اللاجئون السوريون في لبنان: صائمون کل أشهر السنة

للعام الخامس علی التوالي يستقبلون رمضان في خيم تفتقر إلی مقومات العيش وغياب المساعدات الکافية
الشرق الاوسط
18/6/2015
للسنة الخامسة علی التوالي يحلّ شهر رمضان المبارک ضيفا ثقيلا علی النازحين السوريين في لبنان وهم يعيشون بعيدا عن الأهل والأقارب في خيم تتوزع في منطقة البقاع (شرق لبنان) وبعض المناطق مفتقرة إلی أبسط مقومات العيش من دون أن تقيهم حتی حرارة فصل الصيف ولا برد الشتاء القارس. المساعدة الوحيدة التي يحصل عليها بعض هؤلاء لا تتجاوز الـ19 دولارًا عن کل فرد مقدمة من الأمم المتحدة تصرف وفق بطاقات شهرية کل مطلع اليوم الخامس من الشهر لمن هو مسجل لديها، إضافة إلی بعض المساعدات العينية التي تقدمها جمعيات محلية، بينما يعمل آخرون فيما تيسّر لهم من الأشغال، ولا سيّما في الزراعة بأجر 8 آلاف ليرة لبنانية (نحو 5 دولارات) يوميًا.
في أکثر المناطق استقبالا للاجئين السوريين حيث تتوزّع المخيمات غير المنظمة، يجتمع النازحون علی صعوبة الوضع المادي والمعاناة التي يعيشونها في ظل غياب المساعدات الکافية.
ها هو، محمد أحمد محمد هرب من الرقة مع أطفاله الثمانية إلی الحسکة، ومن ثم إلی راس العين ليصل أخيرا إلی لبنان حيث يسکن في بلدة الطيبة البقاعية في خيمة متواضعة من القنّب. محمد الذي يعمل في مجال البناء لکنه لا يجد عملا لتأمين مصدر رزق له ولعائلته، يعيش من مساعدات الأمم المتحدة، ويقول في حديثه لـ«الشرق الأوسط» الصيام أصبح عبئا کبيرا علي وعلی أولادي بسبب الوضع المادي الصعب وظروف الحياة البائسة في لبنان. مضيفا «کنا نستقبل الشهر الفضيل بمحبة لکننا نستقبله اليوم بجيوب فارغة حيث لا حول ولا قوة لنا، لن أتمکن من الصيام هذا العام بسبب الوضع الاقتصادي الضيق ولا نعرف ما إذا کانت الأمم المتحدة ستستمر بتقديم المساعدات أم لا؟».
من جهتها، لم تعد فاتن العيد (25 سنة) تفکّر في الصيام أو عدمه، فالوضع بالنسبة إليها، لم يختلف في هذا الشهر عن أشهر السنة الأخری، وتقول لـ«الشرق الأوسط» «تمرّ أياما علينا بالکاد نأکل الخبز، نشعر وکأننا معتادون علی الصيام».
هربت فاتن من الرقّة إلی بريتال في البقاع منذ سنتين. ذهب زوجها للعلاج في سوريا ولم يعد من دون أن تعرف عنه أي خبر لغاية الآن. بالنسبة إليها کل الأمور تهون أمام مشکلة عدم قدرتها علی إرسال ابنها وابنتها إلی المدرسة. وتقول «نحن أميون وسنورث أولادنا الأمية وهذا هم کبير».
ورغم المعاناة التي تعيشها، يؤکد حمدي شويخ الهزاع (40 سنة) «سأصوم ولو علی الخبز اليابس وبعض حبات الزيتون». فهذه المرأة التي هربت من القصير إلی البقاع في لبنان تعيش مع والدتها المريضة من دون أي مساعدات من أي جهة کانت. تحاول تأمين بدل ثمن دواء أمّها وإيجار البيت من المبالغ المالية القليلة التي يقدمها له أقرباؤها في لبنان بعدما لم تنجح في الحصول عليها من الجمعيات الإنسانية أو المستوصف القريب.
کذلک، لا يختلف وضع اللاجئين الذي وجدوا مکانا للهرب إليه في منطقة الجنوب. صيام جديد يحل علی اللاجئين في منطقة البيسرية في ظروف أقل ما توصف بالمأساوية وآمال بالعودة تتضاءل مع کل يوم يمضي داخل الخيمة، بينما لا يبقی سوی الذکريات الموجعة بعدما غابت عن أيامهم طقوس الاحتفال بحلول الشهر الفضيل بسبب الفقر والحرمان.
