العالم العربي

الانقلاب الحوثي.. قراءة إيرانية

 



الشرق الاوسط
10/2/2015



في الوقت الذي تنطلق فيه المظاهرات المناوئة للحوثيين في الداخل اليمني ويأتي الانتقاد والاستنکار سواء علی المستوی الخليجي أو الإقليمي أو الدولي، تطالعنا زاوية أخری تسير مغايرة لما تقدم، بل إنها تأتي علی النقيض من ذلک. نسير مع القارئ في السطور القادمة لمعرفة تلک الزاوية وعلی ماذا تستند في رؤيتها للداخل اليمني.
بداية ونظرا لتبعات ما عرف بالربيع العربي جاءت المبادرة الخليجية لإخراج اليمن من ذلک الاحتقان والوصول إلی خريطة توافقية للقوی الفاعلة فيه. لم يستمر الوضع علی ما هو عليه بعد التجاوزات الحوثية التي طالت العاصمة صنعاء. المبعوث الدولي الخاص لم يتوقف عن جهوده للوصول إلی حل توافقي بين الأطراف وفق المبادرة الخليجية. الحوثيون يصعدون من مطالبهم وإذا بمبادرة «السلم والشراکة الوطنية» التي أعطت الحوثيين مساحة سياسية کبيرة. الحوثيون لم يکتفوا بذلک بل سعوا إلی تحقيق مزيد من النفوذ والتمدد جنوبا. يستمر الحوثيون في خطواتهم وإذا بالإعلان الدستوري يأتي بوصفه واقعا سياسيا مفروضا علی اليمن ليخرج من دوامة إلی أخری.
المظاهرات المناوئة لهذا الإعلان تنطلق في مختلف مدن اليمن، ومن کان بالأمس مؤيدا وداعما للحوثيين يأتي ليعلن رفضه اليوم لتلک الخطوة الانقلابية. مجلس التعاون الخليجي يعتبر الانقلاب الحوثي نسفا کاملا للعملية السياسية السلمية التي شارکت فيها کل القوی السياسية اليمنية. مجلس الأمن يعبر عن القلق الشديد من التطورات في اليمن واستعداده لاتخاذ خطوات إضافية إذا لم تستأنف المفاوضات التي ترعاها الأمم المتحدة والإفراج الفوري عن الرئيس هادي ورئيس حکومته وأعضاء مجلس الوزراء ورفع الإقامة الجبرية المفروضة عليهم.
يتزايد الرفض اليمني في الداخل عاکسا صداه علی الساحة الدولية في رفضها للإعلان الدستوري واعتباره انقلابا ونسفا للعملية السياسية في اليمن.
وبالانتقال إلی القراءة الإيرانية للوضع الراهن في اليمن، نتساءل بادئ ذي بدء هل ما يحدث في اليمن يعتبر من منظور هذه القراءة انقلابا أم ثورة؟
الإجابة هي الاثنان معا، ولکن کيف ذلک؟
بداية تطلق وسائل الإعلام الإيرانية علی الأحداث في اليمن والانقلاب الحوثي مصطلح «انقلاب حوثي». غير أنه في الوقت الذي يأتي القارئ العربي فيه ليتلقی هذا المصطلح باعتبار أن النظام الإيراني يعتبر خطوات الحوثيين انقلابا، تأتي اللغة الفارسية لتستخدم مصطلح «انقلاب» علی غير معناه في اللغة العربية. فـ«انقلاب» في اللغة الفارسية تعني «ثورة» في حين أن لفظ «کودتا» في اللغة الفارسية تعني «انقلابا» بمفهمها العربي.
إذن القراءة الإيرانية بداية تری في خطوات الحوثيين ثورة وليست انقلابا علی الشرعية. ومن هذا المنطلق ظل مسؤولو النظام الإيراني منذ البداية يبارکون التحرکات الحوثية ويعتبرونها ثورة حقيقية وشعبية، وهو ما تجلی من خلال تصريح علي ولايتي مستشار المرشد في الشؤون السياسية والدولية ورئيس مرکز البحوث في مجمع تشخيص مصلحة النظام حين قال إن إيران تدعم النضال العادل للحوثيين، ويأتي رئيس هيئة التعبئة ليقدم التهنئة لعبد الملک الحوثي ويصفه بالأخ المجاهد. کيف لا وقد أصبحت صنعاء العاصمة العربية الرابعة التي تقع في يد إيران کما قال أحد نواب البرلمان.
