أخبار العالم

تحالف دولي ضد «داعش» :هذه هي العقبات

 

  
الحياة
7/9/2014
 


لم يعد خافياً أن الإدارة الأميرکية بدأت انعطافة واضحة للانخراط مجدداً في شؤون المنطقة العربية، بعد الانکفاء غير المسبوق، أو ما اصطلح علی وصفه بالنأي بالنفس عن المشاکل والأزمات، وقد فعّل هذه العودة وسرّعها «ذبح» الصحافيَّين الأميرکيَّين المقززة.
في هذا السياق لا بد من أن يسجل متابع الحدث في المنطقة، وعلی هامش الموضوع، أن أداء «داعش» صار حافزاً لتدخّل الولايات المتحدة والغرب، ليس فقط نتيجة عمليات الذبح «المتلفزة» فحسب، بل نتيجة ممارسات مريبة وغير مبررة لأي سبب من الأسباب.
بدأت بوادر الانخراط الجديد مع إرسال ٣ دفعات من القوات الأميرکية إلی العراق، آخرها ٣٥٠ جندياً، بحجة مهمات استشارية وحماية السفارة الأميرکية وطاقمها، وشنّ الغارات الأميرکية علی مواقع «داعش» في العراق. ودعا الرئيس الأميرکي أيضاً إلی تشکيل تحالف عالمي لمحاربة تنظيم «داعش» والتهديد بإبادته وإبداء العزم علی إيفاد وزيري الخارجية والدفاع إلی المنطقة لبلورة هذا التحالف.
واضح أن رد الفعل الأميرکي البارز عبر لهجة الرئيس والمسؤولين الأميرکيين، يعبّر عن «نقزة» أميرکية، کمن أوقظ من نوم عميق بعد حدث جلل.
وأصدق تعبير عن الارتباک والمفاجأة أن الرئيس والإدارة وصفا «داعش» تارة بالسرطان قبل أن يتوقّعا أن تطول محاربته، وصولاً إلی القول إن القضاء علی «داعش» يحتاج إلی حرب عالمية ضده. حتی إن الرئيس الأميرکي نفسه، وبعد أن قال إن الإدارة ليس لديها استراتيجية لمحاربة «داعش» عاد، وبعد أيام قليلة، ليؤکد أن بلاده لديها هذه الاستراتيجية وهو عازم علی القضاء علی «داعش». والغريب في هذا الکلام إنجاز استراتيجية لدولة عظمی بحجم الولايات المتحدة في غضون أيام لمواجهة حدث يحتاج إلی تکاتف العالم؟
تدلّ المؤشرات کافة علی أن الإدارة الأميرکية تلحق بالحدث أو حتی تلهث وراءه لاحتوائه، ولا تزال إما غير راغبة أو غير قادرة علی التأثير فيه ومعالجته ووضع حد له.
ويتوقع المتابعون لهذا المسار ألّا تثمر الزيارة المنوي أن يقوم بها الوزيران کيري وهاغل عن النتائج المرجوة منها، أقله في القريب العاجل، ولأسباب کثيرة علی رأسها أنه، علی رغم ما نسمع ونشاهد، لا يزال الرئيس الأميرکي في رأي هؤلاء المتابعين غير راغب بحرب أميرکية منفردة ضد «داعش»، بل يسعی إلی تکتل دولي وإقليمي، من ضمنه طبعاً الولايات المتحدة، يخوض هذه الحرب.
لکن هذا التحالف دونه عقبات کثيرة، أهمها:
1- أن الإدارة الأميرکية تکاد ترتکب الخطأ الذي سبق أن ارتکبته مع سورية، اي اختزال الأزمة والحرب بامتلاک النظام أسلحة کيماوية.
اليوم، واشنطن تختزل الاضطراب الذي تشهده المنطقة وفي أکثر من دولة بتمدد «داعش» وممارساته. وبدل اعتبار ظاهرة «داعش» نتيجة للنزاعات والأزمات التي تعيشها المنطقة منذ عقود وفي أکثر من مکان وعلی أکثر من صعيد، فإن المقاربة تقوم علی أن «داعش» هو لب المشکلة، والقضاء عليه سيعيد الأمن والاستقرار إلی المنطقة. وهذا الأمر يعيد إلی الأذهان کيف اعتبرت تصفية أسامة بن لادن اجتثاثاً للإرهاب، ليتبين لاحقاً أنه نما وازدهر بعد بن لادن أکثر مما کان عليه قبل مقتله.
