العالم العربي

هل يمکن أن تتغير إيران؟

 

 

ايلاف
20/1/2016

 

الرياض: العالم يراقب إيران بحثاً عن علامات التغيير، آملاً أن تتحول من دولةٍ ثوريةٍ مارقةٍ إلی عضوٍ محترمٍ من أعضاء المجتمع الدولي. لکن إيران، بدلاً من أن تُعالج العزلة التي خلقتها لنفسها، اختارت التستر علی سياساتها الطائفية والتوسعية الخطيرة، فضلاً عن دعمها للإرهاب، من خلال توجيه اتهاماتٍ عاريةٍ عن الصحة ضد المملکة العربية السعودية.
ومما يکتسي الأهمية هنا هو فهم الأسباب الکامنة وراء التزام المملکة العربية السعودية وحلفائها الخليجيين بمقاومة التوسع الإيراني والرد بقوة علی أعمال إيران العدوانية.
 
قد تبدو إيران، بصورةٍ مصطنعةٍ، وکأنها تغيرت. وقد لاحظنا إجراءات إيران الأولية فيما يتعلق بالاتفاق لتعليق برنامجها لصنع سلاحٍ نووي. ويقيناً نعرف أن شريحة کبيرة من السکان الإيرانيين يريدون قدراً أکبر من الانفتاح داخلياً، وعلاقات أفضل مع البلدان المجاورة والعالم. لکن الحکومة لا تريد ذلک.
 
السلوک الذي انتهجته الحکومة الإيرانية ظل ثابتاً منذ ثورة 1979. والدستور الذي اعتمدته إيران ينص علی هدف تصدير الثورة. وتبعاً لذلک دأبت إيران علی دعم جماعات العنف المتطرفة، بما فيها حزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن، والميليشيات الطائفية في العراق. وقد وُجِّهت أصابع الاتهام إلی إيران أو وکلائها فيما يتعلق بهجماتٍ إرهابيةٍ ارتُکبت في شتی أنحاء العالم، بما في ذلک تفجير ثکنات قوات المارينز الأمريکية في بيروت عام 1983، وتفجير أبراج الخبر في المملکة العربية السعودية عام 1996، والاغتيالات في مطعم ميکونوس في برلين عام 1992. واستناداً إلی بعض التقديرات، فإن القوی المدعومة من إيران قتلت أکثر من 1100 فرد من أفراد القوات الأمريکية في العراق منذ عام 2003.
 
وتستخدم إيران الاعتداء علی مقار البعثات الدبلوماسية أداة لسياستها الخارجية. ولم يکن الاستيلاء علی السفارة الأمريکية في طهران عام 1979 سوی البداية. ومنذ ذلک الوقت تعرضت سفارات بريطانيا والدانمرک والکويت وفرنسا وروسيا والمملکة العربية السعودية داخل إيران وخارجها لاعتداءات علی يد وکلاء إيران. وتم اغتيال دبلوماسيين أجانب ومعارضين سياسيين محليين في شتی أنحاء العالم.
 
ويعمل حزب الله، وکيل إيران، علی بسط سيطرته علی لبنان ويخوض حرباً ضد المعارضة السورية وهو بهذا يساعد علی تقوية الدولة الإسلامية. ولا يخفی علی أحد لماذا تريد إيران أن يبقی الرئيس السوري بشار الأسد في السلطة: فوزارة الخارجية الأمريکية، في تقريرها لعام 2014 عن الإرهاب، ذکرت أن إيران تعتبر سوريا “طريقاً معبّداً حاسماً لتمرير إمدادات أسلحتها إلی حزب الله”. وبالاستناد إلی بيانات الأمم المتحدة ذکر التقرير أيضاً أن إيران قدمت الأسلحة والتمويل والتدريب “دعما للقمع الوحشي الذي يمارسه نظام الأسد والذي أدی إلی مقتل 191000 فرد علی الأقل.” ونفس التقرير، لعام 2012، نوه بحدوث “تصاعد ملموس في رعاية إرهاب الدولة من جهة إيران،” حيث بلغت الأنشطة الإرهابية لإيران وحزب الله “مستويات لم تُعرف منذ التسعينات.”
 
