العالم العربيمقالات
بشار الأسد ولعنة التوريث

الحياة
25/3/2017
بقلم:خالد الدخيل
دأب الرئيس السوري بشار الأسد علی ترديد أسطوانة أنه يحارب «الإرهاب»، ومن ثم فإن أهم شرط للحل في سورية، کما يقول، هو القضاء علی هذا الإرهاب. حسناً، حتی لو افترضنا صحة کلام الأسد ودقته أيضاً، يبقی سؤال: لماذا فشل علی مدی ست سنوات في مواجهة «الإرهاب»، فضلاً عن هزيمته؟ سيقول إن التدخلات الأجنبية هي التي تساعد «هذا الإرهاب» وتمده بأسباب القوة، وتجعل بالتالي من هزيمته أمراً يقترب من الاستحالة.
لکن الأسد، قبل غيره، هو من ينسف رؤيته هذه، لأنه کان له «فضل» السبق في الاستعانة بالتدخلات الأجنبية لمساعدته، وحمايته. بماذا يختلف في هذه الحال؟ يقف الأسد علی هرم سلطة تميزت عبر تاريخها بتوحش ودموية غير مسبوقين في التعامل مع السوريين. ثم إن ضحايا هذه الدموية وذلک التوحش بعد الثورة هم الناس والمدن والأحياء في سورية کلها، وليس «الإرهابيين». بهذا يکون الأسد ونظامه أقرب إلی إرهاب الدولة التي تفتقد شرعية قبول الشعب لها اختياراً لا قسراً. المفارقة بمسطرة کلام الأسد أن الغالبية الساحقة ممن يسميهم بالإرهابيين هي من السوريين، وليست من الأجانب. في حين أن القوات الأجنبية (مقاتلين وميليشيات وعتاداً) التي تقف معه جميعهم من غير السوريين. من الذي يدافع عن سورية، وعن شعبها في هذه الحال؟ لم تأت القوات الأجنبية لحماية الشعب، وإنما لحماية الرئيس من الشعب.
ولا يغير من الأمر شيئاً ادعاء الأسد بأنه إنما استعان بالإيرانيين وميليشياتهم، ثم بالروس باسم الشرعية التي يفترض أنه ونظامه يمثلانها في سورية. فالشرعية التي لا تستطيع حماية نفسها إلا بتدخلات أجنبية، وفي مواجهة مع شعبها، إما أنها ليست شرعية أصلاً، أو أنها فقدت هذه الشرعية بفعل ما اقترفته في حق الشعب، وقادها بالتالي إلی الصدام معه. وإذا کان النظام برئيسه وتاريخه وسلوکياته علی هذا النحو، فإنه يکون المسؤول الأول عن ظهور الإرهاب في سورية کرد فعل علی إرهاب الدولة فيها، واستعانتها بالأجانب علی ذلک.
مأزق بشار الأسد، ومأزق سورية معه، انه انفصل عن الواقع تماماً. ورث هذا الانفصال مع وراثته للنظام. وبالتالي فهو انفصال سابق علی الثورة. في الوقت نفسه هو انفصال واع، وتنکر مقصود بوهم حماية نظام سياسي لا يستطيع اکتساب قبوله من الناس، بل يفرض التعايش معه ومسايرته بأدوات الأمن والرعب والإرهاب. إلی متی تستطيع فرض معادلة أمنية مثل هذه من دون إطار سياسي لها؟ هذه معادلة لا تستقيم من دون معادلة سياسية تسندها وتتکامل معها. لکن متطلب الإسناد والتکامل هذا يفرض تمويه حقيقة النظام، وهي أنه في عمقه نظام علوي، تتمسک عائلة علوية بالهيمنة عليه، في مجتمع کبير غالبيته الساحقة سنية، مع مکونات إسلامية وغير إسلامية أخری. المفارقة القاتلة أن قيادة النظام، خصوصاً في مرحلة الأسد الابن، لم تقدر أن المجتمع السوري لم يکن لديه في الأصل اعتراض جوهري في أن يکون رئيسه علوياً، کما کان أول رئيس حکومة له بعد الاستقلال مسيحياً بروتستانتياً، وهو فارس الخوري. ومرد عدم التقدير هذا يعود لهيمنة ذهنية الأقلوية علی النظام وقيادته. وهو ما يفسر أن انفصال النظام وقيادته عن الواقع انتهی به أنه انفصل عن الشعب، وبات يعتمد في بقائه علی مقاتلين أجانب.
