أخبار العالم
البوسنة أمام صعوبة طي صفحة النزاع رغم صدور الحکم علی ملاديتش

23/11/2017
بعد إنجاز القضاء الدولي مهمته وإيداع الزعيم العسکري السابق لصرب البوسنة راتکو ملاديتش السجن مدی الحياة، سيکون من الصعب علی البوسنة طي صفحة حرب أوقعت أکثر من مئة ألف قتيل وشردت أکثر من مليونين.
وإن کان الحکم الصادر عن المحکمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة ينذر بنهاية الإفلات من العقاب لمرتکبي مثل هذه الجرائم في العالم، إلا أن المدعي العام في المحکمة سيرج براميرتز حذر بأن القضاء لا يمکن أن يحقق وحده “مصالحة ينبغي أن تنبع من المجتمع”.
غير أن هذه “المصالحة متعثرة” في البلقان عموما وفي البوسنة خصوصا، وفق ما کتب مفوض حقوق الإنسان في مجلس أوروبا نيلز موزنيکس عشية صدور قرار المحکمة التي تأسست في 1993 لمقاضاة المسؤولين عن ارتکاب جرائم حرب خلال النزاع في البلقان.
وعدد بهذا الصدد “الانقسامات الاتنية التي تطغی” و”إنکار وقوع الإبادة” و”تمجيد مجرمي الحرب” وغيرها من العوامل.
وبالرغم من ذلک، يری خبراء أن المحکمة التي تتخذ مقرا لها في لاهاي، ترکت إرثا في غاية الأهمية إذ ساهمت في کتابة تاريخ النزاع ووجهت تحذيرا إلی مجرمي الحرب في العالم بأنه قد ينتهي بهم الأمر هم أيضا في قفص الاتهام، ورسمت معالم قضاء دولي لمثل هذه الجرائم.
وتقول المحامية الدولية والباحثة في معهد کلينغنديل ديانا جوف بهذا الصدد أن المحکمة اثبتت أنه “من الممکن مقاضاة شخصيات رفيعة المستوی مسؤولة عن ارتکاب جرائم” خلال هذه الحرب، وهي بالتالي أرست “معيارا ذهبيا” لملاحقة وتحديد جرائم معقدة مثل جرائم الإبادة، فيما اعتبر المدعي العام للمحکمة الخاصة بکوسوفو ديفيد شوينديمان أنه “بات من المؤکد” بفضلها أن مجرمي الحرب لن يفلتوا من العقاب.
غير أن المحللة تانيا توبيتش قالت إن الحکم “لا يشکل منعطفا” لأنه لا يترافق مع “صدور تقرير نقدي حيال الجرائم التي ارتکبها معسکر” ملاديتش، مضيفة أن السياسيين من صرب البوسنة “يبقون أسری تلک الفکرة” التي تقول أن المحکمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة کانت “محکمة سياسية” ألحقت “ظلما تاريخيا بالصرب”.
ووضعت ملصقات الأربعاء علی مسافة بضعة کيلومترات عن نصب مجازر سريبرينيتسا، يظهر فيها ملاديتش باللباس العسکري مع عبارة “أنت بطلنا”، وقد وصف الزعيم السياسي للکيان الصربي في البوسنة ميلوراد دوديتش مجرم الحرب بانه “أسطورة الشعب الصربي”.
وهذا هو رأي غالبية صرب البوسنة الأرثوذکس الذين يمثلون ما يزيد بقليل عن ثلث سکان البوسنة البالغ عددهم الإجمالي 3,5 ملايين نسمة، مقابل أکثر من نصف من البوسنيين المسلمين و15% من الکروات الکاثوليک. أما الذين يرفضون التعريف عن أنفسهم وفق هذا التقسيم الإتني الطائفي ويشار إليهم بکلمة “أوستالي” التي تعني “الآخرين”، فلا يتخطی عددهم 3% من السکان.
وفي مؤشر إلی تهميشهم، ينص الدستور البوسني علی أنه لا يمکنهم الترشح للمجلس الرئاسي الثلاثي في بلد يعتقد الکثيرون أنه أقيم علی قاعدة غير سليمة.
– الخلل في اتفاق دايتون –
إن کان اتفاق دايتون الموقع في نهاية 1995 وضع حدا للنزاع، إلا أنه “أعطی القوميين سلطة تکاد تکون غير محدودة علی أراضيهم الإتنية” وساعدهم علی “تحقيق أهدافهم الحربية بوسائل أخری سياسية”.
