حدود الاسلام مع التطرف الإرهابي
(الحلقة التاسعة)

بقلم: آية الله الشيخ جلال کنجئي
إن التشدق بـ «کون الإسلام عالميًا أو أمميًا» في لغة التطرف الإرهابي المغطی بالإسلام يعني کون التطرف من هذا النوع متغطرسًا يريد السيطرة علی العالم أو نوعًا من العولمة أو عولمة التطرف الذي هو نفسه قد اعترف بذلک ويقول في ما يتعلق بتعدد العدول الإسلامية وحدودها الحالية بکل صراحة: «إن الإسلام لا يعترف بالحدود الجغرافية». هذا الادعاء هو الذي أعلنه نظام الحکم القائم في إيران طيلة ربع القرن الماضي بصرا“ة تامة ودون أي غموض واعتبره مبدأ من مبادئ سياسة النظام الخارجية. وقد بحثنا في ما تقدم بعضًا من هذه المبادئ.
وکما قلنا سلفًا أن شخص خميني کان قد دعا في وصيته الر سمية الصادرة يوم 15 شباط عام 1983 إلی إقامة «حکومة واحدة» في العالم الإسلامي.
من الواضح للغاية أن هذا الموقف أو الادعاء يعني عدم شرعية ما لا يقل عن 57 دولة في عالم اليوم أي جميع الدول التي تعتبر نفسها مسلمة وهم أعضاء في «منظمة المؤتمر الإسلامي» (OIC) کما يعني ضرورة القضاء عليها. والنظام الإيراني يعتبر نفسه هو النظام الوحيد ضمن هذه المجموعة ينفذ حسب زعمه «الأحکام الشرعية» ولا يشمله الحکم المذکور بضرورة القضاء عليه أو إزالته، مباشرة، ولکن تغيير حدود هذا النظام أيضًا يأتي ضمن مشاريع التطرف الإرهابي وهو التغيير التوسعي الذي لا يساوي إلا ابتلاع أرضي الجيران بواسطة جهاز حکام إيران الهاضمة. فمن الواضح بجلاء أن مثل هذا لتطور بواسطة جهاز حکام إيران الهاضمة. فمن الواضح بجلاء أن مثل هذا التطور الذي تتحدث عنه رسميًا دولة وجماعات التطرف الإرهابي المتستر بغطاء الإسلام يعني التغيير العام في هيکلية الجغرافيا السياسية للعالم وأقل ما يشير إليه من الأخطار هو إذکاء نار حرب عالمية طائفية أو دينية تماثل الحروب الصليبية التي دامت 200 عام في العصور الوسطی (من 1096 إلی 1291) بفارق أبعاد أکثر دموية ودمارًا بأضعافًا مضاعفة منها وحتی من الحربين العالميين الأولی والثانية اللتين أودتا بحياة مائة مليون شخص (6 ملايين شخص في الحرب العالمية الثانية فقط)، ناهيک عن الجروح المتبقية والمستمرة التي لا زالت نازفة في مختلف مناطق العالم خاصة الشرق الأوسط وجميع البلدان الإسلامية.
في مرآة الحرب الإيرانية العراقية
إن الحرب الإيرانية العراقية التي استمرت لمدة ثماني سنوات تستحق دراسة ونقاشًا بکل استقلال ودقة باعتبارها نموذجًا مما سينتج عن الدعوات إلی «شطب الحدود» وتوسيع الحکم المسمی بالإسلامي بهدف إنشاء «نظام حکم إسلامي واحد» ضد المسلمين وجميع أبناء البشر. لأن أحداث وتطورات هذه الحرب تثبت بوضوح أن هذا النوع من النوايا والنزعات الحربية ستخلق فجائع ومآسي لا تعد ولا تحصی ضد الجماهير المسلمة المظلومة في أوطان المسلمين التي تعتبر اليوم أکثر مناطق العالم حساسة وخطورة بل وأهم من ذلک کونه يهدد العالم بأسره. کما أظهر أن هذا النوع من إثارة الحروب والنزعة الحربية بذريعة الدين وبحجة «الجهاد» من أجل إقامة وتوسيع «نظام الحکم الإسلامي» کيف سيؤدي إلی قلب المفاهيم والقيم الإسلامية وحتی الأحکام القرآنية الصريحة والمحکمة.
