العالم العربيمقالات

«تأديب» الأسد حين يقود إلی «تأديب» بوتين والإيرانيين

 

 

الحياة
13/4/2017
 
 
بقلم:عبدالوهاب بدرخان


 ترحيب، تأييد، إشادة… نادراً ما حظيت ضربة عسکرية بهذا القبول العالمي، الذي تحوّل بدوره استعداداً للتآلف مع دونالد ترامب المتأثّر «إنسانياً وأخلاقياً» بموت الأطفال اختناقاً في خان شيخون،
فيما هبطت شعبية فلاديمير بوتين کزعيم صلب في مواجهة أميرکا بعدما ظهر مدافعاً عن قتل هؤلاء الأطفال ومتهّماً بالمشارکة في الجريمة. حتی أن الرئيس الصيني أبدی تفهّماً لضرب مطار الشعيرات، مع أنه شريکٌ دائم لـ «الفيتو» الروسي في مجلس الأمن. لکن إنجاح اللقاء مع ترامب في فلوريدا کان بالنسبة الی شي جينبينغ أهم بکثير من التضامن مع بوتين في سورية. لم يکن الرئيس الروسي يتصوّر أن قمة أميرکية – صينية يمکن أن تسبق أي قمة بينه وبين رئيس أميرکي لم يفوّت مناسبة إلا وتهجّم فيها علی الصين. وهکذا بدت قمة ترامب – شي أيضاً من مؤشّرات التغيير في اقتناعات واشنطن وأولوياتها.

علی عکس باراک اوباما، لم يرسم ترامب «خطّاً أحمر» في سورية لکنه واجه الاختبار نفسه، ولدوافع مختلفة. عام 2013، کان استخدام السلاح الکيماوي في الغوطة الشرقية ومعضمية الشام لاستفزاز الرئيس الأميرکي السابق و «خطّه»، وإذ تظاهر کمَن يستجيب التحدّي، إلا أن عروض موسکو وحجج إسرائيل أقنعته بإطفاء محرّکاته والتراجع ليکتفي باتفاق تدمير المخزون الکيماوي لدی بشار الأسد، ففي ذلک إخراج للقطيعة الاضطرارية مع روسيا بسبب رفضها تسليم موظف الـ «سي آي اي» المنشقّ إدوارد سنودن، وفيه أيضاً مصلحة غربية وبالأخص إسرائيلية تتمثّل في التخلّص من سلاح محظور في يد نظام مارق. هذه المرّة، لم يکن هناک أي مبرّر لاستخدام الغازات السامة، فلا خطر وشيکاً علی نظام الأسد ولا تهديدات أميرکية له، بل علی العکس جاءت غارة السموم لإيقاظ أطفال خان شيخون بعد يومين علی سلسلة مواقف علنية توالی فيها وزير الخارجية والمندوبة الأميرکية في الأمم المتحدة والناطق باسم البيت الأبيض علی طمأنة الأسد الی أنه «أمر واقع مقبول» وإنْ لم يکن مرغوباً فيه.

کانت هذه المواقف أبعد من طمأنة بوتين الذي ينتظر منذ غداة انتخاب ترامب اتفاقاً علی صفقة کبری معه، لکن توقّعاته ارتبکت وتعقّدت علی أرض الواقع، ما استوجب منه أن يفرمل خططه لوقف النار وإنهاء الصراع في سورية. إذ راحت الأيام تمضي والأشخاص في إدارة ترامب يتبدّلون والظروف تتغيّر، وإذا بالـ «إف بي آي» يتعمّق في التحقيق في فضائح «الاتصال» بين روسيا والترامبيين، وإذا بالقوات الأميرکية ترتّب مواطئ نفوذها حول الرقّة شمالاً وتستدعي ضباطاً سوريين منشقّين من ترکيا الی الأردن لتعزيز القوات المجمّعة جنوباً في محيط درعا، وإذا بالآمال والأحلام البوتينية تتبدّد، وإذا بواشنطن أخيراً تُخرج ورقة «مصير الأسد» من التداول وکأنها تقول للروس والإيرانيين أن بإمکانهم الاحتفاظ بها واستخدامها کما يشاؤون. لذا وجد بوتين (والإيرانيون) مصلحة في تکرار الاختبار الکيماوي مع ترامب لجلبه الی مساومة جديدة.

کانت ردود الفعل الأميرکية الأولية علی غارة خان شيخون باهتة وأقـــرب الی العادية، ما أثار انتقادات داخلية مشابهة لتلک التي کانت تُوجّه لاوباما. لکن في الساعات التالية، أفضی تحليل الغارة الی أن أطفالاً قضـــوا فيــها لکن المستهدف کان ترامــــب وإدارته وقراره، وأن الأسد ارتکـــب الجريمة لکـن بتشجيع ودعــم من بوتيــــن، بغية اختبار ترامب. لذا، کانــت الضربة لمطار الشعيرات إثباتاً للاختلاف عن نهج اوباما، وإنْ لم تقطع تماماً مع ذلک النهج الذي أوقف استخدام القوة لحظة کان يمـــکن أن يُحدث فارقاً کبيراً في مجريات الأزمة الســـورية، وخشي الانزلاق الی مبارزة عسکرية مفتوحة لا يريدها مع روسيا وربما لا يريدها بوتين، إلا أن الأسد والإيرانيين کانوا يسعون اليها. وعلی رغم أن الضـربة الأميرکية کانت محدّدة، وأُبلغ عنها مسبقاً ليسحب الروس والإيرانيون والأسد عناصرهم، إلا أن وقعها لم يکن محدوداً، بل أوحت بأن المستهدف بـ «التأديب» ليس الأسد وحده، بل أيضاً بوتين والإيرانيين.

