العالم العربيمقالات

إيران ضد أي سلام في سوريا حتی الآن!

 

نقلاً عن “الشرق الأوسط”
6/10/2016

 

بقلم:هدی الحسيني


اللواء يحيی رحيم صفوي، المستشار العسکري للمرشد الأعلی الإيراني علي خامنئي متوجس، فهو حذّر بصراحة مطلقة روسيا والولايات المتحدة من تجاهل «حصة إيران في سوريا» وقال إنه يتخوف من أن تؤدي الاتصالات السرية بين البلدين إلی «حصة أقل لإيران».
لکن ما نوع الحصة التي تريدها إيران، وهل روسيا معنية کثيرًا بأهداف إيران؟ الطرفان يختلفان حول مصير الأسد وکل لأسبابه الخاصة. فبسبب موقع سوريا الاستراتيجي، تنظر إيران إلی التسوية السلمية وسيلة للحفاظ علی نفوذها، وفي جهدها لتحقيق هيمنة إقليمية فإنها تری سوريا أفضل ممر لإمداداتها لـ«حزب الله» في لبنان. تدرک أن أي اتفاق سلام لإيقاف الحرب سيؤدي إلی تقاسم السلطة علی أساس عرقي – مذهبي سيکون بالطبع عرضة لشلل سياسي، لذلک فإنها تفضل ألا تکون هناک سلطة مرکزية، لأنها تريد المحافظة علی الأرض السورية جسرا لجماعاتها في لبنان. وبالتحديد فإن الأسد ودائرته الضيقة هما الحلقة الرئيسية والأساسية لإبقاء النفوذ الإيراني.
علی الرغم من أن الطائفة العلوية تشکل 13 في المائة من مجموع السوريين، فإن هناک کثيرا من العائلات العلوية القوية التي تخاصم الأسد وترفض إيران. الاعتقاد السائد هو أن طهران تدعم النظام السوري لأن الطرفين من الطائفة الشيعية التي هي أقلية في عالم سني. لکن کما يقول الباحثون إن الاستراتيجية الإيرانية تعتمد علی عوامل جيوسياسية، وليس علی عوامل مذهبية، خصوصًا بين شيعة إيران والعلويين في سوريا. إيران تقولب کل الحقائق لتحمي مصالحها الإقليمية. عام 1960 عندما وصل ضباط علويون إلی الحکم، لم يقيموا علاقات وثيقة مع طهران، لکن الحرب العراقية – الإيرانية حققت نقطة التحول. کانت طهران مع ثورتها الخمينية مرفوضة من الغرب، ومتخوفة من الاتحاد السوفياتي، کانت تبحث عن حلفاء. من ناحيته کان حافظ الأسد الرئيس السوري آنذاک يعادي البعث العراقي، فالعالم العربي بنظره لم يکن يتسع لـ«بعثين»، فرأی في الحرب فرصته لإضعاف بغداد. اشترت إيران موقفه إلی جانبها بتوفير النفط المجاني لسوريا عام 1982، لکن العلاقات «الدينية» بين شيعة إيران وعلويي سوريا ظلت متوترة کالعادة. وفي عام 1985 کشفت برقية دبلوماسية أميرکية عن أن شيعة إيران يرون العلويين «هراطقة»، ووصل الأمر عام 1996 إلی أن أرسلت إيران مرشدين إلی أوساط العلويين في سوريا فألقی النظام القبض عليهم.
أيضا عام 1987. عندما استمد «حزب الله» قوة من إيران لاعتقاده أنها تحقق مکاسب في الحرب ضد العراق، قاتلت القوات السورية في لبنان «حزب الله»، لأن مکاسبه علی الأرض هددت التوازن الهش بين الطوائف فيه. ثم إن سوريا لم تشعر براحة عندما بدأ «حزب الله»، بناء علی أوامر الحرس الثوري الإيراني، بخطف الغربيين في لبنان. وکانت دمشق هي من کشفت عن مبيعات الأسلحة الأميرکية لإيران أثناء الحرب ضد العراق، فيما عرف بقضية «إيران کونترا».
بنت إيران وسوريا تحالفًا دفاعيًا يقوم علی الخصوم والمخاوف المشترکة بينهما، من هنا، فإن العلويين في سوريا کلهم يتعاونون مع إيران إذا ما شعروا بتهديد وجودي، وفي حال تم التوصل إلی اتفاقية سلام تضمن أمن العلويين فالأغلب أن تنأی الطائفة العلوية بنفسها عن إيران.
أيضا، لا تستطيع إيران من أجل تثبيت نفوذها في سوريا الاعتماد علی الشيعة السوريين، إذ إنهم يمثلون اثنين في المائة، وکون الحجم الديموغرافي يحدد الثقل السياسي فلن يکون للشيعة السوريين الوزارات أو الوظائف الإدارية الأهم في نظام تقاسم السلطة في سوريا ما بعد الحرب، وبالتالي لا يمکن لأي کتلة شيعية أن تمنع أي تشريع تتبناه الأغلبية السنية، وهذا يعني الحد من نفوذ إيران في سوريا. من هنا، فإن بقاء الأسد هو خيار إيران الأفضل للحفاظ علی نفوذها بعد أي تسوية.
