العالم العربي
حصار مضايا والزبداني والمعضمية ذروة الکارثة الإنسانية السورية

الشرق الاوسط
8/1/2016
8/1/2016
تخطت المأساة الإنسانية التي تشهدها بلدتا مضايا والزبداني کل الحدود، وبلغت حدًا غير مسبوق من الموت جوعًا بفعل حصار القتل والتجويع الذي يفرضه النظام السوري و«حزب الله» عليهما منذ ستة أشهر، لدرجة أن الناس أکلت أوراق الشجر والأعشاب ولحم القطط والکلاب، وقد بدأ هذا الواقع المأساوي يهدد مدينة معضمية الشام التي دخلت دوامة حرب التجويع أيضًا، ما حمل الائتلاف الوطني لقوی الثورة والمعارضة السورية، إلی مطالبة مجلس الأمن الدولي بـ«إنقاذ أرواح المدنيين، لا سيما الأطفال والنساء في مضايا والزبداني ومعضمية الشام». ودعا الأمم المتحدة إلی تصنيف الوضع في هذه المناطق بـ«الکارثة الإنسانية وإقرار تدخل إنساني عاجل».
غير أن مکتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، أعلن في بيان مقتضب أصدره أمس الخميس، عن «تلقيه موافقة من الحکومة السورية لإدخال المساعدات الإنسانية في أقرب وقت إلی ثلاث بلدات سوريا بينها مضايا المحاصرة في ريف دمشق». وقال البيان: «ترحب الأمم المتحدة بالموافقة التي تلقتها اليوم (أمس) من الحکومة السورية بشأن إيصال المساعدات الإنسانية إلی مضايا والفوعة وکفريا، وتعمل علی تحضير القوافل لانطلاقها في أقرب فرصة».
من ناحيتها دعت الأمانة العامة لهيئة کبار العلماء، المسلمين في السعودية للمسارعة إلی إغاثة أهالي بلدة مضايا السورية المنکوبة التي يفرض عليها النظام السوري الإرهابي وميليشيا حزب الله وحلفاؤهما حصارًا خانقًا منذ 6 أشهر، وأدی إلی مجاعة رهيبة وموت الکثيرين؛ لا سيما الأطفال، واصفةً الصمت العالمي بأنه عار يلطخ جبين المجتمع الدولي بمؤسساته ومنظماته الحقوقية والإنسانية.
وأوضحت الأمانة أن هذا الحصار الظالم الذي هو حرب تجويع؛ جريمة بشعة؛ هدفها إبادة مدنيين عزل أغلبهم من النساء والأطفال، وجريمة تضاف إلی جرائم هذا النظام البائد وحلفائه، الذين يمارسون أساليب کثيرة لقمع الشعب السوري المنکوب، دون أن يتخذ بحقه رادع في ظل ازدواج المعايير التي تتصف بها السياسة الدولية.
لکن الصورة التي ينقلها الناشطون في مضايا تتخطی ما يمکن أن يستوعبه العقل البشري، بعدما فقد المدنيون آخر مقومات الحياة، وتوفي 16 طفلاً وثمانية رجال وست نساء في الأسبوع الأخير. وقد عبّر عن هذا الوضع بألم وحسرة الناشط في مضايا أبو عبد الرحمن، الذي وصف الواقع بأنه «مأساة تفوق الخيال». وأکد أنه «لم يعد في مضايا أعشاب ولا أوراق شجر لأن الناس أکلتها، کما فقدت مادة الکرتون التي حولها البعض إلی وجبات غذائية لا تسمن ولا تغني من جوف». وفي صرخة وجهها عبر «الشرق الأوسط»، قال أبو عبد الرحمن: «نحن علی يقين أنه لم يعد هناک جمعيات لحقوق الإنسان لنلجأ إليها، لکننا نناشد جمعيات الرفق بالحيوان أن تتدخل لتنقذ الحيوانات التي بدأت تنقرض في مضايا». وأکد أنه «لم يبق أي أثر للقطط، لأن الناس اصطادتها وأکلتها، والآن بدأت مرحلة صيد الکلاب، وإذا کانت هذه الجمعيات ما زالت ترفق بالکلاب، عليها أن تمارس نفوذها وتدخل لنا الطعام حتی تنجو الکلاب من الصيد». وشدد علی أن «هذا الکلام ليس من باب إثارة العطف بل حقيقة موجودة علی الأرض، وهناک العشرات ممن يحملون البنادق الآن ويصطادون الکلاب لتقديم لحومها إلی أسرهم».
وسأل أبو عبد الرحمن: «أين المعايير الدولية التي تحظر استخدام المدنيين دروعًا بشرية؟ کيف تسمح باستخدام سلاح الجوع الأکثر کفرًا والأشد فتکًا من أسلحة الدمار؟». وکشف أنه «خلال الأسبوع الأخير توفي 16 طفلاً تحت سن العاشرة، وثمانية رجال وست سيدات ضحية الجوع». وقال: «أمس حاولت امرأة مع طفليها الهرب إلی خارج مضايا، لکن حاجز لقوات الأسد شاهدهم وأطلق النار عليهم وأردی الثلاثة معًا». وأکد أبو عبد الرحمن أن «عائلات لم تذق الطعام منذ عشرة أيام، وشاهدت أفرادًا من بعض العائلات لا يستطيعون الوقوف علی أقدامهم لأنهم فقدوا قواهم».
