العالم العربيمقالات

متی سيدفع الأسد ثمن جرائمه وجرائم والده؟!

 

الشرق الاوسط
16/2/2017
 

بقلم:صالح القلاب


من المؤکد أن منظمة العفو الدولية لو سُمح لها بالتدقيق فيما ارتکبه نظام بشار الأسد من مذابح متنقلة منذ انفجار الثورة السورية في عام 2011 وحتی الآن لاکتشفت أنَّ هذا البلد الذي ابتلي بهذا النظام، إنْ في عهد «الوالد» وإنْ في عهد «الولد»،
أصبح کله عبارة عن مسلخ بشري کبير أُزهقت فيه أرواح مئات الآلاف من السوريين، وإنَّ سجن صيدنايا العسکري، الذي شهد مذابح جماعية بالشنق وبالإعدامات الميدانية ومن دون أي محاکمات، يشکل نقطة في بحر، وأنه إذا سُمح لهذه «المنظمة» بتقصي حقائق الأمور فإنها ستکتشف عشرات السجون السرية التي أُزهقت فيها أرواح عشرات… لا بل مئات الآلاف من أبناء الشعب السوري الذين جری اعتقالهم عشوائيًا، ووفقًا لانتماءاتهم الجهوية والمذهبية والطائفية.
والواضح، لا بل المؤکد، أن نظام بشار الأسد لن يستجيب لطلب منظمة العفو الدولية هذه ويفتح أبواب سجن صيدنايا للمراقبين الدوليين ليطلعوا علی أوضاع المعتقلين في هذا السجن ويتأکدوا من حقيقة إزهاق أرواح ثلاثة عشر ألفًا من نزلائه المدنيين في الفترة بين عام 2011 وعام 2015 فهذا سيکون بداية الخيط، کما يقال، لاکتشاف أن سوريا کلها قد تحولت خلال نحو نصف قرن من حکم «الوالد» و«الولد» إلی ساحة إعدامات کبيرة، وأن هناک سجونًا سرية داخل المدن السورية وفي معسکرات «الجيش العربي السوري»!! قد شهدت أبشع کثيرًا مما شهده هذا السجن العسکري في هذه المدينة التاريخية الجميلة.
تقع صيدنايا هذه المدينة الصخرية الجميلة علی بعد نحو ثلاثين کيلومترًا شمال غربي العاصمة دمشق في سلسلة جبال القلمون، ويبدو أنها أخذت هذا الاسم الذي يعني «صيد الغزالة» إما من الفينيقيين الذين يطلقون علی ما يعتبرونه صيدا اسم «صيدون»، أو من الآراميين الذين تقول أساطيرهم إن غزالة تم اصطيادها في هذا المکان قد تحولت إلی امرأة جميلة أقيم لها نصب بقي لفترة طويلة قبل أن تتم إزالته ولأسباب غير معروفة.
والواضح أن هذا النظام الذي «طرَّز» أرض «القطر العربي السوري»، حسب مصطلحات حزب البعث، بالمعتقلات والسجون العلنية والسرية قد اختار هذا المکان الجميل لإنشاء واحد من أبشع سجونه العسکرية لإبعاد الشبهات عن نفسه وليمارس جلاوزته وجلادوه هواياتهم الدموية بعيدًا عن عيون الفضوليين وعيون مراقبي الهيئات الدولية، الذين يقال إنهم تمکنوا من الحصول علی مئات التقارير والأدلة والصور أيضًا عن هذا المسلخ البشري وعمّا جری فيه خلال الفترة من عام 2011 وحتی عام 2015.
والمهم أن هذا النظام، الذي ينطبق عليه ذلک المثل القائل «إن من في بطنه حمصًا لا يستطيع النوم»، وأيضًا ذلک المثل القائل «کاد المريب يقول خذوني»، قد بادر إلی نفي تقارير منظمة العفو الدولية عن هذا السجن الذي أصبح، مثله مثل کثير من السجون السورية المعروفة وغير المعروفة، مسلخًا بشريًا بل اتهم هذه المنظمة بأنها تنفذ «أجندات» جهات «إمبريالية» معادية لسوريا، التي حسب وصفه وادعائه، تشکل القلعة المتقدمة في مواجهة «العدو الصهيوني»!!
في کل الأحوال تجدر الإشارة هنا إلی أن هذا السجن قد بدأ يتحول إلی مسلخ بشري بعد عصيان قام به سجناؤه في عام 2008، وحيث قامت الشرطة العسکرية (الأسدية)، إمعانًا منها في إهانة هؤلاء السجناء، الذين کان ينتمي بعضهم إلی جماعة الإخوان المسلمين، بتمزيق نسخ القرآن الکريم التي وجدوها مع هؤلاء النزلاء و«الدوس» عليها بالأحذية، والعياذ بالله، وهکذا فقد أصبح معتقل صيدنايا مکانًا للمذابح الجماعية والتفنن في تعذيب أبناء الشعب السوري.
