أخبار إيرانمقالات
رسائل «طاقم الراشدين» في إدارة ترامب إلی إيران

الحياة اللندنية
21/4/2017
بقلم: راغدة درغام
يسمونهم في واشنطن «طاقم الراشدين» الذي يشمل «محور البالغين» axis of adults المکوّن من وزير الدفاع الجنرال جيم ماتيس، وزير الخارجية ريکس تيلرسون، ووزير الأمن الوطني الجنرال جون کيلي، يضاف إليهم کل من مستشار الأمن القومي الجنرال هربرت رايموند ماکماستر (آش آر ماکماستر)، مدير وکالة الاستخبارات المرکزية مايک بومبيو، والسفيرة الأميرکية لدی الأمم المتحدة نيکي هايلي.
هؤلاء هم أرکان السلطة في إدارة الرئيس دونالد ترامب ونائبه مايک بنس، بل ربما التعبير الأفضل هو أرکان الدولة. هناک فاعلون آخرون في إدارة ترامب، أبرزهم فريق جاريد کوشنر صهر الرئيس المتزوج من ابنته ذات النفوذ المميز إيفانکا ترامب، وهذا الفريق يضم أصدقاء من «وول ستريت» في طليعتهم غاري کوهن ودينا حبيب باول نائبة مستشار الأمن القومي، ويواجه هذا الفريق فريق المستشار المتطرف قومياً ستيفن بانون.
طاقم الأمن القومي من الراشدين استفاد من التوتر بين فريقي البيت الأبيض وشق طريقه إلی دونالد ترامب الذي بدأ في الأسابيع القليلة الماضية يتصرف کرئيس بناء علی التشاور مع أرکان إدارته وليس بعشوائية طوّقت أول أيامه في البيت الأبيض. السؤال المطروح هو، کيف سيؤثر جنرالات إدارة ترامب ووزير خارجيته وسفيرة الديبلوماسية الحازمة في صقل السياسة الخارجية المتماسکة، وما هي خلفية فکرهم الاستراتيجي في العلاقات مع العالم؟.
الجنرال بأربع نجوم الذي يعرف هؤلاء الجنرالات عندما کان في ساحات العراق وأفغانستان والاستخبارات المرکزية، ديفيد بترايوس، يصف الطاقم بأنه «استثنائي» ويقول إن تفکير أرکان هذا الطاقم ليس محصوراً عسکرياً وإنما هو فکر استراتيجي مسيّس بامتياز. بترايوس، أثناء مخاطبته «مجمّع آسيا» في نيويورک، وصف نيکي هايلي بأنها «مذهلة» وهي «تقف في وجه روسيا» وتقوم بـ «تعييب الناس بأناقة». وقال عن صديقه المقرب جيم ماتيس إنه من «أروع» المفکرين الاستراتيجيين، عسکرياً وسياسياً، وأطری بإسهاب علی تيلرسون وبومبيو وکيلي وماکماستر.
بترايوس فاعل مؤثر بعمق في تفکير صنّاع السياسة الخارجية وراء الکواليس. إنه لا يتباهی أبداً بذلک، بل يحرص علی التقليل من أهمية دوره غير الرسمي. إنما أفکاره التي يعبر عنها في الجلسات الخاصة والعلنية لافتة ومفيدة في عملية التعرف إلی رؤی أرکان الإدارة. تصريحاته العلنية شملت قوله إن العملية العسکرية في مطار الشعيرات رداً علی استخدام النظام السوري الأسلحة الکيماوية هي «شبه بروفة لفريق الأمن القومي»، والسؤال الذي يتبعها هو: کيف سينتهي الأمر؟ ماذا بعد، إلی جانب تحقيق هدف إلحاق الهزيمة بـ «داعش»؟
رأي بترايوس هو أن الهدف يجب أن يکون إنهاء النزيف وسفک الدماء. رأيه أن ضربة عسکرية واحدة، علی أهميتها، لن تؤدي إلی تخويف الأسد. رأيه أن الذي يفرض الحل العسکري في سورية هو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والسوري بشار الأسد بالشراکة مع قاسم سليماني قائد «فيلق القدس» الإيراني والميليشيات التابعة لأمره، وعليه، يتطلب الأمر خلق «ظروف عسکرية» ذات «زخم» مواتية لقيام الولايات المتحدة بطرح مواقفها والحفاظ علی مصالحها.