وفي اليمن، تسبب دعم إيران لاستيلاء ميليشيا الحوثيين علی البلد في اندلاع الحرب التي أودت بحياة الآلاف.
 
ولئن کانت إيران تدعي أن الأولوية العليا لسياستها الخارجية هي الصداقة، فإن سلوکها يبين أن العکس هو الصحيح. فإيران تشکل الطرف الأشد ضلوعاً في الاقتتال في المنطقة، وإن أعمالها تُظهر، من ناحية، التزاماً بفرض الهيمنة الإقليمية، وتُظهر، من ناحيةٍ أخری، اعتقاداً راسخاً بأن إبداء بوادر المصالحة دليل علی الضعف، سواء من جانب إيران أو من جانب خصومها.
 
وفي السياق ذاته أجرت إيران في العاشر من شهر أکتوبر/ تشرين الأول تجربة علی قذيفة تسيارية (بالستية)، بعد أشهر قلائل من التوصل إلی اتفاق بشأن برنامجها النووي، في خرق لقرارات مجلس الأمن الدولي. وفي شهر ديسمبر/ کانون الثاني، أطلقت سفينة عسکرية إيرانية قذيفة بالقرب من السفن الأمريکية والفرنسية في المياه الدولية، وحتی بعد التوقيع علی الاتفاق النووي دافع المرشد الأعلی لإيران، آية الله علي خامنئي، عن الشعار الذائع الصيت للبلد: “الموت لأمريکا.”.
 
إن المملکة العربية السعودية لن تسمح لإيران بتقويض أمننا أو أمن حلفائنا. وسنقف سداً منيعاً في وجه المحاولات الرامية إلی ذلک.
 
وتسعی إيران، بأکاذيبٍ مستهجنةٍ، إلی تجريم وإهانة جميع السعوديين بالقول إن بلادي، حاضنة الحرمين الشريفين، تغسل أدمغة الناس لنشر التطرف. إننا لسنا البلد الذي وُصف بأسم دولة راعية للإرهاب؛ وإيران هي ذلک البلد. ونحن لسنا البلد الخاضع للجزاءات الدولية عن دعم الإرهاب؛ وإيران هي ذلک البلد. ونحن لسنا البلد الذي أُدرجت أسماء مسؤوليه علی قوائم الإرهاب؛ وإيران هي ذلک البلد. ونحن ليس لدينا عميل حکمت عليه محکمة نيويورک الاتحادية بالسجن 25سنة عن التآمر لاغتيال سفير في واشنطن في عام2011؛ وإيران هي التي لديها عميل محکوم عليه.
 
المملکة العربية السعودية کانت ولا تزال ضحية للإرهاب، في الأغلب علی يد المتحالفين مع إيران. وبلدنا يقف في الخطوط الأمامية للحرب علی الإرهاب، ويعمل عن کثب مع حلفائنا. وقد اعتقلت المملکة العربية السعودية آلاف المشتبه في ضلوعهم في الإرهاب، وحاکمت مئات منهم. وإن الحرب التي نخوضها علی الإرهاب ستستمر إلی جانب قيادتنا للجهود الدولية المتعددة الأطراف الرامية إلی تعقّب المشترکين في الأنشطة الإرهابية، ومن يمولونهم، ومن يسممون العقليات التي تشجع علی التطرف.
 
السؤال الذي يجب أن يُطرح هو هل تريد إيران أن تتقيد بقواعد النظام الدولي أم أنها تريد أن تظل دولة ثورية ملتزمة بالتوسع وبانتهاک القانون الدولي؟ إننا، في نهاية المطاف، نريد إيران التي تعمل علی حل المشاکل بطريقةٍ تتيح للناس أن يعيشوا في کنف السلام. لکن ذلک يتطلب تغييرات کبيرة في السياسة الإيرانية والسلوک الإيراني. وإننا لم نرَ ذلک بعد.
 
 
عادل بن أحمد الجبير، وزير خارجية المملکة العربية السعودية.

 

زر الذهاب إلى الأعلى