المتتبع للشأن الإيراني يلاحظ تريثا من قبل المستوی الرسمي في الرد علی التطورات الأخيرة في اليمن. فبعد الترحيب الواضح من قبل المسؤولين الإيرانيين علی مبادرة السلم والشراکة الوطنية لما أفردته من مساحة کبيرة للحوثيين، تأتي وسائل الإعلام الإيرانية حتی الآن لتعکس القراءة الإيرانية فقط دون المسؤولين. قناة «العالم» علی سبيل المثال تسلط الضوء کما تری علی احتفالات بصنعاء ومدن أخری في اليمن تأييدا للإعلان الدستوري، کما تعنون کذلک «مجلس التعاون يتدخل بشؤون اليمن عبر رفض الإعلان الدستوري». صحيفة «کيهان» ورئيس تحريرها شريعتمداري المقرب من المرشد تناولت الأحداث الأخيرة في اليمن علی النحو التالي «وأخيرا استطاع الشعب اليمني بشماله وجنوبه الأخذ بزمام الأمور ودفع البلد إلی شاطئ الأمان، وهو يرص صفوفه متحديا القوی التکفيرية والرجعية التي أرادت علی الدوام الانتقاص من سيادة البلد واستقلاله وجعله حديقة خلفية للنظام السعودي الذي تآمر علی الدوام علی هذا البلد وکان آخرها الالتفاف علی ثورة 15 يناير (کانون الثاني) من خلال المبادرة الخليجية».
ولعل السؤال المهم هنا لماذا حتی الساعة لم يظهر تصريح رسمي واضح من قبل المسؤولين في إيران حول الأحداث الأخيرة في اليمن؟ نطرح علی القارئ بعض الفرضيات.
الفرضية الأولی، تأتي وفق قاعدة «السکوت علامة الرضا» باعتبار أن ما يحدث في اليمن يسير وفق المصالح الاستراتيجية الإيرانية بحيث تأتي سيطرة الحوثيين متوائمة مع تلک الاستراتيجية وأهدافها، ولعل ذلک يتضح من خلال تصريح النائب البرلماني الإيراني.
الفرضية الثانية، هي أن السبب في هذا السکوت حتی الآن اعتبار أن ما يحدث في اليمن شأن داخلي ولا ينبغي التدخل في شؤونه الداخلية. وهو ما يعطي بدوره فرصة لانتقاد موقف مجلس التعاون الخليجي ووصف بيانه بأنه تدخل کما أشارت قناة «العالم» في شؤون اليمن. وبما أن ما يحدث يسير في مصلحة الاستراتيجية الإيرانية، فلا بأس من التريث. ونذکر القارئ هنا أن المتتبع للشأن الإيراني يلاحظ وبوضح ردود الفعل الإيرانية الآنية والسريعة حين تتجلی أحداث تسير خلافا لتوجهاته الاستراتيجية. ونذکر هنا بالموقف الإيراني من اعتقال نمر النمر في المملکة العربية السعودية، وکذلک علي سلمان في مملکة البحرين.
أما الفرضية الثالثة، فتبرر هذا السکوت والتريث علی أنه نتيجة طبيعية للسياسة الإيرانية وطبيعتها في حسابات الربح والخسارة والتي لعلها ظهرت بنتيجة مردها أن ردود الفعل القوية تجاه الإعلان الدستوري الحوثي سواء من الداخل اليمني أو الإقليمي أو الدولي، يتطلب معه عدم التعجل في دعم فريق في مواجهة فريق آخر والتريث حتی تتضح الرؤية وينقشع الضباب.
وأيا کانت الفرضية الصحيحة يبقی حرص النظام الإيراني علی المحافظة علی المکتسبات التي حققها في اليمن من خلال صعود الحوثيين للسلطة أمر في غاية الأهمية للاستراتيجية الإيرانية، وبالتالي الاستمرار في الاستراتيجية التي تحقق الحفاظ علی تلک المکتسبات.

زر الذهاب إلى الأعلى
منظمة مجاهدي خلق الإيرانية - أرشیف
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.