رأيه أن سورية باتت «مفککة»، وفق التعبير الإنکليزي Humpty Dumpty الذي يعني أنه من الصعب جداً إعادة تلصيق أعضائها، أقله في الفترة المقبلة، لأن الصراع القائم في سورية سيطول إلی «أکثر من جيل». بالتالي، يتوقع أن تکون هناک –أقله علی مراحل– مناطق أمنية تضمنها دول مجاورة لسورية، کترکيا والأردن.
خلاصة تفکير بترايوس نحو روسيا أنه يجب أن يکون هناک «حوار استراتيجي» معها يکون جزءاً من «فن التوصل إلی الحل». فهو يشدد علی أهمية التواجد العسکري في سورية بمحدودية أعداد العسکريين علی الأرض –وعددهم الآن ألف– إنما بممتلکات عسکرية استطلاعية لها قيمة مميزة في ساحة الحرب العصرية. ويقول: «استغرقنا وقتاً طويلاً قبل استعادة الزخم» ميدانياً، ومن الضروري الإبقاء عليه.
مصدر مطلّع علی تفکير «طاقم الراشدين» في واشنطن لفت إلی أهمية ليس فقط أمثال الجنرال ديفيد بترايوس البارز، والجنرال ألن مکريستال قائد العمليات الخاصة الذي سبق وخاض معارک بدءاً من «درع الصحراء» إلی حرب الخليج وأفغانستان والعراق، وإنما أيضاً إلی عدد من الرجال من مرتبة «کولونيل» يتواجدون حالياً في الوزارات هم أيضاً رافقوا الجنرالات في حروب الخليج وأفغانستان والعراق وبين هؤلاء ديريک هارفي، مثلاً، وجويل رايبورن.
يقول المصدر أن جميع هؤلاء العسکريين الرفيعي المستوی الذين عملوا في ساحات الحرب العراقية والأفغانية «فهموا علاقة الأصولية الشيعية المتطرفة بالأصولية السنّية المتطرفة وتمکنوا من حل اللغز بين الاثنين». يضيف أن فکرهم يرتکز إلی انهم «تمکنوا من حل اللغز بين الأصوليين والمتطرفين واکتشفوا تورط النظام الإيراني مع النظام السوري بهدف إجهاض المشروع الأميرکي في العراق».
آش آر ماکماستر، وفق المصدر، درس بعمق علاقة النظامين بالجهاديين في کل من سورية والعراق، وهذا ترک أثراً مهماً علی فکره ورؤيته الاستراتيجية. أساسي أيضاً في فکره هو «مشروع العراق ومشروع أفغانستان علی أساس استئصال الفساد»، وإلا فإن الأمر «کمن يسکب الماء في کوب مثقوب».
يضيف المصدر أن ماکماستر مقتنع بأن لا مجال للتقدم في محاربة «القاعدة» أو «داعش» أو أي أصولية متطرفة من دون استئصال الفساد في الدول المشرّعة للإفساد مثل العراق وسورية وأفغانستان. ولذلک اختلف مع الرئيس السابق باراک أوباما وتصادم معه. فماکماستر أصر علی ضرورة الاهتمام بالسياسة البعيدة المدی في جهود إصلاح الحکومة الأفغانية حينذاک بقيادة کارزاي والحکومة العراقية بقيادة نوري المالکي بعيداً من سياسة الاسترضاء، لکن أوباما اعتمد الاسترضاء قاعدة أساسية لتنفيذ هوس الانسحاب الأميرکي من البلدين وهوس استرضاء إيران.
«طاقم الراشدين» يعتبر أن إيران لعبت دوماً دور المخرّب الأول والأخير للمصالح الأميرکية في المنطقة، وبالذات في العراق، وهم يعرفون تفاصيل العلاقة الوطيدة بين طهران ودمشق في إضرام النار ثم عرض دور الإطفائي. هذا ما يسمی بـ «الإطفائي» المريض بمرض إضرام النار. «الجنرالات يفهمون القصة وهو ما يفسّر کراهيتهم للنظامين الإيراني والسوري»، يقول المصدر، «لأنهما شريران في عزمهما علی خلق الشرخ بين السنّة والشيعة».