وهنا، فإن ما يجب أن يقال إن تاريخ هذا النظام هو تاريخ سلسلة مذابح متلاحقة، أولها مذبحة حماه الأولی في عام 1964، ثم بعد ذلک «کرَّت المسبحة»، کما يقال، فکانت مذبحة تدمر حيث بادر رفعت الأسد، بعد يوم من محاولة فاشلة لاغتيال شقيقه حافظ الأسد، لنقل مائة من الجنود والضباط من منتسبي ما کان يسمی «سرايا الدفاع» بالطائرات المروحية التي بلغ عددها 12 طائرة إلی مطار تدمر، الذي يحتله الآن تنظيم داعش الإرهابي، ومن هناک بدأ الهجوم علی سجن هذه المدينة الصحراوية وتم قتل نحو ألف من نزلائه عشوائيًا برصاص البنادق الرشاشة وبالقنابل اليدوية، حيث تم دفن جثامينهم في حفر کانت أعدت سلفًا في وادٍ يقع إلی الشرق من هذه البلدة التاريخية.
ولعل ما هو معروف أن سنوات بدايات عقد ثمانينات القرن الماضي کانت سنوات قلاقل وعدم استقرار ومذابح، وأن مذبحة مدرسة المدفعية في حلب في عام 1979 التي قتل فيها عدد من الطلبة العسکريين غالبيتهم من الطائفة العلوية کانت بداية لسلسلة طويلة من المجازر المتلاحقة أبشعها مجزرة حماه التي قاد حملتها أيضًا رفعت الأسد في فبراير (شباط) 1982، وأسفرت حسب التقديرات عن مقتل أربعين ألفًا من أبناء هذه المدينة.
لقد جری هدم ثمانية وثمانين مسجدًا، وثلاث کنائس، وهروب مئات الآلاف من أهل حماه، وتجدر الإشارة هنا إلی أنني عندما کنت، إضافة إلی عملي في القسم العربي والدولي في صحيفة «السفير» اللبنانية التي توقفت عن الصدور الورقي قبل نحو ثلاثة أسابيع، وللأسف، أعمل مراسلاً لمجلة «المجلة» اللندنية، قد حصلت علی بعض صور ما حدث في هذه المدينة من أحد مراسلي إحدی الصحف الغربية الکبری الذي قال لي إنه حصل عليها من مراسل وکالة الصحافة الفرنسية، وهکذا فقد کانت «المجلة» هي المطبوعة العربية الوحيدة التي نشرت عددًا من صور تلک المذبحة البربرية البشعة.
إن السکوت عن حافظ الأسد وإغماض العيون عن سلسلة الجرائم التي ارتکبها حتی قبل تسلمه الحکم في عام 1970، وأولها جريمة الحکم علی سليم حاطوم بالإعدام بعد محاکمة لم تستمر إلا لدقائق معدودات، وجريمة اغتيال محمد عمران (العلوي) الذي کان رئيسًا للجنة العسکرية (السرية) التي تشکلت في القاهرة خلال الوحدة المصرية – السورية، واغتيال أکثير من الزعامات اللبنانية التي بينها القائد (العروبي) کمال جنبلاط، قد شجع ابنه بشار الأسد الذي انتهی إليه الحکم بضربة حظٍ، کما يقال، علی ارتکاب تلک الجرائم التي ارتکبها في لبنان، والتي استکملها بالجرائم التي ارتکبها بعد انتفاضة عام 2011 في سوريا، ومن بينها جريمة سجن صيدنايا العسکري، هذه الآنفة الذکر التي لا تزال التحقيقات الدولية بشأنها مستمرة ومتواصلة.
وهنا، فإن المشکلة أن الروس، الذين بادروا إلی وضع العصي في دواليب لجنة المعارضين الذين سيذهبون إلی «جنيف4» قد انحازوا إلی بشار الأسد في هذه المواجهة أيضًا بوصف تقارير منظمة العفو الدولية بأنها «استفزازية»!! مما يعني أنهم ما زالوا يواصلون حماية هذا الرجل الذي من المفترض ألا يبقی خارج قفص الاتهام ولو للحظة واحدة، وعلی غرار ما حصل مع بعض جنرالات يوغوسلافيا الذين انتهوا إلی محکمة الجنايات الدولية.
وهکذا، وفي النهاية فإنه لا بد من التساؤل: هل الروس يا تری ما زالوا يراهنون علی بشار الأسد علی أساس أنه يمثل مستقبل سوريا، أم أنهم قد وصفوا تقارير منظمة العفو الدولية بهذا الوصف الآنف الذکر؛ لأنهم ما زالوا يعيشون هواجس المذابح التي ارتکبوها في غروزني الشيشانية؟!.

 

زر الذهاب إلى الأعلى
منظمة مجاهدي خلق الإيرانية - أرشیف
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.