إذًا فهکذا دراسة في العصر الحاضر ونظرًا للهجمة الشرسة والحملة العارمة للتطرف الإرهابي المقنع بقناع الإسلام في مختلف أرجاء العالم خاصة في الظروف السائدة حاليًا في العراق والبلدان الأخری في المنطقة واجب ملح وحيوي علی جميع القوی المسؤولة لأننا والعالم أجمع أصبحنا نواجه اليوم مع خصوم عديدة يروّجون لفکرة إقامة «نظام الحکم الإسلامي» علی نمط نظام الحکم القائم في إيران و«الحکومة الإسلامية الواحدة» لجميع مسلمي العالم، وأولئک الخصوم هم حکام إيران والمتطرفون الحاکمون الجاثمون علی عرش السلطة أينما کانوا بالإضافة إلی عناصرهم وذيولهم وعملائهم في کل أرجاء العالم.
حرب بين البلدين حتی حرب إقليمية
أما کون هذه الحرب توسعية فلم يظهر في العلن أکثر مما مضی إلاّ بعد إطلاق النظام الإيراني ومختلف عناصره شعارات توسعية وبوجه خاص شعار «طريق القدس يمر عبر کربلاء» في أبواقهم الدعائية. أما سبب أو دافع لجوئهم إلی إطلاق هذا الشعار فهو أن الجيش الإسرائيلي قد احتل آنذاک الجنوب اللبناني فکان الرأي العام لمسلمي العالم يتطلب أن يوقف البلدان الإسلاميان إيران والعراق الحرب بينهما ليسرعا إلی مساعدة لبنان وهو المطلب الذي أصر عليه الإيرانيون خاصه القوی المعارضة لخميني وفي مقدمتها المقاومة الإيرانية وشنوا حملة أو حرکة واسعة لإقرار السلام بين البلدين خاصة بعد أن انسحبت القوات العراقيه في السنة الثانية للحرب إلی وراء الحدود العراقيه الرسمية. وکانت رسالة هذا الشعار الجديد آنذاک (فتح القدس عبر کربلاء) أو «طريق تحرير القدس يمر عبر کربلاء، (أي بالاستيلاء علی العراق)» تکمن في طياتها تأثيرات الحرب الطبيعية علی البلدان المجاورة الأخری التي کانت سيتم إقحامها في هذه الحرب مما أظهر للجميع أن حکام إيران المثيرين للحروب يستعدون لابتلاع کثير من البلدان العربية والإسلامية وبدأوا يمهدون الطريق لذلک في إطار أطماعهم وأحلامهم التوسعية التي کانت تثير عدة حروب لسنوات عديدة کل منها تکون بذات حجم الحرب الإيرانية العراقية، ومن هذه البلدان العديدة التي تقع في المسافة والرقعة الجغرافية بين طهران والقدس هي العراق والأردن وسوريا ولبنان علی أقل تقدير. ولکن لم يلبث خميني وحکام طهران حتی أظهروا نواياهم الشريرة بوضوح أکثر حيث أطلقوا شعار «الحرب، الحرب، حتی رفع الفتنة عن العالم أجمع» ليحل محل شعارهم السابق القائل: «الحرب، الحرب، حتی النصر» الذي کان يطلق في حد ذاته لمواجهة الدعوات العالمية إلی السلام والجهود الدولية الرامية إلی التصالح وإنهاء الحرب. ولا حاجة لإيضاح التفاوت بين ساحتي العمل لهذين الشعارين أي الساحة الإقليمية والساحة الدولية.
توسيع الحرب والإرهاب فعلاً
بغض النظر عن النوايا الشريرة لخميني وزمرته والتي کانت قد بانت في شعارات وهتافات هذا النظام، فإن الحرب الإيرانية العراقية التي کانت تدور بين البلدين فقط رسميًا وفي العلن ولکن في الواقع الملموس وعمليًا (فعلاً) ومنذ السنوات الأولی من نشوبها کانت قد امتدت إلی البلدان المجاورة الأخری أيضًا.
