العالم العربيمقالات
خان شيخون: «ضربة الرعب» لتهجير أهل إدلب

الشرق الاوسط اللندنية
13/4/2017
بقلم:صالح القلاب
13/4/2017
بقلم:صالح القلاب
رغم کل هذه الضجة التي أحدَثَها استهداف نظام بشار الأسد، بتنسيق مع الإيرانيين، بالتأکيد، لبلدة خان شيخون «الإدلبية» وبالأسلحة الکيماوية المحرمة دولياً،
فإن ما يدعو إلی التساؤل هو أنه لم يتم التوقف عند دوافع اختيار هذه البلدة بالذات، وعند أسباب استخدام هذا النوع من الأسلحة الفتاکة التي مجرد ذکر اسمها يصيب المستمعين بالذعر… وأيضاً عند المقصود من مهاجمة الناس وهم نيام، بحيث کانت الإصابات المخيفة والمرعبة الأکثر بين الأطفال الذين تناقلت صورهم کل وسائل الإعلام العالمية.
والمعروف أن استخدام أسلحة الدمار الشامل هذه، التي يُعتَبَر استخدامها جرائم حرب تقتضي ملاحقة دولية، قد تکرَّر في سوريا، وأکثر من مرة علی مدی الستة أعوام الماضية، منذ انفجار الانتفاضة السورية في عام 2011، من بينها استهداف أکثر من منطقة في غوطة دمشق، وقد ثبت أن الهدف هو إرغام سکان هذه المناطق تحت ضغط الرعب الشديد علی الرحيل عنها، والانتقال إلی منطقة إدلب التي تحوَّلَت إلی مستودع کبير لأبناء الطائفة السنية، الذين أُجبروا علی مغادرة مناطقهم في إطار مؤامرة التغيير السکاني (الديموغرافي) التي باتت واضحة ومعروفة ولا يستطيع أي شخص کان إنکارها، حتی بما في ذلک الروس الذين، وللأسف، کانوا شرکاء في هذه الفعلة وأخری مماثلة کثيرة، إن في حلب، وإن في حمص، وإن في الفيجة والمناطق المتاخمة للحدود اللبنانية.
ولعل ما يثير المزيد من التساؤل والمزيد من الاستغراب أن کل هذا الذي حدث في خان شيخون وفي قاعدة الشعيرات الجوية العسکرية قد حدث بينما يشرف الروس علی عملية التفريغ السکاني وتهجير أهل «حمص الوعر» من بيوتهم ومناطقهم، ونقلهم تحت ضغط التهديد والوعيد وبالقوة إلی منطقة إدلب، وتحت أنظار العالم کله، وبينما هناک کل ذلک الصمت المريب الذي تلوذ به الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، وتلوذ به الأمانة العامة للأمم المتحدة.
کان يجب، عندما بدأت عمليات التهجير القسري التي استهدفت أساساً المناطق المحيطة بالعاصمة دمشق ومدن وقری ما سماه نظام بشار الأسد «سوريا المفيدة»، وبمعرفة الروس والإيرانيين بالتأکيد بهذه الـ«سوريا المفيدة»، أن تتحرک الجامعة العربية والأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي لوقف هذه الجرائم الإنسانية، فاقتلاع الناس من بيوتهم ومن مدنهم وقراهم ومناطقهم محرم دولياً، ويُشبِه ما فعلته إسرائيل بأبناء الشعب الفلسطيني إن خلال حرب عام 1948، وإن خلال حرب يونيو (حزيران) عام 1967 وبعد ذلک.
لماذا کل هذا الصمت المريب، خصوصاً من قِبَل الدول الکبری الفاعلة کالولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وأيضاً من قبل الجامعة العربية إزاء هذه الجريمة، التي سيأتي اليوم الذي ستُعتَبَر فيه جريمة هذا العصر، وهي جريمة سيسجل التاريخ أن روسيا الاتحادية، الدولة التي لم تتوقف عن الصخب والحديث عن القيم الإنسانية وحق الشعوب في تقرير مصائرها في أوطانها، قد بقيت، تتعامل مع الکيانات والجمهوريات الإسلامية المنضوية في الاتحاد الروسي کدولة استعمارية محتلة؟!
والمستغرَب أن عمليات الإخلاء والتهجير المتواصلة هذه التي لم تتوقف حتی بعد جريمة خان شيخون، وبعد الرد الأميرکي في قاعدة «الشعيرات»، لم تستدعِ من قبل الأمم المتحدة ولا من قبل الجامعة العربية ولا من قبل أي من الدول الکبری الفاعلة، ولو إصدار مجرد بيان تنديد وشجب… ولو مجرد تساؤل، وبأسلوب صحافي، عن أسباب ومسببات هذه العمليات التي لم يعد هناک أدنی شکٍّ في أنها تتم من قبيل التهيئة لإتمام مؤامرة ما سماه «نظام بشار الأسد»، وبمعرفة الروس وتخطيطهم، ومشارکتهم… «روسيا المفيدة».
