التدخل العسکري الإيراني في العراق: مخاطرة قصوی وحضورٌ أدنی

المرکز اللبناني للابحاث و الاستشارات
29/8/2015
المصدر: معهد واشنطن
علی الرغم من أنّ «قوة القدس» التابعة لـ «فيلق الحرس الثوري الإسلامي» الإيراني وقائدها اللواء قاسم سليماني لا يزالان مشارکَين في أحداث العراق، إلّا أنّ النطاق الفعلي لانخراطهما العسکري يبدو متناسباً عکسياً مع التغطية المکثّفة التي تؤمّنها وسائل التواصل الاجتماعي والصحف الإيرانية لعمليات طهران هناک. ويشهد علی ذلک مسحٌ حول التقارير باللغة الفارسية المتعلقة بخدمات المآتم التي أقيمت من أجل الإيرانيين الذين قُتلوا أثناء المعارک في العراق. فقد شهد العام الماضي ذروةَ تغطية وسائل التواصل الاجتماعي الإيرانية لعمليات «قوة القدس» في العراق، مع أنّ 26 مواطناً إيرانياً فقط قُتلوا أثناء المعارک خلال تلک الفترة. وفي المقابل، تجاهلت وسائل التواصل الاجتماعي الإيرانية إلی حدّ کبير عمليات «قوة القدس» في سوريا علی الرغم من أنّ عدد الوفيات بسبب المعارک هناک أعلی بکثير خلال الفترة نفسها، وقد شمل هذا العدد 76 إيرانياً ومقاتلين شيعة عديدين يشرف عليهم أفراد من «قوة القدس» (ثمانين أفغانياً وعشرين باکستانياً).
وقد يرجع الفرق في التغطية الإعلامية إلی درجات متفاوتة من التأييد الشعبي للعمليات في العراق وسوريا، إذ يبدو أنّ عدداً ضئيلاً من الإيرانيين يدعم تدخّل طهران العسکري نيابةً عن نظام الأسد في سوريا. وقد أدان رئيس “مجلس تشخيص مصلحة النظام” الإيراني، آية الله أکبر هاشمي رفسنجاني في آب/أغسطس 2013 استخدام النظام للأسلحة الکيماوية. وفي المقابل، يبدو أنّ الجمهور غير منقسم في دعمه للکفاح ضدّ تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» («داعش»)/«الدولة الإسلامية»، الذي تسبّب سلوکه الهمجي والواضح المعادي للشيعة في العراق بسخطٍ کبير في إيران.
وعبر توفير معلومات مفصّلة عن “الأعمال البطولية” التي تجترحها «قوة القدس» وسليماني والإيرانيين الذين لاقوا مصرعهم، من الواضح أنّ آلة الدعاية للجمهورية الإسلامية تحشد الجمهور حول النظام. وتقدّم هذه المعلومات أيضاً لمحات مهمّة عن تدخّل طهران العسکري في العراق.
أولاً، کان جميع القتلی الشيعة المعروفين، الذي سقطوا في معارک العراق منذ تموز/يوليو 2014 ويبلغ عددهم 26 قتيلاً، مواطنين إيرانيين. ولم تُذکر أيّ معلومات عن الأفغان الشيعة، الذين يُقال إنّهم تکبدوا خسائر بشرية فادحة في سوريا.
ثانياً، تُعتبر المقابر في المحافظات الإيرانية الغربية علی الحدود مع العراق مُمَثّلةً تمثيلاً زائداً من الناحية الإحصائية في إيواء جثث هؤلاء الذين سقطوا في المعارک. فقد دُفن ستة من المقاتلين في محافظة خوزستان واثنان منهما في کرمنشاه وواحدٌ في کردستان. وفي حالات أخری، سعت عائلات المقاتلين من هذه المحافظات علی الأرجح إلی عدم دفنهم في مسقط رأسهم، بل في مقبرة الحرب “جنة الزهراء” في طهران أو في مواقع الحجّ الشيعية الرئيسية في مدينة مشهد ومحافظتَي خراسان رضوي وقم. وهذا التمثيل الإحصائي الزائد ليس مستغرَباً، فبإمکان معظم الإيرانيين من خوزستان التحدّث باللغة العربية، في حين يتقن أهالي کردستان وکرمنشاه اللهجات الکردية المختلفة، وجميعها مفيدة بشکلٍ خاص في قيادة القوات شبه العسکرية في العراق.
