اليمن بعد العبور الإيراني

الجزيرة نت
9/10/2014
من الصعب أن يُحصي الکاتب والمراقب العربي کل دروس المشهد الذي استيقظت عليه صنعاء صبيحة 22 من سبتمبر/أيلول الماضي بعد اکتمال احتلالها من الحرکة الحوثية التي أعيدت صناعتها أيديولوجيا وسياسيا وعسکريا عبر مشروع ولاية الفقيه الإيراني.
جاء ذلک بعد أن عجزت طهران أن تخترق حالة الوحدة الإسلامية والتضامن والوحدة الوطنية والوئام المدني الذي جمع الشافعية والزيدية في هوية وطنية عربية وإسلامية جامعة، فکان من ضرورات المشروع السياسي للزحف الإيراني خلق بؤرة أيديولوجية کاملة تحمل مشروع العبور الشامل الذي أسقط صنعاء في قبضة طهران.
وهذه الدروس ليست مرتبطة فقط بقدرات النفوذ الإيراني لکن بعناصر عديدة اجتمعت معه وهيّئت لهذا الاحتلال، أبرزها بلا شک تغيّر الموقف في محور خليجي من رفض مشروع إيران في اليمن نحو القبول بتقدمه، وربما لم يتوقع هذا المحور ما وصل إليه تفصيليا هذا التقدم ولکن المحور الخليجي اتخذ مسارا يعزز إقصاء الإسلاميين کقوة رئيسية للثورة التي أطاحت بنظام الرئيس صالح ولو أمام الحوثيين.
“ولا شک أن حضور قوات محسوبة علی علي عبد الله صالح وشخصيات سياسية عديدة موالية له في النظام السياسي بعد الإطاحة به، کان له دور کبير في تعزيز إسقاط صنعاء، لکنّ هادي ساهم بمواقفه وخطاباته المنهارة في خدمة مشروع إسقاط صنعاء”
والواقع أن حسابات اللحظات الأخيرة لتقدم الحوثيين الشامل وحسمهم العسکري وتأميمهم لمواقع الجيش ومخزونه العسکري واختراق بنية الدولة بالکامل وتوجيهه لمصلحة الزحف الإيراني، کانت خارج حسابات المحور الخليجي الذي استيقظ اليوم علی واقع جديد لليمن المحتل بذات القوات التي خاضت حرب دخان ضد السعودية، وبذات العقيدة الأيديولوجية، وضمن مسار الصفقة المرکزية لطهران مع الأميرکيين.
ولا شک أن حضور قوات محسوبة علی علي عبد الله صالح وشخصيات سياسية عديدة موالية له في النظام السياسي بعد الإطاحة به، کان له دور کبير في تعزيز إسقاط صنعاء لکنّ الجانب اللوجستي والعملياتي المهم کان موقف الرئيس هادي بذاته، الذي حول استشعاره للموقف الخليجي والدولي إلی برنامج عمل واسع صب في خدمة مشروع إسقاط صنعاء.
فقد شکلت خطوات الرئيس هادي وخطاباته المنهارة وتوسلاته للحوثي موقفا ورسالة فهمتها مؤسسات الدولة وقيادات الجيش علی أنها إيمان منه بأن ما يجري صراع حوثي إيراني مع الإسلاميين اليمنيين والثورة المدنية وليست مشروع احتلال شامل.
وسواء بقي هذا الاحتلال بصورته الحاضرة کمليشيات عابرة للطرق تخضع لها الدولة والمؤسسات، أو تم تقنينه کاستنساخ أشمل لتجربة حزب إيران اللبناني بحکم أن الذراع اليمني اليوم لإيران تهمين علی الدولة ومرکزها، بقدرات أکبر من ذراعها في الضاحية الجنوبية، ففي کل الأحوال خدمت مواقف الرئيس هادي وبعض أرکان فريقه وخاصة وزير الدفاع هذا المشروع وساعد خطابه وقرارته المرتجفة المتأخرة إيران علی بسط هيمنتها علی صنعاء.
يبدو کما قدمنا أنّ المحور الخليجي لم يحسب حسابه لهذا المستوی من السقوط، وبغض النظر عن التقييم المجمل لموقف حزب الإصلاح في الساعات الأخيرة من تمکين الحوثي من صنعاء، فإن هذا الموقف يبدو أنه أحدث مساحة فراغ في تصور عناصر الحکم التي هيأت لاجتياح الحوثي.
والمقصود أن ضجيج الحرب الأهلية التي تقدم بها الحوثيون علی أساس طائفي لتصفية حزب الإصلاح، -وإشعال معارک حربية بين المدارس الإسلامية وبين الحرکة الحوثية الإيرانية- اصطدم بقرار الحزب منع هذه الحرب وسحب مقاتليه الذين أصر الرئيس هادي سابقا علی بقائهم في معسکراتهم! في حين أمر قوات السيادة العسکرية في الجمهورية بتسليم مواقعها للحوثيين.