والمهم وبالعودة إلی التساؤل عن الدافع الحقيقي لاستهداف خان شيخون بالأسلحة المحرَّمَة دولياً وبکل هذا العنف ومباغتة أهل هذه البلدة الآمنة في ساعات الصباح الأولی، فإن الواضح، إلاّ لمن لا يريد أن يعرف أي حقيقة عن هذه الجريمة المنکَرَة حقاً، أنَّ المقصود هو زرع الرعب في قلوب أهل وسکان هذه المنطقة، أي منطقة إدلب، التي بعد عمليات التهجير والتغيير السکاني (الديموغرافي) التي لا تزال مستمرة ومتواصلة، أصبحت «مستودعاً» کبيراً للذين جری نقلهم وبالقوة وبمشارکة روسية لا يمکن إخفاؤها من المناطق المحيطة بدمشق العاصمة، ومن مدن ومناطق «سوريا المفيدة»، وهؤلاء کلهم من أبناء «الطائفة» السنِّيّة، وتوطين إيرانيين وأفغان من الطائفة الشيعية مکانهم… وهذا مُعلَن ومعروف ولا يخجل منه حتی بشار الأسد نفسه ولا حتی هذا النظام الذي يعتبر نفسه نظام حزب البعث صاحب شعار «أمة عربية واحدة… ذات رسالة خالدة»!!
وهنا فإن المؤکد، لا، بل والواضح، أنَّ مؤامرة هذه الـ«سوريا المفيدة» تشمل منطقة إدلب أيضاً التي من المعروف أنها «استراتيجية»، بسبب موقعها وإطلالتها علی شواطئ البحر الأبيض المتوسط وقربها من أماکن القواعد الروسية القديمة والجديدة، وهذا يعني أن دور هذه المنطقة بالتهجير والتفريغ السکاني سيأتي، وقريباً، وذلک إن لم تتغير موازين القوی التي بقيت سائدة منذ الغزو العسکري الروسي لهذا البلد العربي، وإنْ لم يستکمل الأميرکيون ضربة مطار «الشعيرات» بما سيجبر الإيرانيين علی مغادرة هذه الدولة العربية ويلزم الروس، إنْ هم أرادوا الحفاظ علی مصالحهم وقواعدهم، بالتخلي عن هذا النظام نهائياً، وأن يدعموا تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2254 والمرحلة الانتقالية التي لا وجود لبشار الأسد فيها ولا في مستقبل سوريا.
إن الثابت حتی الآن أن الروس لن يقبلوا، بل لن يسمحوا، وهذا إنْ استمرت موازين القوی علی ما هي عليه الآن، وإنْ لم تصبح هذه الإدارة الأميرکية أکثر حزماً وحسماً، بأن تکون منطقة إدلب المتاخمة لشواطئ «المتوسط» الشمالية الشرقية جزءاً من الدولة «السنية» المقابلة لدولة «سوريا المفيدة». وهنا، فإن المفترض أنه معروف أن روسيا لم تأتِ إلی هذا البلد من أجل بشار الأسد، ولا من أجل نظامه، بل لتکون قريبة من حقول النفط المتوسطية إن في سوريا وإن في قبرص وإن في لبنان وإسرائيل وغزة… وأيضاً في مصر.
إن الروس الذين تمکَّنوا حتی الآن من احتواء نفط قبرص يعتبرون أن هذه المسألةَ مسألةُ حياة وموت… ولذلک فإنهم هُمْ من خَطَّط لما حصل لتفريغ منطقة إدلب من أهلها الأساسيين، ومن الذين تم تهجيرهم إليها في عمليات التفريغ «الديموغرافي» المستمرة والمتواصلة ولتکون جزءاً من «سوريا المفيدة» وليکون نفط شواطئ المتوسط الشرقية في «أمان» وتحت السيطرة الروسية.
لا شک في أن بشار الأسد قد ارتکب هذه المذبحة البشعة ضد أهل خان شيخون وأطفالهم لإثبات «رجولته»!! ولإشعار الشعب السوري، حتی بمن فيه الذين اضطروا لترک وطنهم واللجوء إلی المنافي البعيدة، أنه لا يزال في موقع القوة، وأنه لا يزال قادراً علی استکمال «رسالة» أبيه في القمع والذبح والتشريد، وکما جری في مدينة حماة عام 1982… لکن الهدف الحقيقي لـ«ضربة الرعب» هذه، بالتأکيد، هو حَمْل أهل إدلب کلهم تحت وطأة الخوف الشديد علی مغادرة منطقتهم والهجرة في اتجاه الشمال وصولاً حتی إلی أوروبا، ولتنضم هذه المنطقة إلی «سوريا المفيدة» التي ستکون کلها «القاعدة» الکبری للروس لمراقبة البحر المتوسط الذي بعد کل هذه الاکتشافات النفطية قد يتحول في لحظة «تصادم» مصالح إلی ميدان لحرب کونية جديدة!!. . . . . .