لا يستطيع الأسد والحال کذلک الاعتراف بأنه کانت هناک ثورة، وأن دموية نظامه وتوحشه حتی قبل الثورة، وتحالفاته الأجنبية هي ما فجر هذه الثورة ابتداء. بعد سقوط معادلة التعايش والمسايرة بفعل الخوف، کان لا بد من شماعة الإرهاب. فالاعتراف بالثورة هو اعتراف بنهاية الأسد ونهاية النظام الذي ورثه عن أبيه. وعدم الاعتراف هو الذي أدخل سورية نفق الحرب الأهلية. وهو نفق لا أحد يعرف، وأولهم الأسد نفسه، متی سينتهي.
المدهش، وعلی رغم کل ما حصل ويحصل، أن الأسد يتوهم أن بقاءه هو المخرج من الأزمة، بل والمخرج الوحيد. يريد أن يبقی علی جماجم الناس وآثار مدنهم وقراهم التي دمرها فوق رؤوسهم. هل هذا ممکن؟ لم يعد لمثل هذا السؤال أي معنی الآن، خصوصاً أن الأسد لا يزال مصراً علی الإيغال في النهج الدموي المدمر، وتطبيق مبدأ العقاب الجماعي علی السوريين الذين يريد البقاء رئيساً لهم. يتوهم إمکان إعادة عقارب الساعة إلی ما قبل الثورة وکأن شيئاً لم يکن. بالمنطق ذاته يتظاهر بأنه لم يفقد السيطرة علی مجريات الحرب، وما ستفرضه من حلول ومخارج سياسية. والحقيقة أن جيشه الذي کان يعرف بـ «الجيش العربي السوري» فقد بفعل الانشقاقات، وبتحالفه مع المقاتلين والميليشيات الأجنبية، بنيته وعقيدته الوطنيتين. تحول إلی ميليشيا أخری من دون عقيدة، ومن دون معنويات يحفزها هدف وطني.
وسط غابة الميليشيات والمقاتلين فقدت هذه الميليشيا حتی قدرتها وربما الحافز لحماية الأسد. هذا ما يقوله الروس علناً، ويقوله الإيرانيون خلف الکواليس. هل إنکار الأسد لکل ذلک انفصال واع، أم غير واع عن الواقع؟ الأرجح أن قسوة الحرب الأهلية ومراراتها، وانتقال السيطرة إلی الأجانب جعلت من الأمر لدی الرئيس خليطاً من هذا وذاک. الرجل يقاوم السقوط. يعرف أن المقاتلين الأجانب هم الحاجز الوحيد، وليس الشعب السوري، بينه وبين هذا المآل. يحاول الهروب من قدر أنه سيکون أول وآخر وريث لحکم أبيه. إن قدر له أن يعيش سيدرک الأسد أن توريث السلطة له بتوقيتها، وبالطريقة التي تم بها، وللهدف الذي تم علی أساسه کان لعنة علی شکل عملية سياسية. أضعف التوريث الدولة السورية، وأدخلها لعبة طائفية ومذهبية علی مستوی المنطقة وهي لعبة خاسرة للنظام السوري تحديداً. جاءت الثورة لتکشف کل ذلک، خصوصاً لفقده حکمة التعامل معها. ولأن الوريث کان من دون تاريخ أو تجربة، تفاقمت حال الضعف. لجأ إلی إيران و “حزب الله” لتعويض ذلک، فأصبح أول رئيس سوري، بل أول رئيس عربي يرهن بقاءه لميليشيا أجنبية بعد أن کانت هذه الميليشيا تعتمد في بقائها علی سورية.
* کاتب وأکاديمي سعودي
* کاتب وأکاديمي سعودي







