مصادر دبلوماسية فرنسية: دلائل علی ضلوع عسکري إيراني مباشر في اليمن

الأوروبيون متخوفون من انعکاسات نقل سفاراتهم إلی عدن علی وحدة اليمن
الشرق الاوسط
4/3/2015
روت مصادر دبلوماسية فرنسية عن الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي متحدثا عن دور إيران في بلاده، خلال اجتماع في صنعاء، أن الأخير أکد أن طهران «تريد السيطرة علی باب المندب من خلال الحوثيين» وأنها لتحقيق هذا الهدف الاستراتيجي الهام حيث تمر ثلث التجارة العالمية «لا تحتاج لحيازة القنبلة النووية».
وإذا تحقق لطهران هذا الهدف، فإنها بذلک تکون قادرة علی تهديد أهم منفذين بحريين في العالم وهما مضيق هرمز الذي يفتح الباب علی مياه الخليج وباب المندب الذي يفضي إلی البحر الأحمر ومنها إلی قناة السويس فالبحر المتوسط. وبعکس ما تدعيه إيران من أنه لا علاقة لها بما يجري في اليمن ونفيها أن تکون تمد الحوثيين بالمدربين والخبراء والسلاح، تشير هذه المصادر إلی وجود دلائل علی «انغماس عسکري إيراني مباشر» فيما يجري في اليمن کما أنها تنبه من تنامي ظاهرة «جديدة» علی المجتمع اليمني وهي أن الزيديين أخذوا يحتفلون بالأعياد الشيعية وهي تری بالتالي أنه إذا استمر تصاعد هذه الظاهرة فإنها ستکون «مصدر قلق عميق للمستقبل» وستکون «رافدا» لـ«القاعدة في شبه الجزيرة العربية» التي تستفيد من تصاعد النزاعات المذهبية.
حتی الآن، ترکز الاهتمام بالملف اليمني علی جوانبه الداخلية: تنحي الرئيس السابق علي عبد الله صالح مع الضمانات الدستورية التي حصل عليها ومباشرة مرحلة انتقالية عبر انتخاب رئيس جديد للجمهورية وإقامة حوار الوطني واتفاق السلم والشراکة وإعادة رسم صورة اليمين الفيدرالي وکتابة مسودة للدستور بالاستناد للمبادرة الخليجية ودعم «مجموعة العشرة» وبوساطة أممية متمثلة بالمبعوث الدولي جمال بنعمر. ورغم اليد الواضحة لإيران، بقيت المسائل الجيواستراتيجية والجيوسياسية في المرتبة الخلفية فيما قفزت العمليات العسکرية التي ينفذها الحوثيون والمطالب الاجتماعية والسياسية التي يطرحونها وما واکبها إلی الواجهة. ولکن المصادر الفرنسية تری أن وراء ذلک کله، ثمة تحديات تتخطی اليمن وليس أقلها أمن البحر الأحمر والتجارة الدولية وتهديدات «القاعدة» والتمدد الإيراني وتنافس نفوذ طهران مع النفوذ الخليجي التقليدي في اليمن ومستقبل هذا البلد ومسألة بقائه بلدا موحدا أم تقسيمه الفعلي إن لم يکن الرسمي بين شمال وجنوب وتنافس شرعيتين: الأولی شرعية دستورية ممثلة بالرئيس هادي في عدن وشرعية ثورية في صنعاء. ويضاف إلی ذلک کله الطابع التنافسي المذهبي بين الحوثيين الزيديين الذين يمثلون نحو ثلث السکان في اليمن وبين بقية السکان. إزاء الوضع المعقد في اليمن، يبدو الأوروبيون في موقع «انتظر وراقب». ورغم تعدد الاجتماعات علی المستوی الأوروبي في الأيام والأسابيع الأخيرة، لم يحزم الفرنسيون ومعهم الأوروبيون رأيهم لجهة نقل سفاراتهم إلی عدن أم الاستمرار في الوضع الحالي «السفارات المغلقة في صنعاء» والانتظار. وتقول المصادر الدبلوماسية الفرنسية إن الرحيل من العاصمة اليمنية سببه بالدرجة الأولی أمني وأن الانتقال إلی صنعاء مربوط بثلاثة معايير علی الأقل أولها توفر العنصر الأمني في ثاني المدن اليمنية التي کانت في زمن الانفصال عاصمة جمهورية جنوب اليمن وثاني المعايير أن يکون للانتقال إلی عدن «معنی ما» أي بکلام آخر أن تکون السفارات قادرة علی العمل والتواصل مع المسؤولين الرسميين ومع الأطراف السياسية المختلفة وإمکانية الوصول والخروج السهل جويا. أما المعيار الثالث وهو الأهم فيتمثل في «الرسالة السياسية» التي يمکن أن يحملها قرار من هذا العيار إذ إنه من الواضح أن باريس والعواصم الأوروبية لا تريد أن يفهم قرارها علی أنه تحبيذ لتقسيم اليمن أو تشجيع لبقاء الأمور علی ما هي في الوقت الحاضر.
