وجوه الحکومة الإيرانية المبتسمة!

نقلاً عن “الشرق الأوسط”
23/8/2015
بقلم : عبدالرحمن الراشد
السمعة السيئة التي اشتهر بها نظام الحکم في طهران لم تکن مجرد بروباغندا لفقت ضده في ظروف الحرب السياسية والدعائية معه منذ قيام الثورة، بل هي الوجه الحقيقي لستة وثلاثين عامًا من سياسة تصدير الفوضی، والثورات، والعنف، والفکر المتطرف المعادي لکل ما يخالفها محليًا وإقليميًا وغربيًا. السمعة السيئة نتيجة لأفعال کثيرة سيئة من خطف، واغتيالات، وتفجيرات، وتهديدات، وتثقيف، وتمويل، موجهة ضد عدد کبير من دول العالم، إلی جانب أفعال الحکم العنيف في داخل إيران سياسة وملاحقة وإقصاء لملايين الإيرانيين الذين فروا ويعيشون اليوم في المنافي في أنحاء العالم.
هذه التراکمات السلبية جعلت الحکم في طهران يشبه أنظمة سيئة مثل نظام صدام في العراق، والأسد في سوريا، والقذافي في ليبيا، وکيم جونغ في کوريا الشمالية، وليست صورة «فبرکها» أعداء إيران في الخارج.
الآن، الحکومة الإيرانية تتحدث بلغة جديدة وترسل إشارات صريحة، عن رغبتها في بناء علاقة إيجابية مع خصومها في منطقة الشرق الأوسط. وقد التقطت الإشارات التي أطلقها وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف بشکل سريع من الخصوم، وجاءت ردود الفعل کما هو متوقع مرحبة من حيث المبدأ، وفي نفس الوقت متشککة في جديتها. القناعة العامة أن حکومة طهران تدير حملة لتهدئة الخواطر، هدفها وقف المعارضة الإقليمية للاتفاق النووي مع الغرب، وتحديدًا من قبل دول الخليج والأردن وکذلک إسرائيل، الذين يعتبرونه اتفاقا جيدًا علی الورق لکنه يوقع بحبر لا يکشف النيات السيئة عند طهران. وطبعًا للفرقاء المعارضين للاتفاق أسباب مختلفة. فالدول العربية تعتقد أن إيران تريد تحييد الغرب وإنهاء عقوباته حتی تستکمل مشروعها للتوسع والهيمنة ضدهم في المنطقة. أما إسرائيل فتشک في أن إيران لا تنوي وقف برنامجها النووي العسکري، والاتفاق ليس فيه ضمانات کافية، وسيشکل خطرًا علی وجودها وليس أمنها فقط. وهناک فريق ثالث لا يقل تشککًا ومعارضة موجود في داخل الدوائر السياسية الأميرکية، بما في ذلک داخل حزب الرئيس نفسه، الديمقراطي.
في السابق کانت إيران صريحة في تطرفها، لم تکن تعير اهتمامًا لما يقال حول نياتها ومواقفها لأنها منسجمة مع سياساتها، أما اليوم فقد صارت تخشی أن تلتقي مصالح المعارضين للاتفاق، في المجموعات الثلاث، فيجمع العرب والإسرائيليون والأميرکيون علی إفساد الطبخة. مع أنه يجب أن نقول، أيضًا، علی الرغم من المعارضة الشديدة تظل حظوظ الرئيس باراک أوباما عالية جدًا في تمرير الاتفاق عبر المجالس التشريعية والتصديق عليه. وکل ما يحتاجه الرئيس تأمين موافقة فقط ثلث أحد مجلسي الکونغرس، الشيوخ أو النواب.
من أجل عبور المرحلة المتبقية والحرجة لتفعيل الاتفاق النووي تقوم إيران بوضع أصباغ علی سياستها ولغتها الموجهة للخارج، لتجميلها من أجل طمأنة القلقين والرافضين، بأنها تريد التعاون، وفتح صفحة جديدة، وأنها أصبحت إيران جديدة، دولة مع الاعتدال سياسيًا، والتعاون إقليميًا ودوليًا، والتسامح دينيًا. ولهذا وضع النظام في الواجهة شخصيتين باسمتين، الرئيس حسن روحاني ووزير خارجيته ظريف. کلاهما لا يشبهان في شيء مسؤولي الحکومة السابقة، نجاد ووزرائه العابسين. لکننا نعرف أن الوجوه لا تکشف حقيقة السياسيين، الأفعال وحدها. فالرئيس السوري الحالي رجل بشوش وأنيق وفي غاية التهذيب لکن في الواقع علی يده دم أکثر من ربع مليون إنسان.
وفي إيران الرئيس وحکومته فعليًا لا يحکمون، بل هناک مؤسسة دينية متشددة هي التي تقرر التفاصيل المهمة. ومن معرفتنا بها لم نر تغييرًا في سياستها العدائية سواء ضد دول المنطقة أو حتی ضد مواطنيها الإيرانيين المعارضين لها. فالصورة التي تحاول أن تظهر بها، واللغة الرقيقة التي تخاطبنا بها، قد تکون مجرد مساج لتليين العضلات المتشنجة ضدها وضد المشروع برمته، والهدف النهائي لإيران أن توصل الاتفاق إلی مرحلة الإقرار والتصديق النهائي ثم إکمال رفع العقوبات.







