منظمة هيومن رايتس ووتش: قتل سنة العراق مستمر تحت شعار “بيوتکم قبورکم”

ايلاف
16/2/2015
اتهمت “هيومن رايتس ووتش” زعيم منظمة بدر الشيعية العراقية بقيادة مليشيات لارتکاب جرائم ضد السنة، وقالت إنها قتلت العديد منهم وأحرقت منازلهم وأرغمتهم علی مغادرة مناطقهم إثر توزيع منشورات في قراهم ومدنهم تقول “بيوتکم قبورکم.. ارحلوا فقد اعذر من أنذر”، وأشارت إلی أنّ هذه الجرائم مستمرة برغم وعود العبادي بردعها.
قالت منظمة “هيومن رايتس ووتش” من مقرها في نيويورک، الاثنين، في تقرير لها عن اوضاع حقوق الانسان في العراق أن انتهاکات المليشيات المتحالفة مع قوات الأمن العراقية في المناطق السنّية تصاعدت في الأشهر الأخيرة فتم إجبار سکان هذه المناطق علی ترک منازلهم وخطفهم وإعدامهم ميدانياً في بعض الحالات.
وأشارت إلی فرار حوالي 3000 شخص من منازلهم في منطقة المقدادية بمحافظة ديإلی (65 کم شمال بغداد) منذ حزيران (يونيو) الماضي، ومُنعوا من العودة منذ تشرين الأول (اکتوبر) التالي.
وأضافت أن قوات المليشيات والقوات الخاصة قتلت 72 مدنياً في بلدة بروانة الواقعة في المقدادية أيضًا.. موضحة ان بعض السکان ابلغوها أن قوات الأمن والمليشيات المتحالفة معها بدأت في مضايقة السکان في محيط المقدادية، المنطقة الواقعة علی مسافة 80 کيلومتراً شمال شرق بغداد في حزيران بعد وقت قليل من استيلاء تنظيم “داعش” علی الموصل ثاني کبريات المدن العراقية، ثم تصاعدت الانتهاکات بحسب شهود قرب شهر تشرين الأول الماضي، وهو الشهر التالي لتولي حيدر العبادي رئاسة الوزراء وتعهده بکبح جماح المليشيات المسيئة وإنهاء الطائفية التي کانت تغذي حلقة العنف في عهد سلفه نوري المالکي.
المدنيون بين مطرقتي داعش والمليشيات
وقال جو ستورک نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، “يتعرض المدنيون في العراق لمطرقة داعش ثم مطرقة المليشيات الموالية للحکومة في المناطق التي يستعيدونها من داعش.. ومع رد الحکومة علی من تعتبرهم إرهابيين بالاعتقالات التعسفية وعمليات التصفية، لا يجد السکان مکاناً يلجأون إليه لالتماس الحماية”.
وأشارت المنظمة إلی أنّها تحدثت مع ستة نازحين من سکان القری القريبة من المقدادية، وهي منطقة ريفية في غالبيتها يتنوع سکانها البالغ عددهم نحو 300 ألف بين السنّة والشيعة العرب والأکراد والترکمان. وقد قال خمسة منهم إنهم غادروا قراهم في البداية في حزيران وتموز إثر هجمات من مليشيات عصائب أهل الحق (بزعامة الشيخ قيس الخزعلي) المدعومة من ايران ومقاتلين متطوعين والقوات الخاصة.
وفي منتصف تشرين الأول ( اکتوبر)، بدأ السکان في العودة إلی بيوتهم حين سمعوا بمغادرة المليشيات للمنطقة ليکتشفوا أنها أحرقت العديد من المنازل، وبعد ذلک بقليل بدأ أفراد المليشيات التي سيطرت علی المنطقة في خطف السکان العائدين وإطلاق النار عشوائياً في الشوارع وفي الهواء من أسلحة آلية، حيث وصف السکان الذين أجريت معهم المقابلات عمليات خطف وقتل لثلاثة رجال بأيدي المليشيات.
