العالم العربيمقالات

أم المعارک من التنف إلی دير الزور

 

الشرق الاوسط اللندنية
17/6/2018
 
بقلم:راجح الخوري


يوم الأربعاء الماضي کانت «قوات سوريا الديمقراطية» المدعومة من التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، تتقدم علی ثلاثة محاور عند أسوار الرقة القديمة، التي اختارها تنظيم داعش عاصمة لدولته المزعومة، ما يعني ميدانياً أن المعارک ستشتد الآن في وسط الرقة، بعد إکمال السيطرة علی حي الصناعة في المحور الشرقي، والتقدم نحو حي حطين في المحور الغربي، والإطباق علی مصنع السکر وقاعدة «الفرقة 17» العسکرية في المحور الشمالي.

يأتي ذلک بعدما کان النظام السوري قد أعلن نهاية الأسبوع الماضي أنه حقق، بالتعاون مع حلفائه الإيرانيين، تقدماً في الريف الغربي للرقة التي اخترق حدودها الإدارية، وسيطر علی قريتي خربة محسن وخربة السبع، لکن ذلک لا يعني ميدانياً حتی الآن علی الأقل أن قوات «سوريا الديمقراطية» باتت علی أبواب مواجهة مزدوجة مع «داعش» داخل الرقة، ومع قوات النظام المتقدمة من الغرب.

من الرقة إلی دير الزور تمتد ساحة «أم المعارک» التي لن تقرر في نتيجتها مصير النظام وشکل سوريا الجديدة «المفدرلة» علی ما سبق أن اقترح فلاديمير بوتين، بعد أشهر من بداية تدخله العسکري في سوريا أو «دولة الساحل» أو «سوريا المفيدة» التي قد تعني في النهاية الذهاب إلی التقسيم، بل إنها ستقرر عملياً مستقبل التوازنات الاستراتيجية علی المستويين الإقليمي والدولي.

قبل الحديث عن حدود المواجهة الأميرکية الإيرانية الروسية علی مثلث الحدود السورية العراقية الأردنية وحساباتها المستقبلية، يتعين فعلاً وضع علامات استفهام نافرة علی ما أشارت إليه يوم الاثنين الماضي القناة المرکزية لقاعدة حميميم العسکرية عبر «فيسبوک»، عن أن هناک محادثات سرية ناشطة بين الأميرکيين والروس تجري في الأردن، هذا في حين تواکب واشنطن «قوات سوريا الديمقراطية» بالدعم الميداني والغطاء الجوي، وتواکب المدفعية الروسية تقدم قوات النظام وحلفائه من درعا إلی غرب الرقة.

صحيفة «وول ستريت جورنال» نقلت عن مسؤولين أميرکيين بداية الأسبوع أن إدارة الرئيس دونالد ترمب منهمکة في محادثات سرية مع الروس في الأردن هدفها العمل علی إقامة منطقة لتخفيف التوتر في جنوب غربي سوريا، وفي السياق تفيد تقارير دبلوماسية بأن هذه المحادثات بدأت في أبريل (نيسان) الماضي مباشرة بعد زيارة ريکس تيلرسون إلی موسکو، وأن ضباطاً أردنيين يشارکون فيها.

لکن في حين رفضت الخارجية الأميرکية إعطاء أي تفاصيل عن هذه المحادثات، قالت موسکو إن الهدف هو تحديد نقاط أساسية للمرحلة المقبلة في سوريا، والبحث في إمکان توحيد الجهود المشترکة في محاربة الإرهاب المتمثل في «داعش» و«فتح الشام»، أي «جبهة النصرة» سابقاً.
وعندما تعلن موسکو عن أنه تم تحديد عدة مواقع قد تشارک أميرکا وروسيا في شنّ غارات عليها لضرب مواقع الإرهابيين، ومنها الغوطة الشرقية ودرعا وريف حماة الشمالي وإدلب وبعض النقاط في ريف اللاذقية، فإن ذلک يطرح أسئلة عميقة حول معنی ومبررات اتصال سيرغي لافروف نهاية الأسبوع الماضي بندِّه ريکس تيلرسون ليعرب عن معارضة موسکو الشديدة لشن القوات الأميرکية هجمات علی القوات السورية!