فوق کل هذا مع إطالة الحرب في سوريا، تحول بشار الأسد من حليف إلی ورقة بيد إيران نتيجة اعتماده عليها للإبقاء علی نظامه. هذا الواقع لم يغب عن العائلات العلوية المتناحرة التي ترفض تبعية الأسد لطهران. لذلک، فإن الأسد المتخوف من أن يطاح به من قبل الدائرة العلوية، مستعد أن يقدم ضمانات للمصالح الإيرانية في سوريا طالما أنها من أجل هذه المصالح تحميه من أي انقلاب داخلي محتمل.
اليوم تتخوف إيران من أن يؤدي سقوط الحکم العلوي إلی حکومة سنية يمکن أن تتحالف مع المملکة العربية السعودية، التي تعتبرها إيران السد الواقف في وجه تحقيق سيطرتها المطلقة علی المنطقة. وتتخوف کذلک من العزلة الإقليمية التي ستلي ذلک. يقلقها أيضا أن سوريا السنية ستمنعها من إيصال الأسلحة إلی «حزب الله» في لبنان.
وهکذا، من شأن سقوط نظام بشار الأسد أن يمحو کل المکاسب الإقليمية التي تعبت لتحقيقها، عبر الإرهاب ونشر عدم الاستقرار طوال 37 سنة من عمر الثورة الإيرانية.
إن طهران لا تستطيع تحمل فقدان العلويين السلطة في سوريا، ولهذا السبب فإنها سوف تتشبث بقوة للإبقاء علی الوضع الراهن؛ إذ طالما بقي هناک حجر واقف، تفضل إيران استمرار الحرب.
إنه الخوف من وصول السنة إلی الحکم في سوريا الذي يجمع إيران والنظام السوري. إنه حلف دفاعي مبني علی المصالح، وتأکيد الجذور الشيعية، هو خدعة لتأليب ضعيفي النفوس ودفعهم إلی أن يکونوا وقودًا لنيران حرب تشد إليها کل القتلة. واعتقاد بعض الدول بأن إيران جزء من الحل، ولا بد من دور لها، إنما يقوي أمثال «داعش» و«النصرة» ويطيل أمد الحرب.
لهذا تطرح إيران تسوية سلمية تبقي الأسد علی رأس السلطة في مرحلة ما بعد الحرب. لکن أحلامها هذه قد تبددها روسيا التي لها جدول طموحات خاص بها.
في سوريا لن تکتفي روسيا بقاعدة حميميم الجوية، إذ بدأ الحديث في موسکو عن الحاجة إلی قاعدة جوية ثانية «لأن الحملة الروسية علی (داعش)، مستمرة، ولأن القوات الجوية الروسية تحتاج إلی قاعدة انطلاق من أجل تعزيز فعالية المهمات القتالية وتقليل الإنفاق من الموارد».
من المؤکد أن کل هذا يسحب البساط السوري من تحت أقدام الإيرانيين، ويجعلهم يصرون علی إطالة الحرب.
المواجهة بين الولايات المتحدة الأميرکية وروسيا لها أطرها وقواعدها، ولن تصل إلی صراع عسکري بين الطرفين. وکان واضحا أبعاد تسريب محادثة جون کيري وزير الخارجية الأميرکي مع مجموعة من المعارضة السورية، إذ أبلغها بشکل غير مباشر بأن الولايات المتحدة لن تتخلص من الأسد تحت أي ظرف، قال للسوريين: «قاتلوا (داعش) و(النصرة) عنا»، کما أنها لن تصعد عسکريًا مع سوريا. قال کيري أيضا إن «(حزب الله)، لا يهدد أميرکا مباشرة».
من هنا، ولأن روسيا صارت المحاور الرئيسي للنظام السوري، نظرًا لحجم نفوذها العسکري والدبلوماسي، فهي عضو في مجلس الأمن وليس إيران. تبقی إيران، رغم کل جهودها في سوريا واستثماراتها الشريک الأصغر، لذلک تشعر، کما عبر اللواء صفوي، بالقلق. هي لا ترتاح لأميرکا، ثم إن عدم الثقة بينها وبين روسيا يتقلص ما دامت الحرب مستعرة في سوريا وستقاوم کل مبادرة للسلام من ناحيتها، ومع اشتداد التجاذبات مع واشنطن لا تری موسکو جدوی من التخلص من الأسد، إذا لم تکن قادرة علی استخدامه ورقة مساومة، وما لم تکن مبادرة للسلام في الأفق. من هنا، سيبقی الدور الإيراني إشعال الحرب أکثر في سوريا، لأن المواجهة بينها وبين روسيا ستشتعل إذا ما خمد القتال في سوريا وبُذلت جهود لوضع نهاية للحرب. صدق صفوي عندما أصر علی «حصة إيران في سوريا»!

زر الذهاب إلى الأعلى
منظمة مجاهدي خلق الإيرانية - أرشیف
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.