العالم العربيمقالات

مناطق آمنة أم معسکرات اعتقال؟

 


الشرق الأوسط
7/5/2017
 
بقلم:عبد الرحمن الراشد


لا تستعجلوا الحکم، خطة الملاذات الآمنة في سوريا ليست سيئة أبداً لکن، کما ذکر أحد المعلقين، في التفاصيل تکمن الشياطين.
عندما طُرحتْ قبل سنوات فکرة تخصيص مناطق للفارين من القصف والحرب، سريعاً عارضها النظام السوري ومعه إيران وروسيا. ثم ساعدهم الرئيس الأميرکي السابق متحججا بأنها غير عملية.
بعدها ضاعفت القوی الثلاث، نظام الأسد وإيران وروسيا، من عمليات تدمير المدن بشکل واسع جداً، کانت تهدف إلی تضخيم عدد اللاجئين وتصدير المشکلة إلی الخارج. وبالفعل بلغت أعداد المشردين وعابري الحدود أرقاما قياسية في تاريخ الحروب، نحو مليونين ونصف مليون لاجئ سوري في لبنان والأردن، ومثلهم فر إلی ترکيا. وفي عام واحد زحف مليون لاجئ سوري إلی أوروبا عبر ترکيا بشکل لم تشهد له القارة مثيلا منذ الحرب العالمية الثانية، واندس بينهم عناصر من تنظيمات إرهابية ومخابرات النظام. وبالفعل عمّ العالم الخوف من اللاجئين السوريين.
ضغط الأوروبيون يطالبون بإقامة ملاذات للاجئين داخل سوريا، إلا أن الروس رفضوها. اعتبر حلفاء الأسد الملاذات لعبة سياسية معاکسة تهدف إلی إقامة کانتونات مستقلة.
واستمر النظام يقصف جواً، بهدف تهجير ملايين الناس من الحواضر ذات التجمعات البشرية الکبری. حلب، أکبر المدن، لم يتبق فيها سوی نسبة صغيرة من السکان. وبعد إغلاق کل الحدود صار في داخل سوريا اليوم نحو سبعة ملايين مشرد، وخمسة ملايين لاجئ في الخارج، الأکبر في التاريخ المعاصر.
تغيرت الإدارة الأميرکية، وغير دونالد ترمب سياسة بلاده حيال الصراع في سوريا، وحکومته تتميز بأن من بين قياداتها جنرالات عملت ميدانيا في المنطقة تعرف حقائق الأرض. عاقبت الإدارة نظام الأسد وحلفاءه، بقصفها مطار الشعيرات، إيذاناً بسياستها الجديدة، وطالبت بمناطق آمنة علی الخريطة.
صحيح أن هذه الفکرة قديمة، منذ نحو ثلاث سنوات، لکن المفاجئ أنه تم تطبيقها سريعا وفي أقل من أسبوع من الکشف عنها! خطوة تؤيدها القوی المعنية، الأميرکية والروسية وترکيا والخليج والأردن، وتعارضها بشدة إيران ونظام الأسد.
من دون أن نغفل التفاصيل المقلقة والسلبية، فإن الخطة جيدة. اعتماد الملاذات يعني أولاً أن مصير الشعب لم يعد تحت رحمة ثلاثي دمشق، إيران وروسيا. أصبحت هناک شرعية علی أرض سوريا بتکليف الدول الأخری مثل ترکيا والولايات المتحدة.
ثانياً، الملاذات توقف مشروع تصدير اللاجئين الخطر علی استقرار الأردن وترکيا ولبنان وأوروبا، والذي خطط له معسکر دمشق الشرير.
ثالثاً، وقف عملية التغيير الديموغرافي التي ترسمها إيران، مع الأسد، بإعادة ترتيب المناطق طائفياً، وتؤمن السيطرة علی المناطق الاستراتيجية، وتبني ممراً جغرافياً يربط مستعمرات إيران الجديدة ببعضها، العراق وسوريا ولبنان.
ورابعاً، ستعطي الملاذات المعارضة السورية المدنية فرصة لأول مرة للعمل سياسيا علی الأرض.
رغم ذلک للملاذات مخاطر محتملة، فهي قسمت خريطة سوريا سياسيا. أعطيت أميرکا المناطق التي تهم أمن حلفائها، الأراضي المتاخمة للأردن وإسرائيل والأکراد. وأعطيت موسکو مناطق محاذية للبنان وأخری تقطنها الأقليات وفيها قواعدها الروسية. أما ترکيا، فقد أوکلت بالمنطقة المتاخمة لها.
ومن المخاطر المُحتملة أن تتسلل إليها الجماعات الإرهابية وتجند من سکانها، وتتحول إلی قضية عالمية. کذلک لن يکون سهلا تأمين الحاجات المعيشية والأمنية للمناطق المزدحمة، مما سيجعل السيطرة عليها صعباً وقد ينتقل الاقتتال إلی بعضها. ومن دون حل سياسي، أو انتصار عسکري حاسم، الملاذات ستصبح مثل معسکرات اعتقال لملايين الناس. ورغم هذه المخاطر، تبقی ضرورة لوقف المأساة الإنسانية، وتخليص ملايين الأبرياء من براثن النظام وحلفائه. وقد وأدت هذه الخطوة الحل الذي فرض قبل شهرين بتتويج النظام حاکماً بقوة الاعتراف الدولي، وستدفع الجميع للبحث عن حل معقول بديل.

زر الذهاب إلى الأعلى
منظمة مجاهدي خلق الإيرانية - أرشیف
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.