أخبار إيرانمقالات
التعاون الخليجي الأميرکي للجم إيران

الشرق الاوسط
20/2/2017
بقلم: دنيس روس
في کتابي المعنون «حتمية النجاح: العلاقات الأميرکية الإسرائيلية من ترومان إلی أوباما»، اختبرت کل إدارة أميرکية تولت المسؤولية منذ عهد الرئيس ترومان والافتراضات الرئيسية التي حرکت کل إدارة، وسياساتها، واستجاباتها علی الأحداث الرئيسية التي واجهتها في منطقة الشرق الأوسط. ولقد واجه کل رئيس، بين هذين الزعيمين، حربًا واحدة کبيرة أو أزمة واحدة کبيرة في منطقة الشرق الأوسط إبان رئاسته للولايات المتحدة. وکذلک، ورغم توليه مهام رئاسته حديثًا في 20 يناير (کانون الثاني) من العام الحالي، سوف يواجه الرئيس دونالد ترمب حقيقة أکثر صعوبة في الشرق الأوسط من أي ممن سبقه من رؤساء الولايات المتحدة.
قد يبدو هذا من التصريحات الاستثنائية وغير المعتادة، ولکنه بکل تأکيد صحيح. ولننظر إلی المشهد العام لمنطقة الشرق الأوسط الذي بات ينتظر الرئيس 45 للولايات المتحدة. إن نظام الحکم نفسه أصبح تحت التهديد المباشر في کل من سوريا، والعراق، وليبيا، ومن غير المرجح أبدًا أن يرجع کما کان عليه الأمر من قبل باعتبارها کيانات وطنية مستقرة ومتکاملة. بالإضافة إلی ذلک، تواجه مصر، أکبر الدول العربية من حيث تعداد السکان، المزيد من أنشطة الجماعات الإرهابية في شبه جزيرة سيناء، وتحديات اقتصادية کبيرة. أما بالنسبة إلی اليمن، فهي دولة الفقر المدقع، التي استنزفت کل مواردها الطبيعية، ويعمل الصراع الدائر علی تمزيق أوصال البلاد في الوقت الذي يوفر فيه النظام في طهران الدعم المباشر بالسلاح والتدريب، علی أدنی تقدير، إلی المزيد من تمزيق البلاد. والدعم الإيراني، واستخدام الوکيل الحوثي في هذا الصراع ليس وضعًا استثنائيًا بحال. ففي جميع أرجاء المنطقة، تستخدم إيران الميليشيات الشيعية في تمديد سلطتها، وقوتها، ونفوذها، مع هدف واضح وهو تقويض أرکان الدول والحکومات العربية. ومما يؤسف له، أنه في حين
استخدمت روسيا القوة في تغيير موازين القوی علی الأرض في سوريا، حتی مع أن وجودها العسکري في المنطقة هو أقل بکثير مقارنة بالوجود الأميرکي الکبير فيها، فإن موسکو تواصل ذلک بطريقة تثير حفيظة القوة الإيرانية.
يتعين علی الإدارة الأميرکية الجديدة تحديد المقاربة التي سوف تنتهجها مع الجانب الروسي، وما يجب عليها القيام به لإجبار الروس علی الابتعاد، بدرجة کافية، عن إيران. کما يجب أن تقرر الإدارة الأميرکية عما إذا کانت سوف تواجه، وکيفية مواجهة، الدور الإيراني لزعزعة استقرار المنطقة، وکيف يتصل ذلک بأولويات الإدارة الأميرکية من هزيمة تنظيم داعش الإرهابي. قد يعتقد البعض أننا قد نشارک إيران في محاربة داعش، ولکن هذا ضرب من الأوهام بکل تأکيد. فإن الدور الإيراني، واستخدام الميليشيات الشيعية قد تسبب، فقط، في تعميق النزعات الطائفية. عندما لعبت الميليشيات الشيعية دورها المعروف في هزيمة «داعش» في مدن الرمادي والفلوجة العراقيتين، کانت هناک عمليات سلب ونهب واسعة النطاق وغير مسبوقة. وتحاول الحکومة والجيش العراقي الحيلولة دون مشارکة الميليشيات الشيعية في معرکة تحرير الموصل؛ ولکن الميليشيات لم تزل ناشطة في المناطق المجاورة والمحيطة بتلک المدينة الکبيرة، وهم يکررون هناک الأنماط العنيفة نفسها التي نفذوها من قبل؛ «تمامًا کما صنعوا من قبل في مدينة حلب السورية عندما تمکن نظام الأسد بمعاونة الميليشيات الإيرانية من استعادة السيطرة علی الأجزاء الشرقية من المدينة المنکوبة».