واوضحت المنظمة أن الهجمات علی شمال المقدادية تبدو وکأنها جزء من حملة تشنها المليشيات لتهجير السکان من المناطق السنّية والمختلطة بعد نجاح المليشيات مع قوات الأمن في دحر داعش في تلک المناطق. وفي 29 کانون الأول (ديسمبر) الماضي، قام هادي العامري، قائد فيلق بدر ووزير النقل في عهد حکومة نوري المالکي السابقة بتهديد سکان المقدادية قائلاً “يوم الحساب قادم” و”سنهاجم المنطقة حتی لا يبقی منها شيء.. هل رسالتي واضحة؟”.
وأکدت هيومن رايتس ووتش أن باحثيها قد لاحظوا في تشرين الأول مليشيات تحتل منازل وتشعل فيها النيران في محيط العامرلي بمحافظة صلاح الدين (170 کم شمال غرب بغداد) عقب انسحاب مقاتلي داعش.. وفي 17 کانون الأول، أفادت صحيفة “وول ستريت جورنال” الاميرکية ووسائل إعلامية أخری بأن المليشيات تجري عمليات إخلاء وإخفاء وقتل في حزام بغداد بعد إجراء عمليات عسکرية ضد داعش.
وفي کانون الثاني الماضي، أفادت وسائل إعلامية بأن المليشيات ألقت القبض علی آلاف الرجال في سامراء بدون تصريح ومنعتهم من العودة إلی منازلهم. وفي 26 /کانون الثاني، قامت المليشيات ومقاتلون متطوعون وقوات أمنية بإرغام 72 مدنياً علی ترک منازلهم في بروانة بمحافظة ديإلی وإعدامهم ميدانياً. واوضحت هيومن رايتس ووتش انها تقوم حاليًا بالتحقيق في تلک الادعاءات.
وفي 18 کانون الأول، نشرت “وول ستريت جورنال” افتتاحية بقلم رئيس الوزراء حيدر العبادي تعهد فيها بـ”إخضاع جميع الجماعات المسلحة لسيطرة الدولة. فلن تعمل مليشيا أو جماعة مسلحة خارج قوات الأمن العراقية أو علی التوازي معها”.. وإضافة إلی الأمر بالتحقيق العلني في جرائم القتل في بروانة يوم 28 کانون الثاني، فقد أمر العبادي في 7 شباط بالتحقيق في مزاعم تفيد بأن قوات الأمن قتلت اثنين من المدنيين السنّة خارج إجراءات القضاء في الأنبار، وأدان سلوک المليشيات وقوات الأمن غير المشروع بعبارات شديدة اللهجة.
لکن هيومن رايتس ووتش شددت علی أن الأدلة علی تصدّر المليشيات للعمليات الأمنية في محافظات صلاح الدين وديإلی وبغداد وبابل تکذّب هذا التعهد.. ففي الاول من کانون الثاني 2015، عقد أبو مهدي المهندس، الذي طال تزعمه لمليشيا کتائب حزب الله ويرأس الآن الحشد الشعبي، وهو منظمة شبه حکومية تضم المتطوعين والمليشيات الشيعية، عقد مؤتمراً صحفياً وصف نفسه فيه بأنه قائد عسکري ورئيس مليشيا الحشد الشعبي” وهاجم المملکة العربية السعودية والولايات المتحدة اللتين وصفهما بکفلاء داعش وداعميها.
واوضحت هيومن رايتس ووتش أن هذا يوحي بأن الحبل ما زال متروکاً علی الغارب للمليشيات برغم وعود رئيس الوزراء. وقال جو ستورک: “يتعين علی الحکومة العراقية وحلفائها الدوليين الالتفات إلی آفة المليشيات التي تجتاح مناطق مثل المقدادية.. وينبغي لأي رد فعّال علی داعش أن يبدأ بحماية أرواح المدنيين ومحاسبة من يسيء إليهم وخاصة في المناطق التي تعرض الناس فيها بالفعل للمعاناة من احتلال داعش وهجماتها”.