هذه المأساة الإنسانية انسحبت أيضًا علی معضمية الشام في الغوطة الغربية، حيث جدد نظام الأسد تهديداته بحرب مفتوحة ضد أهالي وفصائل المدينة. وخلال اجتماع عقد مساء أول من أمس بين وفد المعارضة الممثل للمدينة، ووفد النظام الذي تحدث باسمه الإعلامي رفيق لطف الموالي للأسد، وجه النظام رسالة إلی أهالي وفصائل المدينة خيرهم فيها بين الاستسلام والخروج أو الحرب المفتوحة والحصار الشامل.
وأفاد الناشط في المعضمية داني قباني، أن «الوضع في المدينة صعب جدًا، إلا أنه لم يبلغ الحالة التي بلغتها مضايا، التي تعيش تحت الحصار منذ ستة أشهر». وأکد أنه «منذ 20 ديسمبر (کانون الأول) الماضي، بدأ الحصار الکلي علی المعضمية، وبدأ التعب الآن يظهر علی الناس».
وقال لـ«الشرق الأوسط»: «کانت حواجز النظام تسمح للداخل إلی المدينة أن يحمل حاجته اليومية من الطعام والشراب، لکن بعد 20 ديسمبر بدأ الحصار المطبق، فالأدوية لم تعد موجودة علی الإطلاق منذ 70 يومًا، خصوصًا بعد اقتحام النظام للجبهتين الشرقية والجنوبية، وارتفاع عدد الإصابات والشهداء، ولأن منظمات الإغاثة لم تعد تلبي نداءنا».
ولفت قباني إلی أنه «مع دخول الشتاء والطقس البارد والحرارة (- 4)، لم تعد مادتا المازوت والغاز موجودتين للتدفئة، حتی الحطب لم يعد متوفرًا لأن القصف يطال منطقة البساتين، والناس بدأت الآن تحرق الأحذية والبلاستيک والثياب القديمة من أجل التدفئة عليها، وهو ما سبب حالات اختناق».
ولم تکن مادة التدفئة بأهمية المواد الغذائية المفقودة تمامًا، بحسب الناشط قباني، الذي أکد أن «جميع محلات السمانة (البقاليات) باتت خالية من المواد، وإذا عثر في مکان ما علی بعض هذه المواد تکون الأسعار مرتفعة جدًا جدًا». وأوضح أن «الأمور ذاهبة نحو الکارثة، بعد قرار النظام وضع سکان المدينة أمام خيارين لا ثالث لهما، إما الاستسلام وإما الحرب المفتوحة».
من جهته، قال الإعلامي محمود أبو قيس عضو المکتب الإعلامي في «لواء الفتح المبين» العامل في مدينة المعضمية لشبکة «سوريا مباشر»: «إن الحصار الذي يتوعد به نظام الأسد والمفروض حاليًا بعد إغلاق المعبر الوحيد للمدينة، سوف يکون حصارًا شاملاً ولن يکون هناک أي مبادرات مقبلة تفضي إلی فتح الطريق وبالتالي الحکم علی 45 ألف مدني بالهلاک جوعًا وقصفًا». وأضاف: «لليوم الثاني عشر علی التوالي لا يزال المعبر مغلقًا بوجه أهالي المدينة، حيث لا يسمح لهم بالدخول والخروج من وإلی المدينة، وکذلک لا يسمح بإدخال أي مواد غذائية أو إنسانية».
وتوقع المرصد السوري لحقوق الإنسان، أن «تدخل قريبًا قافلة مساعدات إنسانية إلی بلدة مضايا المحاصرة، فور حصول القائمين علی إدخال القافلة من المنظمات الدولية، موافقة سلطات النظام علی عملية إدخالها ومحتوياتها».
وکان الائتلاف الوطني لقوی الثورة والمعارضة السورية، دعا إلی «إنقاذ أرواح المدنيين لا سيما الأطفال والنساء في مضايا والزبداني ومعضمية الشام». وطالب الأمم المتحدة بتصنيف الوضع في هذه المناطق بـ«الکارثة الإنسانية وإقرار تدخل إنساني عاجل».
وقال مصدر مسؤول بالائتلاف في تصريح له: «في ضوء التقارير الطبية والميدانية التي تکشف عن وضع إنساني بالغ الخطورة في بلدة مضايا بريف دمشق في ظل منع ميليشيا (أمين عام حزب الله) حسن نصر الله وبشار الأسد لأي نوع من المساعدات من الدخول، فإن الائتلاف الوطني لقوی الثورة والمعارضة السورية، يدعو الأمم المتحدة لتصنيف الوضع في مضايا ومعها الزبداني ومعضمية الشام (90 ألف مدني محاصرون) کارثة إنسانية وإقرار تدخل دولي إنساني عاجل، وتقديم المساعدات عبر الجو في حال مواصلة الميليشيات منعها من الدخول برا». وطالب المصدر مجلس الأمن بـ«مناقشة الوضع الإنساني في مضايا والمدن المحاصرة، کونه يخالف قراراته السابقة، ومنها القرار 2254، وتحمل المسؤولية في إنقاذ أرواح المدنيين، وبينهم أطفال ونساء»، داعيًا الجامعة العربية إلی «بحث الوضع بصفة طارئة في الاجتماع الوزاري يوم الأحد (بعد غدٍ) واتخاذ الإجراءات اللازمة التي تساعد علی إنهاء الحصار، وإدانته وتجريمه».