والواقع أنه سواء من الناحية السياسية والإعلامية أو من الناحية العملياتية والعسکرية تحولت الحرب إلی حرب کان فيها وجود نشط وفعال لجنود وعناصر دول عديدة. فمن جهة استهدف النظام الإيراني بعضًا من البلدان المجاورة بتهمة مساندة الحکومة العراقية آنذاک بقصفها بصواريخه أو تنفيذ عمليات إرهابية ضدها بواسطة عملائه وذهب في ذلک إلی تنفيذ عملية خطيرة وفاشلة تهدف إلی اغتيال أمير الکويت آنذاک.
وبعد فترة وجيزة أعلن المتحدث الرسمي لنظام خميني أنه «لسبب ما تقدمه الکويت من العون والإسناد المالي وعسکري للعراق فإن إيران تعتبر أن دولة الکويت قد أعلنت حربًا ضد إيران فإيران تعتبر أن من حقها إيقاف بواخر والسفن الکويتية ومصادرة شحناتها».
وبعد عدة» أشهر من ذلک قال رفسنجاني رسميًا علی صفحات المجلة الناطقة بلسان فيلق حرس النظام: «علی دول جنوب الخليج الفارسي التي تساند وتدعم العراق أن يعلموا أنه إذا ما کان العراق يشتري الأسلحة ويهاجم مراکزنا ومواردنا النفطية بأموال وإيرادات النفط العائد إلی کل من السعودية والکويت أو دول أخری فإننا سنعتبر هذه الاعتداءات والهجمات اعتداءات وهجمات تأتي من جانبهم وسنکتبها لحسابهم».
وبدوره قال وزير الخارجية الکويتي بعد قليل من تصريحات رفسنجاني المذکورة: «إن إيران لديها خطة هوجاء لدخول الأراضي الکويتية والعراقية وإقامة حکومة تابعة للنظام الإيراني فيها».
إن إطلاقات مدفعية النظام الإيراني علی الموانئ والجزر الکويتية أو علی البواخر والسفن التجارية المتوجهة إلی تلک الموانئ والجزر بما في ذلک القصف الصاروخي من قبل نظام خميني والذي کان إعلام النظام يسمي الصواريخ المستخدمة في عمليات القصف المذکورة بـ «الصواريخ الحائرة» وهي تسمية أو عبارة استخدمها شخص رفسنجاني کشفرة أو حفرة خلال الخطبة الرسمية لصلاة الجمعة في طهران لتصل الرسالة إلی مخاطبيه الکثّر.
ومن جهة أخری اعتبرت سلطات الحکومة العراقية أن بعضًا من الدول الأخری بينها سورية وليبيا تساند نظام خميني وتشجعه بحيث کان مسؤولون عراقيون يقرأون علی الرأي العام تقارير ووثائق تؤکد قيام الدول المذکورة بإرسال أسلحة وجنود إلی إيران لتعزيز جبهة خميني ونظامه في الحرب.
فجائع وجرائم عديدة
کما لاحظنا في نماذج قليلة من حروب «تصدير الثورة» التطرفية والإرهابية الخمينية فإن توسعية التطرف الجاثم علی عرش السلطة ليس من شأنها إلا إشعال فتيل الحرب والإرهاب لامحالة، ولکونها تتذرع بالدين فتستعر لامحالة ضد الاستقرار والأمن ومصالح الجماهير المسلمة وفي الوقت نفسه تستهدف بهجماتها واعتداءاتها المصالح العليا للإنسانية والسلام والأمن العالميين. وهنا ستتعرض أغلی ثروات وقيم المسلمين وهي الدين الإسلامي الحنيفلل قلب والحرف والمسخ بشدة کألعوبة للسلطة وتابعة لمتطلبات الحکم والسلطة، وهذا واقع مرّ أليم نعود ولمشاهدة نماذج منه نحتاج إلی التفکير والتأمل والتعمق في الأحداث الناجمة عما يسمی بـ «تصدير الثورة» من قبل خميني والتطرف.
(يتبع)