روايات ضحايا وشهود
وقالت إحدی سکان قرية بلور في المقدادية، التي تبلغ من العمر 70 عاماً وقدمت نفسها باسم أم مريم، لهيومن رايتس ووتش أن شرطة المقدادية قامت في 8 کانون الأول بأخذ ولديها، کريم، 33 سنة، وسيف، 38 سنة، من منزليهما بدون تصريح اعتقال. وأضافت: “اقتحموا المنزل وأخذوهما”.. ثم أفرجت الشرطة عن الرجلين، اللذين قالت أم مريم إنهما مدنيان بعد يومين.
لکن في نحو الثالثة والنصف من عصر 12 کانون الأول، بينما کانت الأم تراقب اقتراب الرجلين من نقطة تفتيش في طريق عودتهما إلی المنزل، قام ستة مسلحين يرتدون زياً أسود أو مموهاً بخطف الرجلين ثم قاموا بدفع أم مريم وتهديدها بإطلاق النار إذا صرخت.. وقالت السيدة: “کنت أقبّل أيديهم حتی يتوقفوا لکنهم رکلوني بعيداً عنهم”.. وبعد هذا مباشرة ذهبت أم مريم لتقديم شکوی لدی مأمور قسم الشرطة، الذي قال لها إن الشرطة “لا تملک أن تفعل شيئاً” في واقعة الاختطاف، کما قالت.
وقال شقيق آخر للرجلين هو أبو يوسف إن مجهولين اتصلوا به بعد قليل وأبلغوه بوفاة شقيقيه، قائلين “تعال لأخذ کلبيک… لقد أطلقنا علی کل منهما 10 طلقات في الصدر وتخلصنا من الجثتين”. وعندئذ فرّت أم مريم وأبو يوسف إلی خانقين، وهي منطقة في شمال ديإلی تخضع لسيطرة البشمرکة والمليشيات الکردية علی السواء.
وقال مزارع في الخمسينات من العمر قدم نفسه باسم أبو سيف إن أفراد المليشيات، ومتطوعين يقاتلون مع الحشد الشعبي شبه الحکومي بدأوا منذ 20 حزيران في مهاجمة قری بلور والمطار والعروبة والحرية والصدور والهارونية التي تأوي کلها ما يقرب من ألف عائلة سنّية.
وقال أبو سيف إنه تعرف علی أفراد المليشيات من المکتوب علی جوانب عرباتهم کأفراد في “المقاومة الإسلامية عصائب أهل الحق”. وقال إنه شاهد أفراد المليشيات ومتطوعين يحرقون ما لا يقل عن 50 منزلاً في القری، ويطلقون الهاون والصواريخ علی منازل في حزيران.. وحيث انه ليس من المعلوم ما إذا کان أي من أفراد داعش موجوداً في القری في ذلک الوقت. قال أبو سيف إن عمليات اختطاف واسعة النطاق للذکور في سن التجنيد علی مدار الأشهر التالية دفعت معظم السکان إلی الفرار.
وأشارت المنظمة الدولية إلی أنّه کما فعل الکثيرون من سکان المناطق الريفية في شمال المقدادية، عاد أبو سيف بعد 3 أشهر، حين سمع بمغادرة المليشيات للمنطقة، وقال “لکن بحلول محرم أول أشهر السنة الهجرية في تشرين الأول تقريباً عادت المليشيات بکل قوتها”. وفي بلور القرية التي تسکنها قرابة 200 عائلة، وجه أفراد المليشيات إلی السکان السباب الطائفي وأرغموهم علی رفع أعلام الشيعة فوق منازلهم ومحالهم التجارية، بحسب قوله، مضيفًا “لقد جعلونا نشعر بأننا سجناء في بلدتنا”.
وقال إن الأوضاع تدهورت في کانون الأول، فقد شاهد أفراد المليشيات في منتصف الشهر يختطفون أحد تجار الخضر والفاکهة المحليين، وطالبوا في ما بعد بـ70 ألف دولار في مقابل إطلاق سراحه، وهو المبلغ الذي قال أبو سيف إن عائلة الرجل سددته، ولکن بعد يوم عثرت عائلة الرجل علی جثته علی جانب الطريق.