ومع نظر الإدارة الأميرکية الجديدة في کيفية تکثيف دعمها للحملة العراقية الحالية لهزيمة داعش في الموصل العراقية، ولتعزيز جهودنا من أجل تنفيذ الأمر نفسه في مدينة الرقة السورية – عاصمة ما يعرف بالخلافة المزعومة – تحتاج الإدارة الأميرکية لأن تضمن أن الظروف التي تمخضت عنها ولادة داعش في المقام الأول لن يتاح لها المجال للتکرار في المستقبل. ويجب علی الرئيس ترمب ومستشاريه وضع خطة واضحة وقابلة للتنفيذ علی أرض الواقع لتسهيل العودة السريعة للسکان السنة إلی المناطق المحررة من قبضة «داعش»، ويجب علی الإدارة الأميرکية أيضًا توفير المساعدات لإعادة إعمار المناطق المدمرة، ولا بد من وجود منهج شامل للحکم والأمن في أعقاب هزيمة التنظيم الإرهابي في تلک المناطق؛ الأمور التي تبين من واقع الحال الصعوبة البالغة لتحقيقها في أغلب مناطق العراق حتی الآن.
وأي من هذه العناصر – العودة السريعة واستيعاب السکان، وإعادة الإعمار، والحکم والأمن الشاملين – يمکن تحقيقها علی أرض الواقع من دون التعاون الوثيق بين الولايات المتحدة وشرکائها التقليديين من الدول العربية في منطقة الشرق الأوسط. ومن دون شک أن استعداد هذه الدول للعمل والمساعدة سوف يرتبط ارتباطًا قويًا بتصورهم لمدی تفهم إدارة الرئيس ترمب للتهديدات التي يمثلها النظام الإيراني، واستعداد الإدارة الأميرکية للعمل معهم علی مواجهة واحتواء هذه التهديدات. والرهانات في هذا المضمار عالية جدًا بالنسبة لإدارة الرئيس ترمب؛ لأن الفشل في تحقيق، ولو قدر قليل من التقدم الملموس حيال عودة السکان، وإعادة الإعمار، والاستيعاب، سوف يؤدي – إن عاجلا أو آجلا – إلی حالة الإقصاء والاستياء الشديدين لدی السکان من السنة؛ تلک التي أسفرت عن ظهور وباء «داعش» في المقام الأول. وإذا کان الرئيس ترمب يعتقد حقًا أن إدارة الرئيس السابق أوباما قد ساعدت في ظهور «داعش» من خلال انسحابها المبکر للغاية من العراق، فإنه لن يکون راغبًا في تهيئة الظروف لهزيمة «داعش» مع توافر الظروف نفسها التي أدت لقيام التنظيم، والتي قد تسفر عن ظهور تنظيم آخر يهددنا خلال سنوات رئاسته للبلاد.
من جانب آخر، هناک إمکانات کبيرة وهائلة في خطة التحول الوطنية السعودية، والتي هي ليست فقط لصالح المملکة، ولکن لصالح المنطقة بنطاقها الأوسع. والخطة السعودية عبارة عن جهود ممنهجة ومنظمة لتنمية وتطوير وتحديث المملکة بأسرها. من حيث إصلاح التعليم، وتنويع مصادر الاقتصاد والدخل القومي، وبناء الصناعات المحلية في القطاعات النفطية والکيميائية، والتعدين، والسياحة، وتعزيز الاقتصاد المعلوماتي والرقمي، هي من الأهداف الطموحة المدمجة في «الرؤية السعودية 2030». وعلی الرغم من سقف الطموحات المرتفع، فإن الخطة الوطنية السعودية ليست مجرد فکرة، ولکنها استراتيجية قابلة للتحقيق في الواقع الملموس.
ولکن ما سر أهمية هذه الخطة بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط؟ لم يکن هناک نموذج ناجح للتطوير والتنمية والتحديث في الشرق الوسط العربي بهذا الحجم وهذه الأهمية من قبل. لقد فشل القوميون العلمانيون تمامًا کما يفشل الإسلاميون الآن في تحقيق هذا الهدف الکبير؛ والسبب هو افتقار الجميع لوجود الخطة الجادة، والعملية للتنمية والتطوير، أو لتحقيق التوفيق المطلوب ما بين الإسلام والتحديث. غير أن الخطة السعودية تملک الأمرين علی حد سواء، وينبغي علی الولايات المتحدة أن تسهم بکل ما تستطيع لإنجاحها.
قد يواجه الرئيس ترمب مجموعة هائلة من التحديات في منطقة الشرق الأوسط. ولکن إن تفهمت إدارته طبيعة التهديدات الماثلة، والتي تشکلها إيران والمتطرفون المتشددون، وکانت علی استعداد تام للعمل مع شرکاء بلاده التقليديين في المنطقة، وتقدير کيفية تحقيق الاستفادة القصوی من التطورات الجديدة في المنطقة، يمکن للرئيس الأميرکي النجاح في الشرق الأوسط.







