ويواجه الأسد نهايته المحتومة أخيرًا!
ايلاف
28/5/2015
لا شک في أن توجيه المعارضة سلسلة ضربات قاتلة للنظام السوري، بانتظار الضربة القاضية المتوقعة قريبًا، جاء من توجه سعودي لحسم الأمور مع إيران، بحنکة سياسية بعد مغامرة طهران اليمنية.
الرياض: في ليلة في ليالي آذار (مارس)، عاد قائد من قادة الثوار السوريين من ترکيا، حاملًا لأرکان لوائه المسلح أخبارًا صدمتهم. فقد ظنوه سيعيد عليهم اسطوانة الصبر نفسها، لکنه فاجأهم. ونقلت “غارديان” عن أحد القادة الموجودين في ذلک الاجتماع قوله لصحيفة “أوبزرفر”: “کان متحمسًا، ما استرعی انتباهنا. لکن عندما بدأ يتحدث، أصابنا جميعًا بالذهول حين أخبرنا أن حرب الاستنزاف الطاحنة المستمرة منذ بداية 2012 ستنقلب لصالحنا”.
اضاف القائد أن السبب کان استطاعته الحصول علی کل الأسلحة التي أرادها، “فللمرة الأولی لم يتم حجب أي سلاح عنا، إلا الصواريخ المضادة للطائرات. فالأتراک وأصدقاؤهم يريدون نهاية بشار الأسد، والمجموعات کلها ستتلقی السلاح إلا تنظيم الدولة الاسلامية، وسنستفيد من الانفراج بين قوی المعارضة التي تريد تجاوز خلافاتها لترکز علی العدو المشترک، أي النظام السوري”.
الرسائل الثلاثة
السعودية هي التي رعت هذا التوافق، إذ قررت أن تفعل کل ما بوسعها لإنهاء الأسد، وتقويض طموحات إيران، التي تدعم الأسد، بالسيطرة علی مسار الحرب السورية. وهذا فتح مرحلة جديدة في صراع القوی القديم بين الخصوم الإقليميين، وسبب تداعيات عميقة علی الحرب في سوريا، ومعارک جديدة بالوکالة في المنطقة.
في أوائل آذار (مارس)، استدعت الرياض شخصيات إقليمية کبيرة التقاها الملک سلمان بن عبدج العزيز وأخبرها بخططه للمنطقة. کان الرئيس الترکي رجب طيب أردوغان أول الواصلين، ثم وصل القطريون وزعماء مجلس التعاون الخليجي.
کانت رسالته في ثلاث اتجاهات. الأول، الحد من الانقسام إقليميًا، وهو الانقسام الذي جعل قطر وترکيا تدعمان التنظيمات السورية المتحالفة، بينما رکزت السعودية علی قوی أکثر تماشيًا معها؛ الثاني، الموافقة علی علی إرسال أسلحة تغير مسار المعرکة بشمال سوريا مقابل ضمانات بالتنسيق والانضباط؛ والثالث، أميرکا لن تعارض.
تقدم المعارضة
في الأسابيع التالية، وصلت الأسلحة الجديدة وبدأت المعارضة تراکم مکاسبها. وتقدمت تنظيمات المعارضة، ومعها جبهة النصرة المصنفة إرهابية أميرکيًا والتي تنظر إليها الرياض بحذر، معتمدة علی ما تملکه من صواريخ تاو الموجهة المضادة للدروع التي تستطيع استهداف مدرعات النظام من أميال بعدية، وبدأ الثوار السوريون يتقدمون نحو بلدات ومدن کانت عصية عليهم من قبل.
أتت النتائج صادمة. فعاصمة محافظة إدلب سقطت في أيام، ثم بلدة جسر الشغور الاستراتيجية القريبة التي سقطت بيد جهاديين ومعتدلين حافظوا علی التزاماتهم في الصفقة مع السعودية.
