مقالات

مصداقية أوباما علی المحک.. ونهاية «داعش» ليست قريبة!

 

 

 

 


 الشرق الاوسط
11/9/2014

 

بقلم: صالح القلاب

 


عندما يقول باراک أوباما، ويکرر القول، مسبقا إنه لن يرسل قوات برية لمقاتلة تنظيم «داعش» في سوريا والعراق فإنه بالإمکان التذکير بعجز بيت الشعر العربي القائل: «أبشر بطول سلامة يا مربع» وإنه يجب أن يتساءل أصدقاء الولايات المتحدة وغير أصدقاء الولايات المتحدة عن دوافع انعقاد قمة «ويلز» الدولية الأخيرة ما دام أن الرئيس الأميرکي لا يزال مترددا ومرتبکا ويظن أنه بالإمکان القضاء علی هذا التنظيم الإرهابي بمجرد التهديد والوعيد وبالاستعراضات العسکرية وببعض الغارات الجوية التي من غير الممکن أن تحسم مواجهة معقدة کهذه المواجهة.

المفترض أن أوباما يعرف أن سلفه جورج بوش (الابن) قد لجأ، ردا علی جريمة 11 سبتمبر (أيلول) عام 2001، إلی إنشاء تحالف دولي أهم من هذا التحالف الذي يحاول إنشاءه الآن للقضاء علی «داعش» وأنه، أي جورج بوش (الابن)، قد احتل أفغانستان کلها وأرسل خيرة القوات الأميرکية إليها ومع ذلک فإن «القاعدة» لم تنته وأن حرکة «طالبان» أصبحت أقوی مما کانت عليه وأن أيمن الظواهري قد أعلن في اليوم الذي انعقد فيه اجتماع «ويلز» عن إنشاء فرع لـ«قاعدته» في شبه القارة الهندية.
والمؤکد أن باراک أوباما يعرف أيضا أن جورج بوش (الابن) قد غزا العراق واحتله عام 2003 بتحالف دولي شکل البريطانيون قوة رئيسية فيه وأنه أبقی في بلاد الرافدين قبل انسحابه عام 2011 أکثر من 150 ألفا من الجنود الأميرکيين لکنه لم يستطع القضاء علی «القاعدة» بل إن هذا التنظيم الإرهابي قد تعززت قوته وأصبح أکثر انتشارا في ظل وجود کل هذه الأعداد من القوات الأميرکية.
إنه ضروري أن يکون هناک کل هذا التحشيد الکوني لمواجهة «داعش» وإنه يجب التحرک، وإنْ في وقت متأخر، لمواجهة هذه الآفة التي غدت لا تهدد هذه المنطقة فقط وإنما العالم کله لکن وفي کل الأحوال فإنه لا بد من الأخذ بعين الاعتبار ومنذ الآن أنه بالقوة العسکرية وحدها، وبخاصة هذه القوة التي يتحدث عنها باراک أوباما، ربما بالإمکان إضعاف هذا التنظيم لکن المؤکد أنه لا يمکن اجتثاثه نهائيا.. وها هي تجربة «القاعدة» لا تزال حية وماثلة للعيان.
کان خطأ الولايات المتحدة الفادح أنها بادرت إلی الانسحاب من أفغانستان بمجرد انسحاب القوات السوفياتية الغازية منه وذلک مع أن المفترض أن يطيل الأميرکيون بقاءهم في هذا البلد إلی أن يرتبوا الأوضاع الداخلية فيه وبصورة نهائية وإلی أن يقضوا علی الصراع الذي کان احتدم بين التنظيمات الأفغانية المتعددة المشارب والاتجاهات والأعراق حتی قبل الانسحاب السوفياتي، لکن هذا لم يحصل علی الإطلاق مما جعل حرکة «طالبان» تسيطر علی کل شيء وجعل «القاعدة» تنمو بسرعة وتنشئ خلايا سرية في الکثير من دول العالم وتقوم بتلک العملية الإرهابية التي أوجعت قلب الولايات المتحدة واستهدفت في 11 من سبتمبر عام 2001 أهدافا استراتيجية في نيويورک وواشنطن من بينها برج التجارة العالمي الشهير والمعروف.
ثم وکان خطأ باراک أوباما الفادح أنه تعجل الأمور، بعد تسلم الرئاسة، عندما بادر عام 2011 إلی سحب القوات الأميرکية من العراق سحبا کيفيا وترک هذا البلد، الذي تقع مسؤولية کل ما جری فيه لاحقا وما يجري فيه الآن علی الولايات المتحدة، إلی التدخل الإيراني السافر في شؤونه الداخلية وأيضا إلی تنظيم «القاعدة» الذي استغل أوضاع العرب السنة، التي غدت مأساوية خلال حکم بول بريمر وحکم «ورثة» بريمر، فأصبح بکل هذه القوة وبکل هذا الحجم والذي ليس مستبعدا أن يتمدد أکثر وأکثر في هذه المنطقة ما لم يبادر تحالف «ويلز» إلی معالجات جدية غير المعالجات المقترحة التي کشف النقاب عن بعضها يوم أمس (الأربعاء)!! وما لم تشمل هذه المعالجات جميع التنظيمات الإرهابية الأخری وليس «داعش» وحده.
