ستراون ستيفنسون مبعوث أوروبي إلی العراق قرر خلع رداء شاهد الزور

العرب
12/7/2015
عبدالله مکسور
ستيفنسون يدرک في حقيقةِ المشهَد خفايا المشروع الإمبراطوري الإيراني في العراق ولکنه يرفض أن يکون شاهد زور علی کل ما يحاک في الخفاء
“لم أعُد عُضواً في برلمان الاتحاد الأوروبِّي، لذلک أستطيعُ التحدُّث بحريَّةٍ کما أشاء من صفتي کرئيس للجنةِ العلاقات الأوروبية العراقية، وأنا أستغربُ جدَّاً کيف يطوف الجنرال قاسِم سليماني المُدُن العراقية؟ وکيفَ تتزيَّنُ الجدرانُ بصورتِهِ وبعباراتٍ تمتدحَهُ وتصفَهُ بقاهِرِ الأعداء، بينما هو قائدُ قوَّة القدس المُصنَّفَةِ أوروبيَّاً علی أنَّها منظَّمةٌ إرهابية”.
هذه الکلماتُ المُباشرة التي قالَها ستراون ستيفنسون عضو البرلمان الأوروبي السابق ورئيس لجنة العلاقات مع العراق، قد تختصِرُ رؤيتهُ للحالةِ العراقية التي وصفَها في وقتٍ مبکِّرٍ من الأحداثِ التي تعصِفُ بالشرقِ الأوسط أنَّها تنحدِرُ نحو العنف والفوضی، هذه الرؤيةُ شکَّلها ستيفنسون نتيجةَ رحلاتِهِ المکُّوکيَّةِ إلی العراق عبر السنوات السبع الأخيرة، مواقفُ عديدةٌ واضحةٌ أطلقَها الرجلُ سواء في مؤتمراتِهِ الصحفيَّةِ أو جلسات البرلمان الأوروبي ومن خلال کتبِهِ التي تناولَ بها الأزمات التي أدارَها مباشرةً من خلال عملِهِ في منظومةِ الاتحاد الأوروبي.
إدارة الصراعات
رحلةٌ عامرةٌ بالأزمات التي أدارَها أو اقترب منها، بدأَت دوليّا في کازاخستان وتحديداً في منطقة سيميبالاتينسک الواقعَةِ علی بعد مئةٍ وخمسين کيلومترا من الموقِعِ الرئيسي للتجارب النووية الروسية “السوفياتية سابقاً” حيثُ قامت حکومةُ موسکو باستخدام أکثر من خمسمئة سلاحٍ نووي بين عامي 1947 م و1989 م قبل أن يُعلِنَ الرئيس الکازاخي نور سلطان نزار باييف إغلاقهُ نهائياً في التاسع والعشرين من أغسطس لعام 1991 م بعدَ أن نالَت کازاخستان استقلالَها مباشرةً عقِبَ سقوط الاتحاد السوفياتي.
في ظلِّ الحربِ البارِدة تحوَّلت سيميبالاتينسک إلی أيقونةٍ في الصراعِ بين موسکو وعواصمِ أوروبا، حيثُ کلَّفَتِ الأخيرةُ في وقتٍ لاحقٍ ستراون ستيفنسون بالترويجِ لحملةٍ عالميةٍ لرفعِ مستوی الوعي والمساعدات الآمنة لضحايا الإشعاع النووي، لما يترُکُهُ هذا الإشعاعُ من إرثٍ مروِّعٍ من التلوُّثِ والحرمان والمرض والفناء.
نجاحُهُ بإدارةِ الحملةِ الدوليَّةِ دفَعَت بکليَّةِ العلوم الطبيَّةِ الأکاديميَّةِ الحکوميَّةِ في سيميبالاتينسک لمنحِهِ درجةَ الدکتوراه الفخريَّة تزامناً مع زيارَتِهِ الثالثة للبلاد في عام 2003، فضلاً عن اعتبارِهِ مواطناً فخرياً في المدينةِ الکازاخية، وليکونَ بعد ذلکَ بعام تقريباً الفائزَ بجائزةِ أفضلِ مقال صحفي من مؤسسة تمبلتون جون في الولايات المتحدة الأميرکية، عن مقالِهِ “البکاء للأبد” الذي وصَفَ فيه باختصار معاناةَ شعب سيميبالاتينسک، هذا العنوان أيضاً حمَلَهُ کتابَهَ الصادر في عام 2006 والذي خصَّصهُ لتجربَتِهِ عبر رحلاتِهِ المتعدِّدة إلی کازاخستان والتي قلَّدَهُ رئيسُها وسامَ الرحمة لعملِهِ الإنساني عام 2007.