ثالثاً، کان جميع الإيرانيينن الـ 26 الذين قُتلوا يشغلون في ذلک الحين مناصب في «الحرس الثوري الإسلامي». وقد خدم أحدهم في القوات الجوية لـ «الحرس الثوري»، وآخر في فرقة العمليات الخاصة في «الحرس». وقد تمّ التعرّف علی ثلاثة آخرين بشکل واضح بوصفهم أعضاءً في «قوة القدس» التابعة لـ «الحرس الثوري»، بينما خدم أربعة آخرون في “قوات التعبئة الشعبية” (“الباسيج”). ولم يُحدّد إلی أيّ فرعٍ کان ينتمي القتلی الـ 17 المتبقين، مما قد يعکس محاولةً لطمس حقيقة أنّهم شغلوا مناصب في «قوة القدس» النخبوية.

بالإضافة إلی ذلک، کان تسعة من الإيرانيين الذين قتلوا [في المعارک] من الضبّاط، وتمّ التعرّف إلی واحدٍ منهم برتبة عميد واثنين برتبة عقيد وواحدٍ برتبة نقيب و”عضو سابق في مجلس قيادة الباسيج” الإقليمي، فضلاً عن أربعة آخرين تمّ تأبينهم برتبة ساردار (أي قائد). أمّا القتلی الـ 17 المتبقون، فبدا أنّهم متخصّصون وليس مجرّد جنود مشاة، من بينهم رجلا دين ومهندسان ومصوّر.
وعلی الرغم من أنّ هذه الرتب العالية نسبياً تعکس جزئياً تقليد «فيلق الحرس الثوري» في ترقية “شهدائه” بعد الممات، إلّا أنّها تشير أيضاً إلی أنّ الإيرانيين يشغلون مناصب قيادية علی رأس الميليشيات الشيعية العراقية. کما أن تقارير عن عمل الضباط الإيرانيين ومعلوماتٌ عن زمان مقتلهم ومکانه تعزّز هذا الانطباع. فقد شغل العميد حميد تقوي، وهو أغلب الظنّ أهمّ الوفيات التي مُنيت بها «قوة القدس» التابعة لـ «الحرس الثوري» الإيراني، منصب واحدٍ من المنظّمين الأساسيين للمقاومة الشيعية العراقية ضدّ تنظيم «الدولة الإسلامية». أمّا جواد جهاني (المعروف أيضاً باسم هسنافي)، فشغل منصب قائد إحدی وحدات قوات الصدمة، حيث حرّرت الميليشيا العراقية تحت إمرته مدينة بلد في محافظة صلاح الدين، في حين حرّر جاسم نوري مدينة الدجيل – بلدة أخری في محافظة صلاح الدين، أثناء قيادته کتيبةً من القوات شبه العسکرية المنضوية تحت لواء “وحدات الحشد الشعبي” في العراق.
وأحد الأسباب التي دفعت بآلة الدعاية للجمهورية الاسلامية إلی الإصرار کثيراً علی تسليط الضوء علی شجاعة “أبطال” «الحرس الثوري» الذين سقطوا في العراق هو بفعل ما جری خلال معرکة تکريت، عاصمة محافظة صلاح الدين، في آذار/مارس – نيسان /أبريل من هذا العام. فقد تمکّن تنظيم «الدولة الإسلامية»، من خلال مقاومة شرسة، من وقف زحف القوات الحکومية العراقية والميليشيات الشيعية بقيادة سليماني. ولم تقع تکريت ثانية تحت السيطرة العراقية إلّا بعد الضربات الجوية المستمرّة التي شنّتها قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة مستهدفةً مواقع لـ تنظيم «داعش». ورفضت طهران باستمرار أيّ تنسيق مع الولايات المتحدة في تکريت، وقد تکون جهودها الدعائية منذ ذلک الحين محاولةً لصرف النظر عن اعتمادها علی الدعم الجوي الذي تقوده الولايات المتحدة – الأمر الذي يُشکّل فصلاً محرجاً علی وجه الخصوص من فصول التدخل العسکري للجمهورية الاسلامية في العراق.
المحصلة
يجب ألا يفسَّر التدخل العسکري المحدود للجمهورية الاسلامية في العراق علی أنّه علامةٌ علی تواني الاهتمام الإيراني بتلک الحملة، بل إنّه يعکس احتياجات متنوّعة لوکلاء طهران في ساحات مختلفة. وخلافاً لسوريا، لا يعاني العراق نقصاً في عدد المقاتلين الشيعة (والأکراد) المتحمّسين لمقاتلة «داعش». لذا فإن المطلوب هو وجود قادة ميدانيون أکفّاء تبدي طهران استعدادها لتأمينهم من أجل مواصلة الحرب والحفاظ علی اعتماد شيعة العراق علی إيران.







