(معتقل) سابق يکشف: کيف يزوّد الأسد (لواء القدس) الشيعي بالجنود؟

أورينت نت
26/1/2015
لقد کان (وسيم) الذي أخفی اسمه الحقيقي خوفاً علی سلامة أقاربه متعباً وفاقداً الأمل تماماً، بعد رحلته من معتقلات النظام إلی جبهات القتال ومن ثمّ إلی ترکيا انتهاءً في مناطق سيطرة المعارضة بحلب، وبهدوءٍ يجلس علی الأريکة، ويشعل سيجارة، محرکا نظره إلی الأسفل، ليحکي قصته:
“في إحدی الدوائر الحکومية کنت أُسيّر معاملتي، عندما قال لي الموظف المسؤول بعد أنّ أجری مکالمةً هاتفية: (انتظر شوي لبينما يوصل زميلي) .. دقائق مضت وإذ بأربعة أشخاص عصبوا عيني وکبلوا يداي، ووضعوني في سيارة “بيک اب”، وطوال الطريق کانوا يشتمونني وينهالوا علي بالضرب بأقدامهم.. حينها لم أعرف إلی
أين الوجهة، لکنني کنت أتمنی أنّ نصل بأسرع وقت”، يقول وسيم.
تنهد وتابع حديثه بصوت خافت: “رموني بفرع الجوية، أول ما شافني المحقق قال لي: (أنت إرهابي) اعترف من الخلية التي تشتغل معها؟ ) ثم بدأ يلکمني ويضربني بعصاه علی کل مکان بجسدي”.
يکشف (وسيم) عن قدمه، وقد بدا الورم عند أسفل رکبته قائلاً: “قضيت يومين بالجوية، بس هل اليومين حسيتهن شهر، شبحوني وعذبوني بالکهرباء، وباليوم التالت عرضو علي التطوّع باللجان مقابل يطالعوني من السجن”.
رغم أنه لم يتعرض للتعذيب الشديد کما حال غيره ممن دخلوا “الجوّية”، إلا أنّ تهديده بالقتل دفعه دون تردد للموافقة علی العرض، ظناً منه أنّ عدم معرفته استخدام السلاح ستکون حجة کافية له للتهرّب من القتال، لکن المحقق ردّ عليه “ليست مشکلة.. ستتعلم في الجبهة”!
وسيم في مقر (لواء القدس) الشيعي
ليس ببعيد عن فرع المخابرات الجوية، اقتاد ضابط يدعی “أبو سامي” الشاب ذو الـ 21 عاماً إلی مدرسة “فرح” في حي جمعية الزهراء، التي أصبحت مرکزاً لما يسمی (لواء القدس)،وهو إحدی تشکيلات اللجان الشعبية الشيعية التي تقاتل مع النظام، وهناک قال (أبو سامي) للعناصر:” خدوه.. صار من جماعتنا”.
يقول (وسيم):” بصموني بالعشرة علی أوراق لا أعرف محتواها ولکني فهمت أنها عقد للتطوع بلواء القدس لمدة ثلاثة أشهر، وأعطوني سلاحا وجعبة وقالوا لي: “روح علی البيت وتعا بکرا.. إذا ما جيت منعرف شلون نجيبک ونجيب أهلک”.
في تلک الأثناء، لم تکن تدري عائلة (وسيم) أين اختفی ابنها، لکنها صُدمت عند عودته مرتين، المرة الأولی عندما دخل عليهم حاملاً البندقية، والمرة الثانية عندما شاهدوا آثار التعذيب علی جسده، وأخبرهم بما جری ونام مبکراً علی الفور”.
وسيم في جبهة حندرات
في صبيحة اليوم التالي، زُجّ بوسيم في منطقة (حندرات)، التي کانت مشتعلة، بعد أسابيع من اقتحام قوات النظام للمنطقة في الثالث من تشرين الأول/أکتوبر الماضي، “جلسنا طول النهار نفترّج علی بعض ونحنا في المقرّ، ما عملنا شي، غير أنه في أحد الشباب علمني کيف ألقم البارودة وأفکها وأعبيها رصاص” يقول وسيم.
