أخبار إيرانمقالات

المستثمرون في «داعش»

 

 


الحياة
20/2/2017
 
بقلم: راشد صالح العريمي

 

يوم الخميس الماضي کانت وزارة الداخلية السعودية تعلن القبض علی 18 إرهابياً، يتوزعون علی أربع خلايا عنقودية مرتبطة بـ «داعش»، وذلک في مناطق: مکة المکرمة، والمدينة المنورة، والرياض، والقصيم. وخلال الفترة التي نشطت فيها الخلايا الأربع، قبل القبض علی أفرادها، کانت تروّج للفکر التکفيري الإجرامي في أوساط الشباب، وتوفر التمويل للعمليات الإرهابية، وتجند المخدوعين، من طريق التقاطهم من التجمعات الشبابية أو من شبکة الإنترنت، لتحويلهم إلی أدوات قتل، سواء في بلادهم ذاتها أم في جبهات قتال أخری.

لن يکون هذا هو البيان الأخير من نوعه بالتأکيد، فلن يُقطع دابر «داعش» وأذنابها بسهولة. وللأسف، لن تکون التکاليف المادية والبشرية هينة. وإذا کانت دول الخليج قادرة، بفعل کفاءة أجهزة الأمن والمنعة المجتمعية، علی تقليص هذه التکاليف، فإن دولاً أخری ستتکبد کثيراً من مقدراتها الاقتصادية ومن أرواح أبنائها، ومن نزف الفرص الاقتصادية المرتبطة بتوافر الأمن والاستقرار، ومن التماسک المجتمعي والثقة بکفاءة القيادة.
وأسباب ظهور «داعش» متعددة، لکن من الضروري القول إن هناک جهات کثيرة «استثمرت» في «داعش» وراهنت عليه لتحقيق ما کانت تراه مصالح لها في خريطة معقدة ومتداخلة وحافلة بالصراعات الدامية في السنوات الأخيرة.

الولايات المتحدة بين من استثمروا في تنظيم «داعش»، وذلک منذ ظهوره الغامض واجتياحه مساحات واسعة من الأرض في العراق، متغلباً علی فرق عسکرية جرارة انهزمت، تارکةً وراءها عتاداً عسکرياً هائلاً ومئات الملايين من الدولارات في فرع البنک المرکزي بالموصل، وثروات نفطية تحت سلطة التنظيم الذي أتيحت له کل أسباب الحياة فجأة. ولقد ابتُذلت حقاً نظرية المؤامرة، لکن أليس غريباً أن يحدث کل هذا علی مرأی ومسمع من الولايات المتحدة الأميرکية، وعلی مقربة من قواتها العسکرية وأجهزة استخباراتها؟ أليس حدوث ذلک کله بعد سنوات من التبشير بـ «الفوضی الخلاقة» دافعاً إلی وضع علامات استفهام کثيرة؟

إيران بدورها کانت ممن استثمروا في «داعش»، ومن قبل کانت تلعب بورقة «القاعدة». وظهر «داعش» في العراق وسورية، أي في الدولتين اللتين تمتلک إيران فيهما نفوذاً وحضوراً سياسياً وعسکرياً. وکان ظهور «داعش» بوحشيته محورياً في تحويل الأنظار عن قضايا جوهرية تتعلق بدور إيران التخريبي في المنطقة، مثل السياسات الطائفية التي استخدمتها الحکومات العراقية، والفساد الذي استشری في کل مفاصل الدولة في العراق، وارتهان قرار بغداد لإيران. وفي سورية حدث تحول مشابه لمصلحة إيران، وفي لبنان تمت التعمية علی خطر إرهاب «حزب الله» بفعل ما أحدث ظهور «داعش» من رعب. وبهذا کان ظهور «داعش» طوق نجاة لإيران، وربحاً خالصاً لها. فضلاً عن تساؤلات کثيرة عن عدم قيام «داعش» بأي عمل أو نشاط داخل إيران.

جهات أخری ذات صلات بالإسلام السياسي استثمرت في «داعش»، يدفعها خليط من أطماع سياسية ورهانات أيديولوجية، وعلی رأسها ترکيا، التي اندفعت من أجل «هندسة» الوضع في سورية خصوصاً، وفي العراق، علی النحو الذي يلبي أوهاماً إمبراطورية تتداخل معهاأيديولوجية «الإخوان المسلمين» التي تحکم کثيراً من السلوک السياسي لرجب طيب أردوغان وحزب «العدالة والتنمية». ونشرت مئات التحليلات السياسية التي أوضحت أن ترکيا کانت شريان الحياة لـ «داعش»، ومصدر عبور للمقاتلين من مختلف أنحاء العالم، وعميلاً يوفر التمويل للتنظيم الإرهابي من خلال القنوات الرسمية والجمعيات الأهلية وتجارة النفط المنهوب. ولم يکن بدٌّ بعد تعقد المشهد من أن ينقلب «داعش» علی الأتراک، وتضرب التفجيرات مدن ترکيا، مخلفة مئات القتلی والجرحی، وانحساراً للسياحة، التي تمثل أحد مصادر الدخل المهمة، وعدم استقرار وصل إلی ذروته في الانقلاب الفاشل الذي عکس حدة الانقسام في ترکيا.