وبعد ربع قرن علی اندلاع النزاع، تتحدث کل المجموعات بدون أي تردد عن مفهوم “الصيغ الثلاث للتاريخ” و”الحقائق الثلاث”.
والحليف الأول لهذا الصراع علی الذاکرة هو نظام الفصل المدرسي الذي أرسي خياره بحجة حماية حقوق الأقليات.
وقال نيلس موزنيکس إن مبدأ “المدرستين تحت سقف واحد (…) مستمر رغم قرار محکمة داخلية اعتبرت أنه ينطوي علی تمييز” ورغم توصيات منظمات حقوقية.
واستمر نظام الفصل بين مختلف المجموعات في الترسخ منذ الحرب. وفي هذا السياق، باتت بانيا لوکا (شمال) مدينة صربية بحوالی 90% بحسب التعداد السکاني بعدما کانت في الماضي متعددة الإتنيات تضم 49% من الصرب و19% من البوسنيين و15% من الکروات. أما ساراييفو التي کانت في ما مضی رمزا للتعددية الثقافية، فهي اليوم مدينة يسکنها 80% من البوسنيين، بعدما کانوا يشکلون نصف السکان في 1991.
– “من أجل المستقبل” –
ويقول رئيس بلدية سريبرينيتسا (شرق) الصربي ملادن غروجيتيتش إنه يؤمن بالعيش المشترک، ويشير إلی رسم طفل معروض علی مکتبه، تظهر فيه فتاة صربية وأخری بوسنية تقرآن معا الأولی الکتاب المقدس والثانية القرآن. لکنه يضيف “من الواضح أن البوسنة والهرسک لا تعمل بشکل جيد، وأنها دولة تعيش علی المساعدات”.
ويبقی زيجاد باتيتش (40 عاما) مقنعا بالتعايش، وهو من الناجين من مجزرة زيکوفي (شمال) التي قتل فيها 17 من أفراد عائلته بأيدي رجال ملاديتش. وهو يروي قصته في مدارس البلقان مع ضحايا أخرين من صرب وکرواتيين ضمن برنامج “بروبودوکنوست” (من أجل المستقبل).
ويؤکد “الذين يدرکون أن لا خيار أمامنا سوی العيش معا باشروا عملية المصالحة منذ نهاية الحرب” وهو يقول إن صربيين قتلوا أقربائه، لکن صربيين آخرين جازفوا بحياتهم لإخفائه ومن ثم مساعدته علی الفرار.
وإن کان الحکم الصادر عن المحکمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة ينذر بنهاية الإفلات من العقاب لمرتکبي مثل هذه الجرائم في العالم، إلا أن المدعي العام في المحکمة سيرج براميرتز حذر بأن القضاء لا يمکن أن يحقق وحده “مصالحة ينبغي أن تنبع من المجتمع”.
غير أن هذه “المصالحة متعثرة” في البلقان عموما وفي البوسنة خصوصا، وفق ما کتب مفوض حقوق الإنسان في مجلس أوروبا نيلز موزنيکس عشية صدور قرار المحکمة التي تأسست في 1993 لمقاضاة المسؤولين عن ارتکاب جرائم حرب خلال النزاع في البلقان.
وعدد بهذا الصدد “الانقسامات الاتنية التي تطغی” و”إنکار وقوع الإبادة” و”تمجيد مجرمي الحرب” وغيرها من العوامل.
وبالرغم من ذلک، يری خبراء أن المحکمة التي تتخذ مقرا لها في لاهاي، ترکت إرثا في غاية الأهمية إذ ساهمت في کتابة تاريخ النزاع ووجهت تحذيرا إلی مجرمي الحرب في العالم بأنه قد ينتهي بهم الأمر هم أيضا في قفص الاتهام، ورسمت معالم قضاء دولي لمثل هذه الجرائم.
وتقول المحامية الدولية والباحثة في معهد کلينغنديل ديانا جوف بهذا الصدد أن المحکمة اثبتت أنه “من الممکن مقاضاة شخصيات رفيعة المستوی مسؤولة عن ارتکاب جرائم” خلال هذه الحرب، وهي بالتالي أرست “معيارا ذهبيا” لملاحقة وتحديد جرائم معقدة مثل جرائم الإبادة، فيما اعتبر المدعي العام للمحکمة الخاصة بکوسوفو ديفيد شوينديمان أنه “بات من المؤکد” بفضلها أن مجرمي الحرب لن يفلتوا من العقاب.