واليوم، تبدو السهول الزراعية الممتدة نحو حمص وحماة، ثالث ورابع مدن سوريا، أکثر هشاشة، وکذلک ساحل والمتوسط وجبال العلويين، موطن الطائفة العلوية المهيمنة علی سياسة وأمن سوريا منذ 40 عامًا. وحلب التي کانت تحاصرها قوات الأسد قبل شهور، تبدو الآن أقرب للدخول تحت سيطرة الثوار.
هزيمة نکراء
في أنقرة والرياض وبغداد وبيروت، ثمة إحساس قوي بأن الحرب لا تصب في صالح النظام. فکل معرکة قاتلها جيش النظام منذ آذار (مارس) انتهت بالهزيمة، بما في ذلک القتال البطيء علی حقلي الغاز شمال تدمر الأسبوع الماضي، اللذين سيطر عليهما داعش، إلی جانب تدمر.
أرسلت دمشق قواتها الخاصة لحماية حقول الغاز التي تعتمد عليها لدعم الطاقة في سوريا، لکنها تعرضت لهزيمة نکراء علی يد داعش.
وبحسب غارديان، قال دبلوماسي کبير في العالم العربي: “هذه الأحداث ليست مدًا وجزرًا في معرکة؛ بل دليلًا واضحًا ومتکررًا أن جيش النظام لا يستطيع حماية نفسه أو البلاد، حتی مع الدعم الکبير من حليفته إيران”.
ويعبر مسؤولون عراقيون عن المخاوف نفسها حيال جيشهم. فأفضل قوات العراق، والأکثر تسليحًا وتدريبًا من السوريين، استسلمت في الرمادي، أهم مدن محافظة الأنبار، خلال 72 ساعة تقريبًا، مقدمة لداعش أکبر انتصاراته منذ احتلاله الموصل في تموز (يوليو)، وهو الذي نيته المعلنة إزالة الحدود ما بعد العثمانية التي حددت ملامح الشرق الأوسط الجديد، خصوصًا اتفاقية سايکس بيکو الفرنسية-الإنجليزية التي شکلت سوريا ولبنان الحديثتين.
خصومه عاجزون
رغم أن 20 من قادته الکبار قد قتلتهم طائرات أميرکية بدون طيار، فإن قادة تنظيم الدولة ما زالوا يتنقلون بحرية عبر مساحة کبيرة ومفتوحة من الأرض، تساوي تقريبًا مساحة الأردن، ويسمونها دولة الخلافة الإسلامية.
قال طبيب جراح في الفلوجة، التي يسيطر عليها داعش: “قبل وصول داعش، کنا حيوانات الشيعة، وبغض النظر عما قلناه، کنا نعامل علی أننا داعش في کل حال من قبل حکومة يسيطر عليها الشيعة”.
قال أبو أيمن: “أستطيع أن أری جاذبية داعش، وبقدر ما أکرههم، فأستطيع أن أری أنهم يقودون بعض المجتمعات السنية نحو کرامة لن تمنحهم إياها أية حکومة”.
أظهرت إنجازات داعش الأخيرة ضعف أخصامه أکثر مما أظهرت قوته. ونقلت “غارديان” عن هشام الهاشمي، الباحث الاستراتيجي العراقي المختص في داعش، قوله: “لا يستطيعون الاعتراف بأنهم يعجزون عن إيجاد حلول لأنفسهم، لکنها قضية تهم المنطقة کثيرًا”.
وعندما هدد التنظيم بغداد في تموز (يوليو) الماضي، کانت إيران أسرع من أي حليف آخر في إرسال مستشارين لتعزيز دفاعات العاصمة العراقية. وکانت مهمة سهله، فالضباط الإيرانيون يفعلون الشيء نفسه في سوريا في خلال العامين الماضيين علی الأقل.