وما فعله حزب الإصلاح أنقذ اليمن من حرب دينية شرسة، وعزز سيرته مع الثورة اليمنية وتاريخ نهضة اليمن الفکري منذ إسقاط الحکم الإمامي الذي يعود اليوم إلی اليمن بصيغة إيرانية طائفية مختلفة أشد تطرفا، لکن مخاوف الحرب الأهلية أو الفوضی الشاملة التي هيأت لها حسابات محلية وإقليمية سياسية متعددة واتهامات خيانة أطلقها ضباط في القوات المسلحة لشخصيات کبری مع الرئيس هادي بعد نهب الحوثيين لمخازن سلاح الدولة، لا تزال قائمة.
وبالنسبة لإيران ما جری هو جزء من الصفقة ومقدمات لتحالفها مع واشنطن في حرب “داعش”، وما تحقق من اختراقا لحسابات المحور الخليجي المناهض لإسلاميي اليمن هو جزء من مکاسب إيران التي تبني عليها اليوم ولاية أخری من ولايات الفقيه ومشروعه المرکزي في المنطقة.
“کيف سيعود تنظيم الجيش اليمني بعد مصادرة مخزون سلاحه وانهيار شخصية قائده العام في قلب ميدان الواجب العسکري؟ وکيف يعاد تنظيم الولاء الوطني للجيش بعد اختراق الحوثي، والأموال التي ضختها طهران للمشروع أو نهبها الحوثيون؟ “
وعليه فإن اليمن اليوم -الذي کُشف ظهره خليجيا ولعبت به حسابات الرئيس هادي وبعض طبقته السياسية ومشروع الانتقام لعلي صالح، وما أسفرت عنه صراعات المصالح لقبائل وقوی متعددة- يواجه واقعا جديدا، ينهي فصل المزايدات ويضع الجميع أمام سؤال مفصلي: اليمن.. الدولة والتاريخ؟ أم اليمن.. ذراع ولي الفقيه.
کيف سيعود تنظيم الجيش والقوات المسلحة في اليمن بعد مصادرة مخزون سلاحها وانهيار شخصية القائد العام للقوات المسلحة في قلب ميدان الواجب العسکري؟ وکيف يعاد تنظيم الولاء الوطني للجيش بعد اختراق الحوثي، والأموال التي صبتها طهران للمشروع أو نهبتها حرکة الحوثي وأعادت تدويرها؟ أسئلة لا يوجد لها جواب اليوم.
وهل غياب هذه القوات المسلحة سيجعل البديل تحالف عشائر وقوی وطنية من داخل الثورة ومن المجتمع المدني العام يضغط علی الحوثي لينسحب من صنعاء؟ فوثيقة جمال بن عمر الذي قدّم ما يستطيع کموفد أممي مخلص لليمن وعروبته ووحدته، ليست سوی حبرا علی ورق، فالحوثيون لا يرونها إلا محطة استراحة وتمرير لتقدمهم العسکري والسياسي، والطرف الموقّع معهم في حالة عجز وثقة متدنية من الشعب اليمني والقوی الوطنية.
ومن الصعب تصوّر أي تجاوب للحوثيين دون ضغط. وما بين الضغط المکلف إنسانيا ووطنيا، والخطير علی مستقبل اليمن ووحدته، وبين الحبل الذي ترک علی الغارب حتی تمکن الحوثي من إسقاط صنعاء، يبدو اليمن في وضع صعب لا يمکن الخروج منه دون قدرات علی الأرض تُجمّع القوی الوطنية وتعيد إنشاء قيادة القوات المسلحة خارج صنعاء. ومع مسؤولية الرئيس هادي الکبيرة عما جری إلا أن فراغ ترکه للسلطة يحمل مخاطر أکبر، هذا إذا لم يقرر الحوثيون ترحيله ونفيه فهم اليوم من يملک قرار خروجه إلی الشارع المجاور له.
کن حسابات إيران في اليمن لن تکون صحيحة، فاليمن عصي لطبيعة خريطته الاجتماعية، ومشاعر أهله الوطنية ضد الاحتلال الإقليمي کما الغربي، وخاصة أن هذا الاحتلال لا يحتل الأرض وحسب بل العقل، لتسکنه الخرافة التي قاومها المثقف اليمني، وتحتل الداخل الاجتماعي الوطني حيث تفتت العلاقات الإنسانية، وتبقی مخرجات الحوار الوطني المشروع الانتقالي الأسلم، لکنه مشروع بلا قوة ولا أسنان، وهو ما يجعل إمکانية تطبيقه مستحيلة اليوم.
لکن حين تشعر إيران التي اتخذت القرار الأخير لإسقاط صنعاء بفداحة التکلفة لبقاء صنعاء تحت احتلالها، فقد تدفع ذراعها اليمني إلی القبول بتسوية، أمام عودة وضغط القوة الوطنية للدولة والشعب، ومع بقاء مصالح مؤکدة للحوثيين لن تتخلی عنها إيران، وحينها فإن مهمة الحرکة الوطنية اليمنية ستکون في تحقيق حلم الشعب اليمني بالدولة المدنية الحرة والمستقلة لشعبها وسيادتها، وستکون حينئذ في معبر انتقالي متدرج يُحيّد أطراف کل هذه الصفقة القذرة التي توحدت علی ذبح اليمن.