غير أن المحللة تانيا توبيتش قالت إن الحکم “لا يشکل منعطفا” لأنه لا يترافق مع “صدور تقرير نقدي حيال الجرائم التي ارتکبها معسکر” ملاديتش، مضيفة أن السياسيين من صرب البوسنة “يبقون أسری تلک الفکرة” التي تقول أن المحکمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة کانت “محکمة سياسية” ألحقت “ظلما تاريخيا بالصرب”.
ووضعت ملصقات الأربعاء علی مسافة بضعة کيلومترات عن نصب مجازر سريبرينيتسا، يظهر فيها ملاديتش باللباس العسکري مع عبارة “أنت بطلنا”، وقد وصف الزعيم السياسي للکيان الصربي في البوسنة ميلوراد دوديتش مجرم الحرب بانه “أسطورة الشعب الصربي”.
وهذا هو رأي غالبية صرب البوسنة الأرثوذکس الذين يمثلون ما يزيد بقليل عن ثلث سکان البوسنة البالغ عددهم الإجمالي 3,5 ملايين نسمة، مقابل أکثر من نصف من البوسنيين المسلمين و15% من الکروات الکاثوليک. أما الذين يرفضون التعريف عن أنفسهم وفق هذا التقسيم الإتني الطائفي ويشار إليهم بکلمة “أوستالي” التي تعني “الآخرين”، فلا يتخطی عددهم 3% من السکان.
وفي مؤشر إلی تهميشهم، ينص الدستور البوسني علی أنه لا يمکنهم الترشح للمجلس الرئاسي الثلاثي في بلد يعتقد الکثيرون أنه أقيم علی قاعدة غير سليمة.
– الخلل في اتفاق دايتون –
إن کان اتفاق دايتون الموقع في نهاية 1995 وضع حدا للنزاع، إلا أنه “أعطی القوميين سلطة تکاد تکون غير محدودة علی أراضيهم الإتنية” وساعدهم علی “تحقيق أهدافهم الحربية بوسائل أخری سياسية”.
وبعد ربع قرن علی اندلاع النزاع، تتحدث کل المجموعات بدون أي تردد عن مفهوم “الصيغ الثلاث للتاريخ” و”الحقائق الثلاث”.
والحليف الأول لهذا الصراع علی الذاکرة هو نظام الفصل المدرسي الذي أرسي خياره بحجة حماية حقوق الأقليات.
وقال نيلس موزنيکس إن مبدأ “المدرستين تحت سقف واحد (…) مستمر رغم قرار محکمة داخلية اعتبرت أنه ينطوي علی تمييز” ورغم توصيات منظمات حقوقية.
واستمر نظام الفصل بين مختلف المجموعات في الترسخ منذ الحرب. وفي هذا السياق، باتت بانيا لوکا (شمال) مدينة صربية بحوالی 90% بحسب التعداد السکاني بعدما کانت في الماضي متعددة الإتنيات تضم 49% من الصرب و19% من البوسنيين و15% من الکروات. أما ساراييفو التي کانت في ما مضی رمزا للتعددية الثقافية، فهي اليوم مدينة يسکنها 80% من البوسنيين، بعدما کانوا يشکلون نصف السکان في 1991.
– “من أجل المستقبل” –
ويقول رئيس بلدية سريبرينيتسا (شرق) الصربي ملادن غروجيتيتش إنه يؤمن بالعيش المشترک، ويشير إلی رسم طفل معروض علی مکتبه، تظهر فيه فتاة صربية وأخری بوسنية تقرآن معا الأولی الکتاب المقدس والثانية القرآن. لکنه يضيف “من الواضح أن البوسنة والهرسک لا تعمل بشکل جيد، وأنها دولة تعيش علی المساعدات”.
ويبقی زيجاد باتيتش (40 عاما) مقنعا بالتعايش، وهو من الناجين من مجزرة زيکوفي (شمال) التي قتل فيها 17 من أفراد عائلته بأيدي رجال ملاديتش. وهو يروي قصته في مدارس البلقان مع ضحايا أخرين من صرب وکرواتيين ضمن برنامج “بروبودوکنوست” (من أجل المستقبل).
ويؤکد “الذين يدرکون أن لا خيار أمامنا سوی العيش معا باشروا عملية المصالحة منذ نهاية الحرب” وهو يقول إن صربيين قتلوا أقربائه، لکن صربيين آخرين جازفوا بحياتهم لإخفائه ومن ثم مساعدته علی الفرار.







