العالم العربيمقالات
المعارضة السورية وتوحيد البندقية

الشرق الاوسط
18/11/2015
18/11/2015
بقلم: مصطفی فحص
فشلت الدول المشارکة في اجتماع فيينا الأخير في الاتفاق علی توصيف فصائل عسکرية سورية کتنظيمات إرهابية، بعدما رفضت الدوحة وأنقرة وتحفظت الرياض علی وضع حرکة أحرار الشام، وفصائل أخری ضمن قوائم التنظيمات الإرهابية، بينما طالبت قطر وترکيا بالفصل بين جبهة النصرة کتنظيم إرهابي، والمنتسبين السوريين إليها، حيث اعتبرت أن انتماءهم إلی «النصرة» جاء بسبب غياب البدائل العسکرية، التي تؤمن لهم استمرار مواجهة وحشية الأسد.
بعد فيينا، باتت المعارضة مطالبة بإعادة تجميع فصائلها المسلحة في کيان موحد، يملک هيکلية عسکرية وبرنامجًا سياسيًا، يعزز موقفها التفاوضي، ويلتزم تنفيذ ما سيتم التوصل إليه علی طاولة المفاوضات، وخصوصًا بند وقف إطلاق النار، وهو بمثابة الاختبار الأصعب للمعارضة، حيث يکشف عن مدی تأثيرها علی الفصائل العسکرية، ما يحتم عليها بشقيها السياسي والعسکري تقديم نموذج مقنع أمام المجتمع الدولي، يمکن الاتکال عليه في المرحلة المقبلة.
يکمن دور الفصائل المسلحة التي تواجه الأسد و«داعش» في مفاوضات الحل السياسي في قدرتها علی منح شرعية التفاوض لمن تتوافق عليه مع الائتلاف السوري المعارض، من أجل تمثيل المعارضة في جولات فيينا المقبلة أو أي عملية تفاوضية أخری، وهذا ما يقطع الطريق أمام المشروع الروسي الإيراني في التدخل في تشکيل وفد المعارضة أو التشکيک في مدی تمثيله، ويعرّي ادعاء موسکو أنها علی تنسيق مستمر مع من تصفهم بالجيش الحر، هذا الادعاء الذي تتخذه ذريعة لکي تبرر الاستمرار في توجيه ضرباتها إلی کل الفصائل التي تواجه الأسد، تحت حجة مکافحة الإرهاب.
إذا کانت المعارضة السورية لا يمکنها أن تتجاوز الفصائل المسلحة في قراراتها السياسية، فإن المطلوب من الفصائل توحيد خطابها السياسي، والاتفاق علی رؤية مشترکة لسوريا المستقبل، لا تختلف في جوهرها عن مطالب المعارضة السياسية، وإظهار أکبر قدر من التوافق والتعاون مع المعارضة السياسية من أجل التوصل إلی صيغة مشترکة في ما بينها، تمنح الطرفين تمثيلاً مشترکًا موحدًا، بات ضروريًا في هذه المرحلة، ويعوّل عليه في إنتاج أي تسوية سياسية. وهذا ما دفع السفير الأميرکي السابق في دمشق روبرت فورد إلی القول: «إنه دون مشارکة الفصائل الإسلامية التي لا تنطوي تحت لواء (داعش) أو (جبهة النصرة)، من الصعب التوصل إلی وقف لإطلاق النار».
بعد أربع سنوات علی عسکرة الثورة السورية، ومحاولات الأسد «دعوشتها»، ووصول کل مشاريع الاستحواذ والسيطرة، ومحاولة مصادرة قرارها السياسي والعسکري إلی حائط مسدود، والفشل الذريع لأصحاب المشاريع الراديکالية في إقناع السوريين بأنهم بديل للأسد، ورفض السوريين أن يستبدلوا باستبداد الأسد باسم العلمانية، استبدادَ المتطرفين باسم الدين، أصبحت الکرة في ملعب هذه الفصائل، من أجل العودة إلی صيغة الجيش الحر ککيان وطني جامع، يکون جزءًا أساسيًا من المرحلة الانتقالية، وشريکًا في إعادة تأسيس الجيش الوطني، الذي سيکون عماد وحدة التراب السوري، وستوکل إليه مهمة مواجهة الميليشيات الأجنبية والتنظيمات الإرهابية والدعوات الانفصالية.
لم يعد الغرب علی استعداد لتکرار تجربة تحالف الشمال الأفغاني، حيث خاضت الفصائل الأفغانية حربًا أهلية في ما بينها بعد انتصارها علی السوفيات وتحرير کابل، بينما فشلت المعارضة في الوصول إلی صيغة تشبه منظمة التحرير الفلسطينية، لعدم وجود الزعيم الرمز وفصيل کحرکة فتح يوقدها، فبات علی المعارضة السورية أن تواجه مسؤوليتها التاريخية بأن تتحول إلی حرکة تحرر وطني بصرف النظر عن نتائج فيينا، فلا يمکن الاستمرار في هذه الفوضی التي تسببت بانتکاسات کبيرة وباتت جزءًا من مأساة السوريين.