ما کان من الممکن أن يصل «داعش» إلی ما وصل إليه من قوة وأن يتمدد کل هذا التمدد لو لم تنسحب القوات الأميرکية من العراق ولو أنها بقيت إلی أن تمت معالجة معادلة: «المنتصر والمهزوم»، التي وضعها بريمر، واستعاد العرب السنة حقوقهم وکراماتهم المهدورة وإلی أن جری الحد من التدخل الإيراني واقتلاع «القاعدة» من جذورها وحرمانها من البيئة الحاضنة التي توفرت لها خلال حکم نوري المالکي وقبل ذلک.
إن المفترض أن باراک أوباما يعرف أن «داعش» ليس واحدا وأنه «دواعش» وأن المخابرات السورية والمخابرات الإيرانية قد اخترقته مبکرا لضرب الثورة السورية من داخلها ولترويج کذبة أن هذا النظام، نظام بشار الأسد، لا يواجه الشعب السوري الذي يسعی للتغيير والتحرر والانعتاق وإنما إرهاب منظم تقف خلفه دول قريبة وبعيدة، وحقيقة أن کل هذا قد اتضح وضوحا کاملا عندما بادر وزير الخارجية السوري وليد المعلم وبسرعة إلی عرض خدمات النظام الذي ينتمي إليه لمواجهة هذا التنظيم وعندما بادرت إيران إلی تقديم مساعدات عسکرية لقوات الـ«بيشمرکة» الکردية، التي کانت دخلت في مواجهة مع تنظيم «داعش»، لتفرض، أي دولة الولي الفقيه، نفسها علی معادلة القضاء علی هذا التنظيم الإرهابي.
وهنا تجب الإشادة بالموقف الذي اتخذته الولايات المتحدة ومعها معظم دول الاتحاد الأوروبي برفض مشارکة إيران ومشارکة نظام بشار الأسد في التصدي لـ«داعش» ومواجهته، فـ«حراميها لا يجوز أن يکون حاميها» وأميرکا تعرف والأوروبيون يعرفون أن هذا النظام السوري ومعه دولة الولي الفقيه هما من وفر لهذا التنظيم البيئة الحاضنة وبالتالي فإنه لا يمکن القضاء علی «داعش» لا في المدی المنظور ولا علی المدی البعيد ما لم يتم تحجيم التدخل الإيراني السافر في شؤون العراق الداخلية وما لم يتم توفير الدعم الفعلي والحقيقي الذي تحتاجه المعارضة السورية المعتدلة للقضاء علی هذا النظام الاستبدادي والطائفي الذي شتت العباد ودمر البلاد والذي سيوصل سوريا إلی التشظي والانقسام ما لم يتخلَ باراک أوباما عن تردده ويتخذ الموقف المطلوب لحسم الأمور في هذا البلد الرئيسي والمفصلي وبسرعة.
ستکون الأيام المقبلة حاسمة ومفصلية إنْ في العراق وإنْ في سوريا وإنْ في هذه المنطقة وإنْ في العالم بأسره، ولقد أصبحت مصداقية باراک أوباما بعد کل هذا التحشيد الدولي علی المحک في ضوء انضواء أکثر من أربعين دولة في التحالف الذي قررت قمة «ويلز» إقامته للقضاء علی «داعش»، وهنا فإن ما يجب أن يقال لرئيس الولايات المتحدة الذي من المفترض أن يغادر البيت الأبيض بعد عامين ونيف ولرؤساء الدول التي انضمت إلی هذا التحالف إنه لا يمکن حسم هذه المعرکة وأي معرکة بالغارات الجوية وحدها وإنه لا انتصار ولا حسم من دون القوات البرية.. وإنه لا قضاء علی الإرهاب بالقضاء علی «داعش»، فهناک «القاعدة» وهناک تنظيمات أخری بأسماء مختلفة وهناک الأزمات المتفجرة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية التي إنْ لم تحل الحل العادل والمنشود فإن مبررات ظهور التنظيمات الإرهابية ستبقی متوفرة إنْ في هذه المنطقة وإنْ في العالم بأسره!!

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
منظمة مجاهدي خلق الإيرانية - أرشیف
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.