الميليشيات الطائفية التي تديرها طهران ستذهب بالعراق بعيدا نحو الحرب الأهلية، هکذا قال ستيفنسون منذ أشهر محذرا مما يتحول واقعا علی أرض العراق التي يربطها الغرب والولايات المتحدة بنجاح مفاوضات الملف النووي الإيراني
الشرق الأوسط وستيفنسون
هذا الإقصاءُ الذي يتجاهلهُ الجميع فتَحَ الأبواب أمام الأذرُع الإيرانيَّةِ لتکونَ ساحاتُ العراق ملعباً لها، أمام هذا المشهد يعتبر ستيفنسون أنَّ إدارةَ البيت الأبيض الأميرکي في عهدِ أوباما ألحقَت ضرراً کبيراً بقدرةِ الغربِ علی الحدِّ من طموحِ إيران النووي، فالتسهيلاتُ التي قدَّمتها الإدارةُ الأميرکية بشأنِ الملف النووي الإيراني ستدفعُ ثمنها أوروبا کاملةً، فالبوادِرُ التي شهِدَتها وتشهدُها المُدُن العراقية التي عصَفَت وتعصِفُ بها نيران الطائفية أدَّت إلی إکمال الخطَّةِ الإيرانية عبر الميليشيات الطائفية الموالية لطهران في بلاد الرافدين.
نحنُ هنا أمام معادلةٍ صعبةٍ کما يراها ستيفنسون الذي يستغربُ من تجوُّلِ الجنرال قاسم سليماني في المدن العراقية التي تتزيَّنُ بصورتِهِ علی بعض جدرانِها بينما هو يترأَّسُ قوَّةَ القدس المُدرَجَةِ رسميَّاً علی قوائمِ الإرهاب الأوروبية، تلکَ الميليشيات الطائفية المدعومة من طهران ارتکبَت کما اتَّهَمَها مراراً ستيفنسون الفظائعَ المُتتالية ضدَّ سکانِ المُدُنِ السُّنيَّةِ في العراق، واضعينَ أنفُسَهُم في مقابلةٍ ثنائيَّةٍ مع تنظيم دولة العراق والشام، وما باتَ يُعرَفُ اصطلاحاً بداعش، أمام کلِّ هذا تُقدِّمُ الولايات المتحدة الأميرکية دعماً عسکرياً للميليشياتِ الطائفية وقوَّةِ القدس الإيرانية عبر طلعاتٍ جويَّةٍ تُنفِّذُها طائراتُ التحالُف.
هذا المشهد نری صداهُ يتردَّدُ مراراً في تصريحات الدبلوماسي الاسکتلندي الذي قابلَ مراراً قياداتٍ سياسيَّةً من السُّنُّة في العراق، خارجاً برؤيتِهِ القائمةِ علی ضرورةِ إعادَةِ القوَّةِ السُّنيَّة کتکتُّل بشري ضمن مکوِّنات الجيش العراقي، فالجيشُ العراقي الوطني هو الضامن الوحيد کما يری ستيفنسون لعدمِ استمرار انجرار البلادِ إلی حربٍ أهلية.
حقوق الإنسان
حيدر العبادي يقدم له ستيفنسون عبثا الخلطة السرية لإعادة العراق إلی مساره الطبيعي، و تتمثل في تشجيعِ أهل المناطقِ السنية علی الانخراط مع الجيش العراقي و قوات البيشمرکة، عقب إظهار النية الحقيقية لتقليم أظافر إيران في العراق، وهذا لا يتم کما يری ستيفنسون إلا من خلال إنهاء الميليشيات الطائفية والإطاحة برجال طهران في بغداد سواء في الحکومة السياسية أو الجيش العسکري ومختلف قطاعات الدولة
فالعراقُ عندَهُ هو الجارُ المسکينُ الذي يتضرَّجُ دماءً بسببِ نظامِ الملالي في طهران، في تلکَ الندوة کشَف مراراً عن لُبِّ المسألةِ العراقية التي بدأت بانتخاباتٍ مزوَّرةٍ وصلَ فيها نوري المالکي إلی السلطة بعد الإطاحةِ بأياد علاوي بدعمٍ من طهران التي تحتاجُ وجودَ رجُلِها في بغداد، تلک الرحلةُ التي بدأَها المالکي بالإطاحةِ أيضاً بکلِّ من يقفُ ضدَّ التدخُّل الإيراني بالشأنِ العراقي، بصورةِ إعفاءِ کلِّ الضبَّاطِ أو المتنفِّذين لإحکامِ الدائرةِ الملالية علی بلاد الرافدين قبلَ البدء بتنفيذِ المشروعِ الأخطر طائفياً، من خلال تهميش المناطق السنِّيَّةِ وإدخالِها في لعبةِ الولاءِ لداعش، أو حصرها في دائِرةِ الوقوف إلی جانِبِ تنظيم دولة العراق والشام باعتباره مرادفاً واقعياً للميليشيات الطائفية التي تدعمُها إيران ويُديرُها المالکي تحت تسمياتٍ وطنيَّة.