أکثر من جهة اجتهدت في قراءة تصريحات ريکس تيليرسون ونيکي هايلي وشون سبايسر. فأوساط النظام نقلت ارتياحاً لدی الأسد مشوباً بقلق من حليفيه الروسي والإيراني هذه المرّة، فهو ورقتهما التي يتاجران بها، لکن ها هم الأميرکيون يلوّحون إمّا بانتزاعها منهما أو برميها فتفقد قيمتها. وفي هذه الحال، سيکون الأسد ضحية صراع دولي طالما تمنّاه لينقذ نظامه وتسلّطه. أما بوتين فاستفزّه أن يعبث الأميرکيون بورقة الأسد التي يملکها ولا يعتقد أنه يتقاسمها مع إيران. وأما طهران التي تجري مراجعةً لمجمل استراتيجيتها فوجدت في المواقف الأميرکية من الأسد عنصر تعقيد جديداً. فهل أقدم النظام علی غارة السموم باجتهاد خاص ليختبر الجميع، أم فعلها بإيحاء روسي – إيراني ليستدرج ترامب؟ بالنظر الی طبيعة حال التبعية الکاملة التي آل اليها نظام الأسد، لا أحد يصدّق أنه تحرک لمعابثة أميرکا من تلقائه، والأرجح أن الروس لم يتوقّعوا تحرّکاً أميرکياً بهذين الإخراج والسرعة، فصواريخ «توماهوک»عبرت في رؤوسهم لتبلغهم رسالة مفادها أن الکرة باتت عندهم، وأن الضربة المقبلة تتوقف علی سلوکهم، أي علی إدارتهم لممارسات الأسد.

بعدما کان بوتين استثمر في ضعف اوباما وحقّق مکاسب، استعدّ للاستثمار في غباء ترامب وخوائه من خلال «تحالف» کان يعتزم هندسته ليکون له فيه تفوّق في الخبرة والقدرة علی اللعب بکل الأوراق والمساومة في مختلف الملفات، من اوروبا الی الشرق الأوسط، ومن سورية الی اوکرانيا، فضلاً عن إيران وحتی الصين. لکن الضربة الأميرکية حجّمت رهانات بوتين إنْ لم تکن قد زعزعتها، ثمة قواعد جديدة للعبة في سورية فيما لا يزال الجميع يردّدون بأن الاستراتيجية الأميرکية لم تتضح بعد، والأرجح أنها لن تُعرف إلا عندما تصبح فاعلة وقريبة من تحقيق أهدافها، ليس في سورية فحسب بل في عموم المنطقة. وإذ يتبيّن الآن أن بوتين کان يلعب في المساحات الشرق أوسطية التي تعمّد اوباما إخلاءها له، فإنه لم يحسن التعامل أو تعامل بصلف وغطرسة مع شراکات عربية أقبلت عليه بدافع اليأس من اوباما، أما الشراکات التي استغلّها فقط لتسجيل نقاط ضد أميرکا فإن أصحابها يبنون الآن آمالاً جديدة علی واشنطن بعدما عادت تفتح أبوابها.

غداة الضربة الأميرکية المحدّدة، لم يجد بوتين من يصطفّ معه في التنديد والاستنکار سوی إيران وکوريا الشمالية، بالإضافة طبعاً الی نظام الأسد. ليس هذا هو المحور الذي يُمکّنه من تحدّي أميرکا. لکن قيصر الکرملين لم يخسر شيئاً استراتيجياً بعد، طالما أنه لم يخسره عسکرياً، إذ لا تزال سورية واقعياً في قبضته وبإمکانه أن يحرّک خيوطها ويواصل توظيفها للمشاکسة والإزعاج، إلا أنه بات واقعاً تحت الضغوط، فمن جهة عليه أن يضبط أداء الأسد والإيرانيين، ومن جهة أخری عليه أن يردّ الصفعة التي تلقاها في سورية، والأهم أن عليه أن يبرهن عدم اندفاعه الی مواجهة عسکرية قد تؤدّي الی ما خشيه دائماً، وهو الغرق في سورية.

الهدف الأميرکي المقبل قد يکون أحد المطارات أو المواقع التي تُصنّع فيها البراميل المتفجّرة، والمؤکّد أن الوضع في جبهة الجنوب سيتغيّر في غضون الشهرين المقبلين، بالتزامن مع وشوک معرکة الرقّة التي لم يتقبّل الأسد والإيرانيون استبعادهم عن المشارکة. کلٌ من هذه العناصر يکفي لإشعال مواجهة اذا کان بوتين يسعی اليها، لکن لا يزال متاحاً أمامه أن يقوم بما تتوقعه الدول السبع منه، وفي طليعتها الولايات المتحدة، أي أن يضمن وقفاً شاملاً لإطلاق النار ويدفع نظام الأسد الی التفاوض جدّياً علی حل سياسي. أما الردّ علی أميرکا، کما بدا في عمليات روسيا والنظام السوري واستخدام قنابل الفوسفور، فقد عنی أن أي ضربة ناقصة أو محدّدة تزيد وحشية بوتين والأسد ضد المدنيين السوريين.

* کاتب وصحافي لبناني

زر الذهاب إلى الأعلى
منظمة مجاهدي خلق الإيرانية - أرشیف
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.