کما رحل أبو أحمد، وهو مزارع من قرية دور الضباط وعمره 32 عاماً، مع زوجته وطفله الذي يبلغ من العمر 3 سنوات، في حزيران وعندما عاد في تشرين الأول بعد أن سمع بعودة الأمان للمنطقة، أکد قائلا “عند عودتي وجدت النقيض التام”. فقد کان أفراد المليشيات يطلقون النار عشوائياً في الهواء ويطلقون الصواريخ داخل قرية دور الضباط، فيروعون الناس. وبدأت العائلات تغادر المنطقة مجدداً في منتصف کانون الأول ورحل 90 بالمئة من العائلات. ووزعت المليشيات منشورات تحذر السکان من القتل إذا لم يرحلوا.. وکان المنشور يقول “ارحلوا أيها النواصب.. بيوتکم قبورکم.. ارحلوا فقد أعذر من أنذر”.
وقال أبو أحمد إن سکان حي المطار ودور الضباط أخبروه بأن المليشيات تقوم بعمليات اختطاف في تلک المناطق، وکان أفراد هذه المليشيات الذين قال إنه عرفهم من أزيائهم السوداء أو المموهة، ومن شاراتهم يتجولون بالسيارات أو الدرجات البخارية في حيه يومياً “لمجرد ترويعنا”.. وقال: “أنا لا أخاف أن تطلق علينا داعش النيران بل أخاف أن تخطفنا المليشيات وتقتلنا”.
ومن جهته، قال رجل من قرية العزي قدم نفسه باسم أبويحيی، لـ هيومن رايتس ووتش، في مقابلة، إنه غادر المنطقة في أواخر 2013 بسبب تزايد اعتداءات المليشيات وقوات الأمن والاعتقالات الجماعية. وأضاف أن بعض السکان أخبروه بأنهم شاهدوا أفراد المليشيات والقوات الخاصة والشرطة الاتحادية من الفرقة الخامسة يحرقون منزله في 20 تموز، إضافة إلی منازل 30 مدنياً آخرين في قريته.. مؤکدًا أن منازل المدنيين لم تکن تحت استخدام داعش عند الاعتداء عليها.
أما أبو يحيی فقد عاد إلی المقدادية بمحافظة ديإلی شمال شرق بغداد خلال تشرين الأول، وکان مقيماً في بلدة بلور. لکن في التاسعة والنصف من مساء 18 کانون الأول، قام أفراد من المليشيات بخطف قريب له يبلغ من العمر 70 عاماً، هو علي محسن تحت أنظار أبو يحيی ووالدته وشقيقته، وحذر أفراد المليشيات السيدتين من الصراخ وإلا قتلوهما.. وأشار إلی أن العائلة عثرت في اليوم التالي علی جثة علي محسن علی جانب الطريق السريع المؤدي من بغداد إلی خانقين.
ويقول أبو قنديل، الذي يبلغ من العمر 58 عاماً، ويسکن قرية شوک الريم التي تأوي 300 عائلة، إن المليشيات بدأت في مهاجمة المناطق السنية في قضاء المقدادية في حزيران عن طريق الاعتداء بالضرب علی سکان القری المدنيين أو نسف منازلهم وخاصة في قريتي الإمام طالب والفاروق، وعند عودة السکان في تشرين الثاني وجدوا أن المليشيات ما زالت تحتل القرية حيث اتهم أفراد المليشيات السکان بتأييد داعش و”قالوا إنهم سيقتلوننا لأننا سنّة”.. وأضاف: “الناس في المنطقة مذعورون من قتلهم بأيدي المليشيات”. وقال إن أفراد المليشيات ما زالوا يشعلون النار في المنازل بقرية أخری هي الوزان.
وفي الختام، قالت هيومن رايتس ووتش إنها تحدثت مع الضحايا والشهود من المقدادية الذين فرّ معظمهم من منازلهم، عن طريق الهاتف ما بين 8 و15 کانون الثاني الماضي، وشرحت لمن أجريت معهم المقابلات کيف سيتم استخدام رواياتهم، فأبدی الجميع الموافقة بعد طلب حجب هوياتهم لأسباب أمنية.. ولذلک، فإن جميع الأسماء المستخدمة هي أسماء مستعارة.







