 

نقلاً عن “الاتحاد”
4/3/2017


 
بقلم:رياض نعسان أغا


من المتوقع أن يتصاعد التهکم الشعبي السوري علی متوالية مؤتمرات جنيف وأستانة، وفي کل ساعة يتأخر فيها الوصول إلی حل سياسي، يفارق الحياة عشرات الأشخاص. ومن المتوقع أيضاً أن يتصاعد استخدام الأسلحة المحرمة دولياً، بعد أن منحت روسيا والصين ضمان عدم العقاب والملاحقة القانونية للنظام السوري عبر «الفيتو» الذي جعل مجلس الأمن معطلاً فاقد القدرة علی تحقيق الأمن للشعوب المضطهدة.

وبعد أيام تدخل القضية السورية عامها السابع، ويتفاءل بعض السوريين بأن تنتهي السنون العجاف بحل إلهي، وأن يتلمسوا خطوة ولو کانت وئيدة نحو الحل السياسي، وهذا ما جعلنا نشعر بأن الموقف الروسي بدأ يتحرک قليلاً حين وافقت موسکو علی بدء مفاوضات الجولة الرابعة من جنيف ببحث عملية الانتقال السياسي، ومارست ضغوطاً علی النظام کي يقبل، مع توجسنا بأنه لن يکون جاداً، ولا يملک وفده المفاوض صلاحية التنازل عن سلطات النظام لسلطة جديدة هي هيئة الحکم الانتقالي، حتی لو کان نصفها من النظام نفسه، فکيف أمام إصرار المعارضة علی ألا يکون للأسد دور في مستقبل سوريا.

سيعبث النظام بتفسيرات سفسطائية لبيان جنيف، تزعم أن الانتقال السياسي لا يعني التخلي عن الأسد، وقد يکرر الروس قولهم «لسنا متمسکين بالأسد، ولکن لا بديل عنه، والتخلي عنه سيقود البلاد إلی فوضی»، وکأن سوريا بقيادته اليوم تنعم بالاستقرار! وسيدافع بعض المعارضين الناعمين عن حق الأسد في الترشح للانتخابات الرئاسية وهم يعلمون أن الشعب السوري في الشتات لن يملک القدرة علی مواجهة الموالين للأسد في انتخابات مهما کانت نزيهة.

ولا يغيب عن أحد أن الانتقال السياسي هو مغادرة عهد وحکم قائم، إلی عهد وحکم جديدين، ولئن کانت المعارضة قد قبلت بالتشارکية مع النظام، فهذا قبول بالحفاظ علی المؤسسات والبنی التحتية التي لم تدمر بعد، ولکن بقاء من ارتکبوا المجازر وقتلوا وهدموا واعتقلوا وعذبوا الشعب، ومن أحرقوا البلد يناقض الانتقال الذي حدده بيان جنيف بوضوح.

والعقدة الکبری في مسار الحل هي مستقبل الأسد، ورعاة الحل السياسي دولياً يدرکون ذلک، ويعلمون جيداً أن تعثر مسار المفاوضات ليس في خلاف حول مستقبل سوريا الديموقراطية، وإنما هو حرصهم علی مستقبل الأسد فقط، لأنه الضامن لبقاء روسيا، ولسلطة إيران وتوسعها الإمبراطوري في الشرق الأوسط، وهناک آخرون يخشون أن تنهض سوريا من مستنقع الموت والدمار، وأن تخرج عن السيطرة التقليدية.
وهم يدرکون أن نهاية عهد الأسد تعني نهاية سريعة لکل تنظيمات الإرهاب التي أطلقها النظام من جحورها للتعمية علی ثورة الشعب، ولکي يصل إلی هذا التوصيف الذي سعی إليه، بتقديم القضية السورية علی أنها إرهاب يهدد الشرعية (الأسد أو الإرهاب)، وقد أسهمت جهات مخابراتية کبری في جمع شتات الإرهابيين من مختلف دول العالم إلی ما سموه «مصيدة الذباب»، ونسيت الحکومات قضية شعب ثار من أجل الحرية وطالب بالکرامة وهدفه بناء دولة مدنية ديموقراطية تنهي مرحلة الدولة العسکرتارية الأمنية.

وحسبنا شاهداً علی زيف ما يحدث من تمويه، لغز تنظيم «داعش» الذي تعجز ستون دولة ونيف عن محاربته والقضاء عليه، وها هو ذا في الجنوب السوري ببضع مئات من جنوده مستمر في عدوانه علی الجيش الحر يساعده النظام بغطاء من القصف، فضلاً عن القصف الحليف علی مناطق المعارضة الوطنية وعلی خطوط الإمداد في المنطقة الغربية من محافظة درعا، والأخطر تجاهل قوات التحالف الدولي لهجوم «داعش» وتقدمها نحو مزيريب وطفس والعجمي ودرعا المدينة وسواها من قری المنطقة، وهذا کله يحدث اليوم، بعد أستانة وعهود الهدنة ووقف إطلاق النار.
لقد أقررنا بأن روسيا بدأت تقدماً طفيفاً نحو جدية في الحل السياسي عبر موافقتها علی بحث قضية الانتقال السياسي، وإذا غضضنا الطرف عن فجيعة «الفيتو» الذي استنکره العالم، فسوف ننتظر من روسيا المتفردة بالشأن السوري جدية أقوی في غياب الولايات المتحدة عن مفاوضات جنيف، وإلا فسوف ينهار بنيان الحل السياسي، وستمتد المأساة السورية إلی عقود مقبلة، لا سمح الله.

زر الذهاب إلى الأعلى
منظمة مجاهدي خلق الإيرانية - أرشیف
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.