قلق الرياض
اليوم، بعد نحو عام، تبدو إيران أکثر التزامًا من أي وقت مضی بتأمين أهدافها الاستراتيجية في العالم العربي. فبقاء نظامي بغداد ودمشق مسألة مهمة لتحقيق الأهداف الإيرانية في الشرق الأوسط، وهي إقامة هلال شيعي تدريه طهران، يمر عبر قم وبغداد والنجف ودمشق حتی جنوب لبنان، حيث يبقي حزب الله، وکيل إيران في لبنان، تهديدًا دائمًا لحدود إسرائيل الشمالية. ودمشق دفعت بالأسلحة والأموال والمقاتلين إلی حزب الله، ومنذ 2003، صارت بغداد قناة أساسية لتنفيس الطموح الإيراني، من خلال تنظيمات عراقية شيعية قاتلت الجيش الأميرکي المحتل بصفتها “وکلاء مأجورين لإيران”.
نظرت الرياض بقلق وعدم رضا المکاسب إلی الإيرانية الثابتة في العراق منذ الانسحاب الأميرکي في 2011، لکن قلقها زاد مع التفکک السوري. وقال مسؤول سعودي لغارديان: “أظهر لنا الأحداث إلی اي مدی الإيرانيون مستعدون للذهاب کي يحموا مصالحهم، فلم يکونوا يحمون ما يملکون فقط، بل يبنون عليه بغطاء أميرکي”.
في خلال الحرب السورية، والثورات العربية بشکل عام، تراجعت العلاقة السعودية نع حليفتها الأميرکية. والملک سلمان، الذي کان وزير دفاع سابق، معروف بشجبه غموض سياسة الرئيس الأميرکي باراک أوباما حول سوريا، خصوصًا بعدما تحجج بالکونغرس لعدم ضرب دمشق في آب (أغسطس) 2013، إثر هجوم بغاز سارين نفذه النظام السوري علی المدنيين. قال المسؤول السعودي: “في تلک لحظة أدرکنا أن أقوی أصدقائنا فقد مصداقيته، فکان علينا أن نخرج من وراء الستار”.
المخاوف من إيران
خلال أسابيع من مبايعة سلمان ملکًا جديدًا علی السعودية، ظهرت سياسة إقليمية أکثر حزمًا وأوضح معارضة للولايات المتحدة. وثيتت صحة التوجه السعودي مع الاستياء الذي ساد من الصفقة التي وقعها أوباما مع إيران بتسليم برنامجها النووي مقابل رفع العقوبات والحصول علی الدعم، والاعتراف العالمي بشرعية إيران بعد 36 عامًا من ثورتها الإسلامية، بحسب ما نقلت “غارديان” عن مسؤولين سعوديين وخليجيين.
قال هؤلاء إن المخاوف من إيران ستؤثر في الکثير من ملفات المنطقة الساخنة، وما انقلاب الحوثيين الموالين لطهران علی الحکومة الشرعية في اليمن في آذار (مارس) إلا دليلًا علی تثبيت طهران مکانتها الاقليمية قبل المحادثات، في خاصرة السعودية، علی حدودها الشرقية.
قال المسؤول السعودي: “سينفقون کل أموالهم لحماية ما يملکون. فالحرس الثوري يقول إنه لن يتنازل عن دمشق وحزب الله، والآن يريدون اليمن کذلک. لکن هذه حيلة، بل سيحاولون مبادلة صنعاء معنا مقابل دمشق”.
تقول “غارديان” قائلة: “من کل هذه الفوضی والدمار الکئيب الذي يصيب مهد الحضارة، ومع تقدم الثوار وقسوة الجهاديين، يتضح اليوم إن القوی الرئيسة في المنطقة عالقة في صراع مفتوج علی مصير المنطقة، وسوريا تحديدًا، ولا يمکن حلّ المسألة إلا عبر وساطة دولية”.
وتختم الصحيفة ناقلةً عن المسؤول السعودي قوله: “إيران قالت إن سوريا هي مفتاح العالم العربي، ونحن متفقون معها”. فالرياض ما عادت قلقة اليوم مع تهالک الأسد، حليف إيران الأول.