کما أن سياسة الغرب بعامة والولايات المتحدة ومقاربتهما للإرهاب، فشلت فشلاً ذريعاً ومدوياً. وتؤکد نظرة سريعة لهذه الظاهرة وتناميها في العالم والإقليم منذ عام ٢٠٠١ وحتی عام ٢٠١٤ صحة ما نقول، ما يعني أن مجمل سياسة الغرب بما فيه روسيا والصين بمقاربة هذه الظاهرة أدی إلی انتشارها، حتی باتت تسيطر علی مناطق شاسعة وتحکم الملايين من السکان، وتدفع الدول الکبری إلی التکاتف والتعاون لمحاربتها: کم يصعب علی المراقب أن يصدق أن القضاء علی «داعش» بات يحتاج إلی کل هذا الحشد من الدول العظمی؟
2- الإمعان في مقاربة أزمات المنطقة ومشاکلها باعتبارها غير مترابطة. لا تزال الإدارة الاميرکية الحالية مصرة علی معالجة کل مشکلة علی حدة، منطلقة من أن لا علاقة لها بمشاکل أخری. بکلام آخر لا سياسة أو لا رؤية استراتيجية لمعالجة أزمات المنطقة. ولا تزال السياسة مبنية علی ردود فعل، کما هي الحال مع ممارسات «داعش» أخيراً ومع غيره في أوقات ومراحل سابقة.
لم تتحرک الولايات المتحدة بخاصة والغرب بعامة بالشکل المطلوب وبالفعالية والجدية التي تتطلبها حرب مثل تلک التي تدور في سورية، أدت إلی سقوط أکثر من ٢٠٠ ألف قتيل و٩ ملايين نازح ومهجر. لم يتحرک الغرب حتی الآن لمواجهة ما يجري في ليبيا، والذي قد يمتد إلی الدول المجاورة. کما لم تتحرک واشنطن لوضع حد لممارسات نوري المالکي في العراق، والمساعدة في احتواء الحراک الحوثي في اليمن.
جاء رد الفعل الغربي بعامة والأميرکي بخاصة، نتيجة تهديد المناطق الکردية في العراق والممارسات الهمجية ضد الأقليتين المسيحية والإيزيدية في العراق.
بعض الدول التي سيزورها الوزير کيري والوزير هاغل ستسأل الإدارة عن المواقف الأميرکية الملتبسة.
لن يستطيع الرئيس أوباما وأرکان إدارته تفسير التراجع عن النأي بالنفس عن مشاکل المنطقة، لا سيما إذا لم يحمل الوزيران مواقف واضحة إزاء التباين حول قضايا کثيرة، علی رأسها الموقف من إيران ودورها في الإقليم.
3- تباين واضح بين بعض الأطراف التي تنتمي إلی ما يمکن اعتباره حلفاً. ويتمحور التباين حول أکثر من موضوع خلافي، إنما النقطة الخلافية الأبرز هي الموقف من نظام الأسد کما الموقف من الإسلام السياسي نفسه ومن المنظمات المتشددة.
4- إذا کان من السذاجة اعتبار أن حل ظاهرة «داعش» وغيرها من حالات الاضطراب والنزاع في الإقليم يصلح بالدور الأجنبي، فإن من السذاجة والتبسيط أيضاً تجاهل عمق المشاکل المحلية وتجذرها في دول الإقليم، لا سيما فقدان الحکم الصالح والمشاکل داخل المکونات وبين هذه المکونات والسلطة.
کشفت السنوات الثلاث الماضية الکثير من الحقائق حول الأوضاع السياسية والاجتماعية والثقافية في عالمنا العربي. ما ظهر في سورية وليبيا والعراق ومصر وتونس ولبنان وفلسطين وغيرها من عفن ثقافي واجتماعي وتخلف وعنف، لا يشي بحلول سريعة ومستقبل قريب واعد.
وهذا قد يبرر للرئيس الأميرکي عدم ضرورة الانخراط في شؤون المنطقة، وقناعته بأن التدخل في منطقة فاشلة أو علی مشارف الفشل، نتائجه باهظة علی بلاده.
وبمعزل عن صواب هذه المقاربة أو خطئها تبين للرئيس الأميرکي أن من الصعب التخلي أو الابتعاد.
وفي السياق نفسه، لا سيما مع الحديث عن اقتراب أکثر من دولة في المنطقة من الفشل وتحولها إلی بيئات صالحة لتفريخ الإرهابيين واحتضان المقبلين من الغرب، يبقی السؤال الأکثر إلحاحاً: إذا صح أن العالم العربي أضحی بيئة حاضنة ومنتجة للإرهاب، ماذا في شأن أولئک المقبلين من الغرب، هل لندن وسيدني ولوس أنجليس واستوکهولم بيئات خصبة أيضاً؟


زر الذهاب إلى الأعلى
منظمة مجاهدي خلق الإيرانية - أرشیف
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.