تتسع حلقة التناقض عندما نتذکر أن الغارة الأميرکية التي استهدفت رتلاً لقوات النظام وحلفائه، کان يتقدم في اتجاه معبر التنف الاستراتيجي علی الحدود السورية العراقية، حدثت عندما کانت الاتصالات قائمة في عمان بين المبعوث الرئاسي الأميرکي إلی التحالف الدولي بريت ماکغورک، والمبعوث إلی سوريا مايکل رتني من جهة، والمندوبين الروس، بما يعني أن موسکو کانت علی علم بهذه الغارة التي تستنکرها!

يوم الثلاثاء الماضي أعلن وزير الدفاع الأميرکي جيمس ماتيس أن عمليات القصف التي وقعت في الأسابيع القليلة الماضية ضد ميليشيات تدعم النظام السوري «کانت دفاعاً عن النفس»، وأن الولايات المتحدة ستتخذ کل الإجراءات اللازمة لحماية قواتها في سوريا، ويأتي ذلک في سياق مبارزة في رسم خطوط حمر متبادلة بين واشنطن من جهة والنظام السوري وإيران من جهة ثانية، علی خلفية سباق ميداني محموم للسيطرة علی الحدود السورية العراقية، التي تشکّل معابر استراتيجية للإيرانيين.

الغارة الأميرکية علی الرتل العسکري للنظام، کانت تأکيداً عملياً علی ما أعلنه التحالف الدولي من أن تقدم قوات النظام نحو الحدود العراقية يعتبر خطاً أحمر، وأن من غير المسموح الاقتراب من مواقع الجنود الأميرکيين والبريطانيين، الذين يقومون بتدريب فصائل «الجيش السوري الحر» الذي سيملأ الفراغ بعد طرد «داعش» من البادية السورية علی الحدود مع العراق والأردن من منطقة التنف إلی دير الزور.

وعندما يرد النظام السوري علی التحذير الأميرکي بتحذير مماثل، وأنه قد يتصدی لأي قصف أميرکي بضرب مواقع أميرکية، فإن ذلک يعني أن منطقة البادية السورية والمسافة الممتدة من التنف إلی دير الزور تتحول إلی ساحة لصراع کبير لا تستطيع إدارة دونالد ترمب أن تتهاون فيه، ولا يستطيع النظام الإيراني أن يخسره، لکن سيکون طبعاً في استطاعة فلاديمير بوتين أن يستمتع کثيراً بهذا الصراع وبنتائجه المحتملة، ذلک أن المواجهة من التنف إلی الزور ستقرر مصير کثيرين علی المستويين السياسي والاستراتيجي، ففي ظل موقف الرئيس الأميرکي الذي رکّز ويرکّز بشکل خاص علی السعي لضبط إيران وإنهاء العربدة الإيرانية في الإقليم، ليس في وسع واشنطن أن تترک خطوط الإيرانيين مترابطة ومفتوحة لعبور السلاح والمسلحين من العراق إلی سوريا إلی لبنان، في شوقت تقول فيه إيران إنها باتت تسيطر علی أربع عواصم عربية. إن خسارة أميرکا المواجهة هناک ستعني خسارته نقطة حيوية مهمة جداً حول سياسته الخارجية.

وفي المقابل إذا خسر النظام الإيراني ما درج علی تسميته «الهلال الشيعي» الذي يرتسم عبر هذه المعابر، والذي عمل علی إقامته وترسيخه منذ ثلاثة عقود، فإنه سيتراجع وسيعود إلی حجمه الفارسي، وستسقط تباعاً مساحات النفوذ الإقليمي التي کسبها بإثارة المشکلات وبالتدخل السلبي في شؤون الدول الأخری، التي يسعی إلی توسيعها عبر دعم الانقلابيين في اليمن ومحاولة الدخول الآن علی خط الأزمة الخليجية مع قطر!

أمام خريطة الصراع الأميرکي الإيراني علی الحدود السورية العراقية، يجلس فلاديمير بوتين مرتاحاً إلی أن النتائج ستکون لمصلحته في الحالين، فإذا خسر ترمب رهانه علی ضبط إيران، فسيتذکر الإيرانيون دائماً أنهم من دون روسيا کانوا سيواجهون خسارة محققة في سوريا، وإذا خسر النظام الإيراني فإنه سيتراجع ليکون لموسکو حصرية النفوذ في سوريا، خصوصاً أن خسارة الإيرانيين ستأتي علی أيدي الأميرکيين، ما يجعل طهران علی ارتباط أعمق مع موسکو.
السؤال الأهم: ولکن في النهاية ماذا عن خرائط سوريا التي يعکف الأميرکيون والروس علی دراستها في الأردن؟

زر الذهاب إلى الأعلى
منظمة مجاهدي خلق الإيرانية - أرشیف
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.