مقابلات

الأزمة في سورية ليست قضية حرية فقط


واشنطن بوست
6/2/2012


تشير أحداث التاريخ الی أن الأنظمة الإمبريالية تبدأ مرحلة الانهيار عندما تفقد حلفاءها ومواقعها الخارجية الرئيسية.
وهکذا نجد أن سقوط جدار برلين لم يکن بشيراً لتحرير أوروبا الشرقية من قبضة موسکو فقط بل کان مقدمة أيضاً لانهيار الاتحاد السوفييتي نفسه خلال سنتين فقط من ذلک.
من هنا، يمکن أن يشکل سقوط نظام الأسد في سورية نذيراً مماثلاً لإيران.
فالتحالف مع سورية يشکل محور النفوذ الإيراني المتمدد الذي يضم حزب الله المهيمن علی السلطة في لبنان بفضل التسليح والتوجيه الإيرانيين، وحماس التي تسيطر علی غزة وتهدد بانتزاع سيطرة حرکة فتح الضعيفة الآن في الضفة الغربية.
وبالإضافة لهذا، تمارس طهران ضغطاً متزايداً علی أفغانستان في الشرق ونفوذاً متوسعاً في العراق في الغرب بل وهي تتطلع لآفاق أبعد من ذلک الی أمريکا اللاتينية، وما رحلة الرئيس محمود أحمدي نجاد الی کل من فنزويلا، الإيکوادور، نيکاراغوا، وکوبا إلا دليل علی ذلک.
لکن من بين کل هذه الدول، تبرز سورية کأهم بلد لإيران، فهي الدولة العربية الوحيدة المتحالفة علناً مع بلد غير عربي، وهذا أمر ينطوي علی مغزی کبير لأن العرب يعتبرون أن لإيران منذ قرون توجهات ومخططات قديمة للهيمنة علی الشرق الأوسط. ومن الواضح أن شحنات السلاح، التي تم نقلها لحزب الله عبر سورية، مکّنت الإيرانيين من إقامة أول موقع لهم علی البحر الأبيض المتوسط منذ 2300 سنة.

 

انقسام

 

غير أن الانقسام العربي – الإيراني ليس فقط عرقياً أو قومياً بل هو طائفي أيضاً. فبينما يهيمن المذهب السنّي علی العالم العربي، يسيطر المذهب الشيعي علی إيران. ولذا تخشی الدول العربية من تسلل الإيرانيين إليها من خلال حزب الله في لبنان وسورية التي تحکمها طائفة متفرعة من الشيعة.
ولهذا ينطوي مصير نظام الأسد علی أهمية کبيرة جداً جيوبوليتيکياً، لکن سقوطه بات ملحاً، ليس فقط من أجل الديموقراطية وحقوق الإنسان، بل لأنه يقود دولة سلطوية بالغة البطش قتلت سابقاً أکثر من 20.000 إنسان في مدينة حماة وقتلت الآن ما يزيد عن 6000 إنسان آخر في الانتفاضة السورية الراهنة، طبقاً لسجلات حقوق الإنسان الدولية.
بيد أن فرصة التغيير الاستراتيجي تبدو معقدة جداً.
إذ بفضل شبکة علاقاتها بسورية وحزب الله، تشکل إيران الآن أکبر خطر إقليمي علی کل من: المملکة العربية السعودية ودول الخليج العربية القلقة منن الهيمنة النووية الإيرانية، الأنظمة التقليدية التي تشعر بالخوف من أعمال التخريب الجهادي الإيراني، إسرائيل التي تعهدت طهران بمسحها من علی الخريطة وأمريکا والغرب بعد أن تعهد ملالي طهران بضرب مصالحهما في المنطقة.
ولذا، لم يکن مفاجئاً أن تسعی الجامعة العربية من أجل رحيل الأسد، إذ ان سقوطه سيحرم إيران من قاعدة انطلاق داخلية عربية، ويقطع ممرها الی البحر الأبيض المتوسط. وستعود سورية عندئذ لصفها السنّي العربي بينما سيضعف حزب الله في لبنان نتيجة لغياب التأييد السوري والمساعدات المادية الإيرانية، کما ستعود حماس لأحضان مصر.
ولابد أن تؤدي مثل هذه التطورات التي ستحرم طهران من حلفائها الرئيسيين في وقت تعاني فيه أيضاً من صعوبات اقتصادية کبيرة نتيجة للعقوبات الدولية المفروضة عليها بسبب برنامجها النووي الی انکفاء إيران علی نفسها، لاسيما أن المعارضة الداخلية المتمثلة بـ«الحرکة الخضراء» التي تم قمعها عام 2009 لاتزال تغلي بانتظار الفرصة الملائمة للانفجار.
ومن المفيد الإشارة في هذا السياق أيضاً الی أن محاولات طهران المستمرة لدعم الأسد مالياً وعسکرياً لم تؤدِّ إلا الی زيادة المشاعر المناوئة لإيران في المنطقة.

 

فرصة

 

والحقيقة أن العرب السنّة ليسوا الوحيدين الذين يقفون ضد الأسد الآن فهناک أيضاً ترکيا التي تحولت للوقوف ضده بعد أن کانت علاقاتها وثيقة معه، وذلک بعد أن رأت أنقرة أن هناک فرصة مواتية لمد نفوذها لتعود کحامية للعالم العربي کما کان عليه الأمر أيام الإمبراطورية العثمانية. وما من شک في أن هذا الاصطفاف الراهن في القوی يشکل فرصة فريدة للغرب کي ينهي المهمة في سورية خلال الخطوات القليلة التالية:


أولاً: فرصة مقاطعة تجارية تامة علی سورية لا تشمل فقط النفط بل وأيضاً السلاح.
ثانياً: تقديم مساعدات کبيرة للمقاومة من خلال ترکيا التي توفر قاعدة لميلشيات الثوار وللمعارضة السياسية أو تقديم هذه المساعدة للثائرين في الداخل بشکل مباشر سراً.
ثالثاً: دعوة مجلس الأمن الدولي لإصدار قرار ينص علی إسقاط نظام الأسد، وإرغام روسيا علی الموافقة علی ذلک أو مواجهة غضب وسخط الدول العربية.
أخيراً، علی الولايات المتحدة تأکيد تضامن أمريکا القوي مع الجامعة العربية في مواجهة هيمنة إيران ونظام دمشق.
في الدبلوماسية غالباً ما يجد المرء نفسه أمام الخيار بين إما حقوق الإنسان والمصلحة الاستراتيجية، لکن في الأزمة السورية ليس هناک حاجة للاختيار لأن حقوق الإنسان في سورية ومصالح الولايات المتحدة الاستراتيجية فيها تفرض علی واشنطن العمل بقوة لإنجاز التغيير المطلوب.


زر الذهاب إلى الأعلى
منظمة مجاهدي خلق الإيرانية - أرشیف
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.