بعينين دامعتين تتحدث اللاجئة السورية منی الخليل (32 سنة) عن شهر رمضان، بعيدًا عن مدينتها حمص حيث ترکت معظم أفراد عائلاتها بعدما فرقتهم الحرب. وتقول «علينا أن نقضي أيامنا بما تيسّر»، وتضيف: «الحرّ القاتل في هذه الخيم بالکاد نتحمله في الأيام العادية فکيف في أيام الصوم؟». وتتذکر ابنة حمص شهر رمضان الماضي حين کانت لا تزال في سوريا، قائلة «کنا نمضي أيامنا علی وقع القصف ليلا نهارا، أما اليوم سنمضي أيام الشهر الفضيل في الشتات، بعيدين عن أوطاننا وذوينا الذين لا نعلم عنهم شيئًا حتی الآن».
وتستذکر کيف کانت تزين مدخل البيت بالفوانيس والأضواء الملونة، عدا عن السهرات التي لطالما استمرت حتی ساعات الصباح الأولی. وتقول «تغير کل شيء اليوم، فالغرفة التي نعيش فيها حاليًا، وأحوالنا المادية الصعبة، لا تصنع فرحة هذا الشهر التي اعتدنا عليها».
کذلک، يتذکّر أبو سمير بحزن وحنين مدينته درعا (جنوب سوريا) التي غادرها قبل سنتين تقريبا هاربا إلی لبنان. «الأعلام واللافتات المرحبة بقدوم شهر رمضان کانت تزين الشوارع بينما تزدحم الأسواق وتعمر الجوامع بزوارها في جو من البهجة والاطمئنان». ويقول: «کنا نسهر في الليلة الأولی حتی يطل علينا المسحر فيتسابق الأطفال لرؤيته. أما الآن کل هذه الطقوس نشتاق إليها ويکفي أن نشعر أننا ضيوف غير مرحب بهم عند الکثير من اللبنانيين».
اجتماع العائلة والموائد العامرة، مظهر آخر غاب عن اللاجئين السوريين في لبنان، بعد أن تفرقت العائلات ما بين لاجئين لدول أخری، وبين ضحايا غابوا عن بيوتهم بسبب الحرب، وهو الأمر الذي يجسده حال (أم زهير)، التي استقبلت رمضان هي وزوجها وحيدين، بعد مقتل ابنتها غادة (16 سنة) بغارة للنظام السوري علی منزلها في حمص، والتحاق ولدها وإخوتها في صفوف الفصائل المعارضة وانشغالهم هناک.
وبعدما کانت مفوضية اللاجئين ووزارة الشؤون الاجتماعية عمدتا إلی اتباع سياسة جديدة في التعامل مع اللاجئين السوريين، إما بتقليص المساعدات أو الإجراءات المشددة علی الداخلين منهم إلی لبنان، تقتصر المساعدات في شهر رمضان علی تلک التي اعتادت تقديمها مفوضية الشؤون إضافة إلی تلک التي تقدمها الجمعيات الدينية، وإن بکمية قليلة. وهو ما تشير إليه الناطقة باسم المفوضة العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة دانا سليمان، وتقول في حديثها لـ«الشرق الأوسط»: «المساعدات التي تقدمها الأمم المتحدة مستمرة، لکن لن يکون هناک تقديمات أو حصص غذائية خاصة بشهر رمضان». وتضيف «ننسق مع المنظمات المحلية والمرجعيات الدينية التي تقوم بدورها بتقديم وجبات الإفطار في بعض المناطق، وبعض المساعدات الغذائية التي توزّع بشکل أساسي في المناطق التي يوجد فيها أکبر عدد من اللاجئين».
من جهته، يؤکّد مدير المکتب الإعلامي في تنسيقية اللاجئين في الشمال، صفوان الخطيب أن «شهر رمضان في فصل الصيف الحار يزيد من حجم المسؤولية الإنسانية تجاه اللاجئين، ويستلزم إعلان مبادرات إغاثة سريعة»، معتبرا في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «اللاجئين هم شبه صائمون طوال أشهر السنة بسبب قلة المواد الغذائية»، لافتا إلی أنه: «سيتم تقديم مساعدات غذائية بکمية صغيرة إلی فئات محدودة وهي عبارة عن بعض الحبوب والتمور».
ويتجاوز عدد اللاجئين السوريين في لبنان مع نهاية العام الحالي المليون ونصف المليون، أي أکثر من ثلث السکان، وهم ينتشرون في مخيمات غير رسمية علی طول الأراضي اللبنانية ويترکزون في المناطق الفقيرة، وتقدم لهم الأمم المتحدة مساعدة أولية في شراء المواد الغذائية والتعليم.