لم تکن مهمة وسيم والشباب أمثاله اقتحاميه أو هجومية، بل اقتصر تواجدهم في الخطوط الخلفية. وبالرغم من الأيام القليلة التي قضاها في جبهة القتال إلا أنها کانت کافية ليشرح ترکيبة قوات النظام، وکيف تسير المعارک هناک.
فيقول:” في منطقة حندرات لا يوجد أيّ تواجد للجيش، فکل العناصر کانوا من کتائب البعث ولواء القدس، وکثير منهم کانوا مجندين قسراً أو مقاتلون مرتزقة، ولکن کان هناک حول السجن المرکزي مجموعات تابعة لسهيل الحسن، أما القوة الأکبر فکانت لـ (ـکتائب الحجاج)”.
کتائب الحجاج
و”الحجاج” هم الکتائب والمجموعات الشيعية التي قدمت من خارج البلاد بدعوی “الجهاد” مع قوات النظام، مثل حزب الله اللبناني وغيره من التشکيلات، يضيف وسيم: ” کانت لهم مقراتهم الخاصة، ولا يسمحوا لنا بدخولها، ويعاملوننا باحتقار ويتجنبوا الاحتکاک معنا، أما مهمتهم فکانت الاقتحام ونحن مهمتنا دعم الخطوط الخلفية “.
وعلی الرغم من أنّ عناصر (لواء القدس) يتقاضون ما يقارب 200 دولار شهرياً، في مقابل أنّ متوسط راتب موظفي الدولة يقدر بـ 150 دولار، إلا أنهم کانوا طوال النهار يبحثون عما يمکن سرقته، أما في المساء فيکون حافلاً بسهرات “التحشيش وشرب الکحول” يقول وسيم.
ويوضح:” يتقاضی العنصر منهم مبلغ 22500 ليرة في الخامس عشر من کل شهر ، کما يتقاضوا المبلغ نفسه في أول الشهر عدا عن عمليات السرقة، وفي إحدی المرات طلب واحد من سائق الدبابة أن ينزل عمود الکهرباء، کي يتمکن من سرقة الأسلاک”.
لا يقتصر ذلک علی المرافق العامة أو المنازل، بل کانت السرقات تجري فيما بينهم أيضاً، ويحکي (وسيم) أنّ أحد العناصر اتصل بشخص يدعی “أبو جعفر” من لواء أبو الفصل العباس ليبيعه بندقيات وذخيرة سرقها من المقرّ المجاور.
قضی (وسيم) ثلاثة أيام في جبهة القتال، لکنه طوال تلک المدة لم ينم إلا بضع ساعات، وعند اليوم الرابع المخصص للاستراحة اتفق مع قائد مجموعته أنّ يعطيه بطاقته الأمنية ليستلم رواتبه المخصصة ويأخذ فوقها 125 ألف ليرة مقابل أنّ يسجله حاضراً کل يوم ويؤمن هروبه.
وفور وصوله إلی المنزل طلب من عائلته الاستعداد للنزوح، وبعد أيام وصل مع عائلته إلی ترکيا، هناک فقد الأمل تماماً بعد عشرات المحاولات لإيجاد عمل يعيله وأسرته علی تحمل تکاليف لمعيشة المرتفعة، فترک وسيم والده هناک ليتدبر أمور العائلة، وعاد أدراجه إلی حلب.
لا يخفي وسيم رغبته الآن القتال في صفوف المعارضة ضد النظام بعد أنّ خسر جامعته التي لم ينهي سنته الثانية فيها، لکنه يقول بحرقة:” أهم شيء بالنسبة لي الآن هو تأمين حياة کريمة لعائلتي دون أن يتعرضوا للتشرد والذل، فأبي رجل کبير في السن، ولکنني يوماً ما سوف انتقم”.
أثناء مبيته في حلب، تلقی وسيم اتصالاً من صديق له في ترکيا، يخبره أنه وجد له عملاً في أحد المصانع هناک، لا يبدو أنه متفائل بخصوص ذلک، يقول: “ضاع کل مستقبلي وضاعت کل حياتي التي کنت أبنيها، ولکني سأبدأ من جديد”.