تونس نموذج آخر لاستثمار أفرع جماعة الإخوان المسلمين في «داعش». وفي آذار (مارس) من العام الماضي قدرت «مجموعة سوفان»، وهي منظمة بحثية معروفة، أن عدد المقاتلين الأجانب في سورية والعراق يبلغ 11 ألف مقاتل، منهم 6500 مقاتل من تونس وحدها، أي أن هذا البلد العربي الصغير أمد الجماعات الإرهابية في سورية والعراق بأکثر من نصف المقاتلين الأجانب. وقد تم ذلک في المراحل الأولی بموافقة ضمنية من حکومة حزب «النهضة» الإخواني، التي کانت تساند المتطرفين في تونس وتعتبرهم ظهيراً لها وقت الحاجة.

ووفق تقرير نُشر في مجلة «نيويورکر» في نيسان (أبريل) من العام الماضي عن تونس، بعنوان: «تصدير الجهاد»، فإنه في عام 2012 هاجم المتشددون المساجد، وفرضوا نظاماً للزي علی المواطنين، وهاجموا الجماعات الثقافية، ولم تتحرک حکومة «النهضة» الإخوانية ضدهم، في إشارة إلی موافقتها علی ما يفعلون. وعلی رغم أن ضرورات العمل السياسي أجبرت «النهضة» علی التخلي عن هذه الصلات، فلا يمکن تصور أن فراقاً حقيقياً حصل بين الجانبين، ودفعت تونس أيضاً ثمناً باهظاً، مع العمليات الدموية التي نفذها الإرهابيون في أهم مرافقها السياحية.

جماعة «الإخوان» الأم في مصر لم تکن بعيدة من الاستثمار في «داعش»، إذ أقامت خلال حکم الرئيس الأسبق محمد مرسي روابط مع حرکات متطرفة اتخذت من سيناء مقراً لها، وأمدتها بالعتاد والسلاح، وتغاضت عن عمليات إرهابية متکررة مثل تفجير خطوط الغاز في سيناء، لکي تجعل الجماعة من هذه التنظيمات المتطرفة شوکة في جنب مصر وعامل ضغط إذا أطيحت الجماعة من الحکم، وأعلنت هذه الحرکات الإرهابية ولاءها لـ «داعش» في ما بعد. والاعتراف بالصلة بين هذه الحرکات وتنظيم «الإخوان» جاءت صريحة علی لسان القيادي الإخواني محمد البلتاجي، الذي صرح في خضم العنف الذي أعقب إطاحة محمد مرسي، بأن ما تشهده سيناء من إرهاب سيتوقف بمجرد رجوع مرسي إلی السلطة.

هناک جهات أخری استثمرت في «داعش» وأشباهه، ولو بالتغاضي، والقائمة تشمل حتی دولاً أوروبية استعجلت حدوث تغيرات سياسية معينة في المنطقة، وغضت الطرف عما کان يبدو من تضخم سرطاني للتطرف المتصاعد الذي أفرز «داعش» في النهاية. ووفقاً لتقديرات المرکز الدولي لدرس التطرف والعنف السياسي (ICSR) في کينغز کوليدج بلندن، فإن عدد من خرجوا من دول غرب أوروبا لينضموا إلی الجهاديين في سورية والعراق يبلغ أربعة آلاف شخص، وذلک في دول تمتلک أجهزة أمنية واستخبارية فائقة القوة، مثل فرنسا وألمانيا. وقد دفع بعض دول أوروبا ثمناً کبيراً، إذ طاول الإرهاب عواصم ومدناً أوروبية خلال العامين الماضيين، لکن هذه الدول تظل الطرف الأبعد والأقل خسائر، لأن الخسارة الحقيقية تتحملها دول المنطقة وشعوبها، وهي خسارات عميقة ومؤلمة وطويلة المدی.

ما سبق يقودنا إلی درس مهم يجب أن يکون ماثلاً أمام أعيننا، وهو أن مواجهة الإرهاب ومحاصرة جماعاته يجب أن يکون العنصر الأکثر حضوراً عند وضع أية استراتيجيات أو سياسات تتعلق بمواجهة أخطار أخری. ويجب ألا يقام أي نوع من التحالفات، ولو مرحلياً، مع أي جماعات تحمل بذور الفکر الإرهابي، أو تتعاطف معه، أو تتغاضی عنه، أو تهوّن من شأنه. ومهما بدا ذلک صعباً فإن تبعاته الآنية تظل أهون بکثير مما ستلاقيه المنطقة في حال التحالف مع أي من جماعات التطرف أو مشايعيها.

يلزم أن يکون ذلک المفهوم حاضراً ونحن نقارب ملفات شائکة، مثل اليمن أو العراق، فعلی رغم أن التمدد الإيراني الخبيث هو أول التهديدات بالمواجهة في الوقت الحالي، فإن خطر الإرهاب لا يقل عنه ضراوة. والحزم الذي نواجه به المحاولات الإيرانية الحثيثة لنشر الفوضی والعنف في المنطقة سيؤتي ثماره أکثر بالتصدي بالحزم نفسه لکل أفکار الإرهاب وجماعاته والداعمين له فکراً، ولو من وراء حجاب.

زر الذهاب إلى الأعلى
منظمة مجاهدي خلق الإيرانية - أرشیف
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.