ترسم المصادر الفرنسية صورة سوداوية للوضع في اليمن وهي تبدو «يائسة» من الوساطة التي يقوم بها جمال بنعمر رغم الدعم الرسمي الذي تقدمه فرنسا لدور الأمم المتحدة. وکمحصلة لهذا التقويم، تعتبر باريس أنه يتعين تغيير القواعد التي قامت عليها الوساطة الدولية لجهة «المرجعية» أي أهداف الحوار والمبتغی منه وتغيير المتفاوضين بحيث يوجد حول الطاولة أشخاص لهم حيثية جديدة لجهة الأطراف التي يمثلونها فضلا عن تغيير مکان الحوار. وترجح المصادر الفرنسية أن ينقل الحوار إلی إثيوبيا باعتبار أن کل طرف له تحفظات علی طرح الطرف الآخر فلا الحوثيون قابلون بنقل الحوار إلی الرياض التي هي مقر مجلس التعاون الخليجي ولا الأطراف الأخری قابلة بالبقاء في صنعاء تحت رحمة الحوثيين… ولذا، فإن اختيار جهة «محايدة» يمکن أن يکون الحل في الظروف الراهنة.
بيد أن المشکلة ليست «إجرائية» بل تمس جوهر الحوار أي تناول الأوراق المطروحة للخروج من المأزق السياسي. ولذا تعتبر باريس أن خروج هادي من صنعاء أعاد «خلط الأوراق» وجعل الطروحات الحوثية إن الواردة في الإعلان الدستوري أو في المقترحات الرديفة تتراجع حيث إن مقترح إنشاء المجلس الرئاسي طوي لصالح تعيين نائب لرئيس الجمهورية أو أکثر من نائب أو إحداث تعديلات حکومية وما شابه.
وفي أي حال، تعتبر المصادر الفرنسية أن الحوثيين «غير قادرين بمفردهم علی إدارة شؤون البلاد» رغم تفوقهم العسکري وهيمنتهم علی مناطق واسعة في الشمال والوسط ومحاولتهم التمدد جنوبا. ولذا، يتعين علی الحوثيين أن يجدوا حلفاء سياسيين لهم. وحتی الآن، استفاد الحوثيون بحسب باريس من التحالف مع حزب الرئيس السابق علي عبد الله صالح ومن تعاون الموالين له في الألوية والقطاعات العسکرية. بيد أنها تری أن هذا التحالف يمکن أن يتغير عندما تتغير المصالح. وتعبر باريس أن ثمة «تباينا» داخل الحوثيين بين الجناح السياسي الذي يفهم هذا الوضع وتعقيداته وبين الجناح العسکري الذي يفضل لغة الفرض والقوة، الأمر الذي يجعل التفاهم مع الأطراف الأخری أکثر صعوبة.