«لهذا، هناک إقلاع حقيقي وصادق عن فلسفة باراک أوباما» وفق قول المصدر المخضرم الذي يعتبر أن سياسة أوباما وإدارته قامت عمداً علی الفتنة وإشعال الحروب المذهبية بين السُنّة والشيعة في المنطقة العربية بقيادة إيرانية. فطاقم الراشدين في إدارة ترامب يريد استئصال الأدوات الإيرانية التي تستخدمها طهران في استراتيجيتها العسکرية الخارجية لحماية النظام الثوري وتصديره، وهذا تحوّل جذري بعيداً من السياسة الأميرکية في عهد باراک أوباما.
رأي المصدر المطلع هو أن قرار أرکان إدارة ترامب هو توفير «الحماية» لرئيس الوزراء العراقي الحالي حيدر العبادي کي يتصرف بثقة ويستأصل الفساد ويتمکن من لعب دور الشريک الحقيقي في استعادة العلاقة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والعراق. وهذا بين أبرز ما حمله جاريد کوشنر في زيارته العراق إلی جانب «لوائح بأسماء شخصيات شيعية تريد إيران قتلها بواسطة حزب الله» وفق أحد المصادر.
هذا المصدر يقول إن أي کلام عن تفاهم أميرکي– روسي حول دور إيراني في سورية ولو کان عبر ممر ومطار واحد لن يقبل به أرکان إدارة ترامب، لأن أي تسهيل للترابط بين إيران و «حزب الله» مرفوض کلياً. ويضيف أن هناک الآن إصراراً علی کسر قبضة «حزب الله» في أکثر من مکان بما في ذلک قبضة الحزب علی الدولة اللبنانية وذلک في «العاجل القريب».
لکن المصدر رفض الکشف عن الوسائل التي في بال أرکان إدارة ترامب واکتفی بالقول «جميعها»، إشارة إلی الأدوات الاقتصادية، المطار، العقوبات، الجيش اللبناني، وزارة المالية، ووزارة الأمن الداخلي الأميرکية. قد تکون هذه قراءة دقيقة لتفکير أرکان الإدارة وقد تکون مستعجلة. الواضح أن هناک تفکيراً أميرکياً في أدوات التعاطي مع کل من إيران و «حزب الله» من جهة ومع کل من حکومة حيدر العبادي وحکومة فلاديمير بوتين في کل من العراق وسورية.
هناک اليوم تفکير يتعمق يومياً بين أوساط صنع القرار الأميرکية، قوامه أن مَن لا يريد الشراکة الأميرکية الجدية في تحقيق هدف القضاء علی «داعش»، أمامه خيار معونة أميرکية.
هذا الکلام موجه إلی العبادي في العراق وبوتين في سورية، ليقررا ماذا يفعلان بإيران ونفوذها في البلدين. فمقولة امتلاک الوعاء الذي تکسره شقت طريقها إلی لغة السياسة الأميرکية ترغيباً بالشراکة وتحذيراً من مغبات رفضها. فأميرکا متورطة بقدر ما تريد أن تتورط، أما روسيا في سورية، فإن الورطة ورطتها والمستنقع في انتظارها، ما لم تستدرک وتقرر ما هو حقاً في مصلحتها.
بقي أن دونالد ترامب لا يرسم هذه السياسات بصورة اعتباطية مغرداً فجراً أو عصراً. إنها سياسات أرکان دولة في طاقم الراشدين الذين يحرص دونالد ترامب علی استشارتهم ليس فقط عند اجتماعات حکومية وإنما أيضاً بصورة غير رسمية حول الفطور أو العشاء ثلاث مرات أسبوعياً. ففي واشنطن الآن إدارة جدية ترسم السياسات المتماسکة والاستراتيجيات الأمنية. رسائلها إلی إيران في کل من سورية والعراق واليمن ولبنان لها أبعاد فائقة الأهمية.