المالکي يرشو ستيفنسون
هذه الصورة تُحيلُنا إلی الانتفاضة التي شهدَتها المناطقُ السنِّيَّةُ في العراق عقِبَ السياسات الطائفية التي مارسَها نوري المالکي، من خلال أذرُعِهِ الممتدة في قلبِ الدولة العراقية العميقة، تلکَ الدولةُ التي صنَّفتها منظَّماتٌ دوليَّةٌ أنَّها الأکثر فساداً في الإدارة وثالث أکثر دولةٍ تُنفِّذُ أحکامَ الإعدامِ بعد الصين وإيران.
إيران ونظامُها الملالي تلعبُ دوماً في ألوان العراق والمنطقة عموماً لتصبغَها بلونٍ واحد سواء من خلالِ خلقِ تنظيماتٍ “جهادية” کحزب الله، أو من خلالِ رجالِ السُلطةِ الذين يجلسون في العواصِمِ العربية ويدينون بالولاءِ لطهران، أو من خلال التدخُّلِ العسکريِّ المباشَر کما شاهدنا في عشرات الآلاف من الفيديوهات المُصوَّرةِ في سوريا أو العراق، هذه المعادلةُ ورِثَها حيدَر العبادي رئيس وزراء العراق الحالي کما هي، فقدَّمَ لهُ ستيفنسون من خلال تصريحاتٍ إعلامية الخلطةَ السريَّةَ لإعادةِ العراق إلی مسارِهِ الطبيعي، تلکَ الخلطةُ تتمثَّل في تشجيعِ أهلِ المناطقِ السنيَّةِ الذينَ يرون أن الميليشيات الطائفية الشيعية أشدُّ خطراً عليهِم من تنظيم دولة العراق والشام الإسلامية، تشجيعهُم علی الانخراط مع الجيش العراقي وقوَّات البيشمرکة في مواجهةِ داعش، عقِبَ إظهار النيَّةِ الحقيقيَّة لتقليم أظافِر إيران في العراق، وهذا لا يتمُّ کما يری ستيفنسون إلا من خلال إنهاء الميليشيات الطائفية والإطاحةِ برجالِ طهران في بغداد سواء في الحکومةِ السياسية أو الجيش العسکري ومختلف قطاعات الدولة.
يحاوِلُ الدبلوماسي الاسکتلندي يحاوِلُ أن يتلمَّسَ مواطنَ الخلل ومکامن الفساد التي أسَّسَ لها بناءُ نوري المالکي في سنوات رئاستِهِ لحکومة العراق
الفوضی الخلاقة
وفي أحاديثِهِ المختلِفة ومقالاتِهِ المنشورة يحاوِلُ الدبلوماسي الاسکتلندي أن يتلمَّسَ مواطنَ الخلل ومکامن الفساد التي أسَّسَ لها بناءُ نوري المالکي في سنوات رئاستِهِ لحکومة العراق، جازماً أنَّ الحال لن يستقيم دون لجمِ إيران ونظامِها عن التدخُّل في ملفات المنطقة، حيثُ دعا مراراً إلی طردِ الميليشيات الموالية لإيران إلی خارج الحدود العراقية، وفي ذات الوقت العملُ علی إعادةِ بناء الجيش العراقي وتأهيلِهِ لکسبِ ثقةِ الشارعِ السنِّي، مستذکراً دائماً الجهود الدولية التي تضافرت لتشکيل قوَّةٍ مکوَّنةٍ من العشائر العربية السنيَّةِ عقِبَ الغزوِ الأميرکي للعراق عام 2003 داعياً إلی إعادةِ تجربة بناء الثقة مع تلک العشائر لمواجهةِ خطر تنظيم دولة العراق والشام الإسلامية، وجسور الثقة هذه لن تنجحَ ما دامَت الميليشيات الطائفية تسيرُ في شوارع المدن العراقية بأمرٍ مُباشَرٍ من طهران.
الحرب الأهلية
ستيفنسون السياسي الأسکتلندي المُتَعاطِفُ مع الواقِعِ السُّنِّيِّ الصعب في العراق أمام المد الإيراني، قدَّم رؤيتهُ لإنقاذِ ما تبقَّی من التعايُش بين أطياف البلاد عبر الخلاص من النفوذ الإيراني، هو الذي يتمتَّعُ بعلاقاتٍ وطيدةٍ مع معارضي نظام الملالي سواء في الخارج الإيراني أو من مجاهدي خلق المتواجدين في مخيَّم ليبرتي علی الحدود العراقية الإيرانية، يُدرِکُ ستيفنسون في حقيقةِ المشهَد أنَّ إيران تسعی بکلِّ القوَّةِ الممکنة لتذليل کلِّ ما قد يعترضُ إعادةَ أمجادِ الإمبراطوريَّةِ الزائلة، ولکنه يرفض أن يکون شاهد زور علی ما رأی وسمع.







